تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دور‭ ‬التحولات‭ ‬التكنولوجية‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬التنافسية‭ ‬العالمية

TY33

مع‭ ‬توسع‭ ‬اقتصاد‭ ‬المعرفة،‭ ‬باتت‭ ‬المهارات‭ ‬البشرية‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬العوامل‭ ‬التي‭ ‬تحدد‭ ‬قدرة‭ ‬الدول‭ ‬على‭ ‬المنافسة‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية‭. ‬فالمعلومات‭ ‬والمعرفة‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬متاحة‭ ‬على‭ ‬نطاق‭ ‬واسع،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬تحويلها‭ ‬إلى‭ ‬قيمة‭ ‬اقتصادية‭ ‬حقيقية‭ ‬يتطلب‭ ‬وجود‭ ‬كوادر‭ ‬بشرية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬توظيفها‭ ‬وتطويرها‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬الإنتاج‭ ‬والتكنولوجيا‭.‬
ومن‭ ‬هنا‭ ‬يبرز‭ ‬الدور‭ ‬المحوري‭ ‬للتعليم‭ ‬والتدريب‭ ‬المهني‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬اقتصاد‭ ‬تنافسي‭ ‬قائم‭ ‬على‭ ‬المعرفة‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬اكتساب‭ ‬المهارات‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬المؤسسات‭ ‬التعليمية‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬يتشكل‭ ‬أيضاً‭ ‬داخل‭ ‬بيئة‭ ‬العمل‭ ‬نفسها،‭ ‬حيث‭ ‬تتراكم‭ ‬الخبرات‭ ‬العملية‭ ‬وتتحول‭ ‬المعارف‭ ‬النظرية‭ ‬إلى‭ ‬قدرات‭ ‬تطبيقية‭ ‬قابلة‭ ‬للاستخدام‭ ‬في‭ ‬العمليات‭ ‬الإنتاجية‭.‬
فعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬قد‭ ‬تبدو‭ ‬الأسس‭ ‬النظرية‭ ‬لتقنيات‭ ‬تصميم‭ ‬أشباه‭ ‬الموصلات‭ ‬واضحة‭ ‬في‭ ‬الأدبيات‭ ‬العلمية،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬تحويل‭ ‬هذه‭ ‬المعرفة‭ ‬إلى‭ ‬منتجات‭ ‬صناعية‭ ‬عالية‭ ‬الدقة‭ ‬يتطلب‭ ‬خبرات‭ ‬تقنية‭ ‬متراكمة‭ ‬تتشكل‭ ‬عبر‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬العمل‭ ‬والتجربة‭ ‬داخل‭ ‬المصانع‭ ‬ومراكز‭ ‬البحث‭ ‬والتطوير‭.‬

تكامل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬وسلاسل‭ ‬الإنتاج‭ ‬العابرة‭ ‬للحدود

أسهم‭ ‬التطور‭ ‬الكبير‭ ‬في‭ ‬تكنولوجيا‭ ‬النقل‭ ‬والاتصالات‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬ترابط‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي،‭ ‬حيث‭ ‬أصبح‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬توزيع‭ ‬مراحل‭ ‬الإنتاج‭ ‬المختلفة‭ ‬بين‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬وفقاً‭ ‬لمزاياها‭ ‬النسبية‭. ‬فكل‭ ‬مرحلة‭ ‬من‭ ‬مراحل‭ ‬الإنتاج‭ ‬يمكن‭ ‬تنفيذها‭ ‬في‭ ‬الموقع‭ ‬الذي‭ ‬يوفر‭ ‬أعلى‭ ‬كفاءة‭ ‬اقتصادية‭ ‬وأقل‭ ‬تكلفة‭ ‬ممكنة‭.‬
وفي‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الحالات،‭ ‬يتم‭ ‬تطوير‭ ‬التقنيات‭ ‬المتقدمة‭ ‬والمهارات‭ ‬عالية‭ ‬التخصص‭ ‬في‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الصناعية‭ ‬الكبرى،‭ ‬بينما‭ ‬تنتقل‭ ‬مراحل‭ ‬التصنيع‭ ‬كثيفة‭ ‬العمالة‭ ‬إلى‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تتمتع‭ ‬بتكاليف‭ ‬إنتاج‭ ‬أقل‭. ‬ويسهم‭ ‬هذا‭ ‬النمط‭ ‬من‭ ‬التنظيم‭ ‬الإنتاجي‭ ‬في‭ ‬خفض‭ ‬التكاليف‭ ‬الإجمالية‭ ‬وتعزيز‭ ‬القدرة‭ ‬التنافسية‭ ‬للشركات‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬الدولية‭.‬
كما‭ ‬أن‭ ‬التطور‭ ‬المتسارع‭ ‬في‭ ‬تقنيات‭ ‬الاتصال‭ ‬الرقمي‭ ‬أتاح‭ ‬نقل‭ ‬المعرفة‭ ‬والخبرات‭ ‬التقنية‭ ‬عبر‭ ‬الحدود‭ ‬بسرعة‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬مكّن‭ ‬الشركات‭ ‬من‭ ‬إدارة‭ ‬شبكات‭ ‬إنتاج‭ ‬عالمية‭ ‬مترابطة‭. ‬وضمن‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬باتت‭ ‬المصانع‭ ‬والموردون‭ ‬المنتشرون‭ ‬في‭ ‬قارات‭ ‬مختلفة‭ ‬يعملون‭ ‬ضمن‭ ‬منظومة‭ ‬إنتاج‭ ‬واحدة‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬التنسيق‭ ‬الفوري‭ ‬وتبادل‭ ‬المعرفة‭ ‬بشكل‭ ‬مستمر‭.‬

تراجع‭ ‬أهمية‭ ‬الموقع‭ ‬الجغرافي‭ ‬للإنتاج

في‭ ‬ظل‭ ‬التحولات‭ ‬المتسارعة‭ ‬التي‭ ‬يشهدها‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬الموقع‭ ‬الجغرافي‭ ‬للإنتاج‭ ‬العامل‭ ‬الحاسم‭ ‬في‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬الأسواق‭ ‬الدولية‭. ‬فبفضل‭ ‬التطور‭ ‬الكبير‭ ‬في‭ ‬وسائل‭ ‬النقل‭ ‬والاتصال‭ ‬وسلاسل‭ ‬الإمداد،‭ ‬أصبح‭ ‬بالإمكان‭ ‬نقل‭ ‬السلع‭ ‬والخدمات‭ ‬إلى‭ ‬مختلف‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم‭ ‬بسرعة‭ ‬وكفاءة‭ ‬عالية‭. ‬وقد‭ ‬أدى‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬تعميق‭ ‬ترابط‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الوطنية،‭ ‬بحيث‭ ‬باتت‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية‭ ‬تعتمد‭ ‬بشكل‭ ‬متزايد‭ ‬على‭ ‬شبكات‭ ‬إنتاج‭ ‬وتوزيع‭ ‬عابرة‭ ‬للحدود‭.‬
هذا‭ ‬الواقع‭ ‬الجديد‭ ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬بنية‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي،‭ ‬حيث‭ ‬أصبحت‭ ‬الشركات‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬منظومات‭ ‬إنتاج‭ ‬دولية‭ ‬مترابطة‭ ‬تسمح‭ ‬لها‭ ‬بالاستفادة‭ ‬من‭ ‬المزايا‭ ‬النسبية‭ ‬التي‭ ‬توفرها‭ ‬كل‭ ‬دولة،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬التكاليف‭ ‬أو‭ ‬الكفاءات‭ ‬أو‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭.‬

الجدل‭ ‬حول‭ ‬سياسات‭ ‬دعم‭ ‬
تنمية‭ ‬المهارات

رغم‭ ‬الاتفاق‭ ‬الواسع‭ ‬على‭ ‬أهمية‭ ‬تنمية‭ ‬المهارات‭ ‬البشرية‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬المعاصر،‭ ‬فإن‭ ‬سياسات‭ ‬دعم‭ ‬التعليم‭ ‬والتدريب‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬محل‭ ‬نقاش‭ ‬اقتصادي‭. ‬فبعض‭ ‬الانتقادات‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬آليات‭ ‬التمويل‭ ‬المعتمدة‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تحقق‭ ‬دائماً‭ ‬الكفاءة‭ ‬المطلوبة،‭ ‬خاصة‭ ‬عندما‭ ‬يتم‭ ‬الاعتماد‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬على‭ ‬القروض‭ ‬التعليمية‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬المنح،‭ ‬أو‭ ‬عندما‭ ‬تتحمل‭ ‬المالية‭ ‬العامة‭ ‬أعباء‭ ‬إنفاق‭ ‬تعليمي‭ ‬مرتفع‭ ‬دون‭ ‬توزيع‭ ‬متوازن‭ ‬لموارده‭.‬
كما‭ ‬يثار‭ ‬تساؤل‭ ‬آخر‭ ‬يتعلق‭ ‬بمدى‭ ‬قدرة‭ ‬الاقتصادات‭ ‬المتقدمة‭ ‬على‭ ‬توفير‭ ‬إمدادات‭ ‬إضافية‭ ‬من‭ ‬العمالة‭ ‬الماهرة‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭. ‬ففي‭ ‬ظل‭ ‬العولمة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬وتحرير‭ ‬حركة‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬والتكنولوجيا،‭ ‬أصبحت‭ ‬فرص‭ ‬العمل‭ ‬والإنتاج‭ ‬أكثر‭ ‬انفتاحاً‭ ‬على‭ ‬المنافسة‭ ‬الدولية،‭ ‬حيث‭ ‬يمكن‭ ‬تنفيذ‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأنشطة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬موقع‭ ‬جغرافي‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬توفير‭ ‬الكفاءة‭ ‬والتكلفة‭ ‬المناسبة‭.‬

نظرية‭ ‬تكافؤ‭ ‬أسعار‭ ‬عناصر‭ ‬الإنتاج

تتناول‭ ‬الأدبيات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬ما‭ ‬يُعرف‭ ‬بنظرية‭ ‬‮«‬تكافؤ‭ ‬أسعار‭ ‬عناصر‭ ‬الإنتاج‮»‬،‭ ‬وهي‭ ‬نظرية‭ ‬تفترض‭ ‬أنه‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬اقتصاد‭ ‬عالمي‭ ‬مفتوح‭ ‬وتدفق‭ ‬حر‭ ‬نسبياً‭ ‬للسلع‭ ‬ورأس‭ ‬المال‭ ‬والتكنولوجيا،‭ ‬فإن‭ ‬أسعار‭ ‬عناصر‭ ‬الإنتاج‭ ‬–‭ ‬مثل‭ ‬الأجور‭ ‬والعوائد‭ ‬على‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬–‭ ‬تميل‭ ‬إلى‭ ‬التقارب‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬مع‭ ‬مرور‭ ‬الوقت‭.‬
ويستند‭ ‬هذا‭ ‬التصور‭ ‬إلى‭ ‬فرضية‭ ‬مفادها‭ ‬أن‭ ‬الموارد‭ ‬الطبيعية‭ ‬يمكن‭ ‬توظيفها‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬اقتصاد،‭ ‬وأن‭ ‬رؤوس‭ ‬الأموال‭ ‬قابلة‭ ‬للانتقال‭ ‬عبر‭ ‬الحدود،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬المعرفة‭ ‬والمهارات‭ ‬يمكن‭ ‬نقلها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الشركات‭ ‬متعددة‭ ‬الجنسيات‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬الحديثة‭. ‬ونتيجة‭ ‬لذلك،‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬يحصل‭ ‬العامل‭ ‬الذي‭ ‬يمتلك‭ ‬مستوى‭ ‬مهارياً‭ ‬معيناً‭ ‬على‭ ‬أجر‭ ‬متقارب‭ ‬نسبياً‭ ‬بغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬موقعه‭ ‬الجغرافي‭.‬
حتى‭ ‬سبعينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬قد‭ ‬بلغ‭ ‬درجة‭ ‬التكامل‭ ‬الحالية،‭ ‬وكانت‭ ‬بعض‭ ‬الاقتصادات‭ ‬–‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬–‭ ‬توفر‭ ‬مستويات‭ ‬أجور‭ ‬مرتفعة‭ ‬حتى‭ ‬للعمالة‭ ‬الأقل‭ ‬مهارة‭ ‬مقارنة‭ ‬بنظيراتها‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬أخرى‭. ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الفارق‭ ‬أخذ‭ ‬يتراجع‭ ‬تدريجياً‭ ‬مع‭ ‬توسع‭ ‬العولمة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬وانتقال‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬والصناعات‭ ‬إلى‭ ‬مناطق‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬العالم‭.‬

الاستراتيجيات‭ ‬التكنولوجية‭ ‬في‭ ‬المنافسة‭ ‬الصناعية

في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬المعاصر،‭ ‬أصبحت‭ ‬الاستراتيجيات‭ ‬التكنولوجية‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬عناصر‭ ‬المنافسة‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬والشركات‭. ‬فالتفوق‭ ‬في‭ ‬الصناعات‭ ‬المتقدمة‭ ‬لا‭ ‬يعتمد‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬حجم‭ ‬الاستثمار،‭ ‬بل‭ ‬أيضاً‭ ‬على‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تطوير‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬وتنظيم‭ ‬المعرفة‭ ‬وتحويلها‭ ‬إلى‭ ‬منتجات‭ ‬ذات‭ ‬قيمة‭ ‬مضافة‭ ‬عالية‭.‬
وتُعد‭ ‬صناعة‭ ‬الطائرات‭ ‬مثالاً‭ ‬واضحاً‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬المنافسة‭ ‬الاستراتيجية‭. ‬فقد‭ ‬أدى‭ ‬ظهور‭ ‬الشركات‭ ‬الأوروبية‭ ‬المصنعة‭ ‬للطائرات‭ ‬إلى‭ ‬منافسة‭ ‬قوية‭ ‬مع‭ ‬الشركات‭ ‬الأمريكية‭ ‬الكبرى،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬دفع‭ ‬هذه‭ ‬الأخيرة‭ ‬إلى‭ ‬تطوير‭ ‬برامج‭ ‬إنتاج‭ ‬جديدة‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬موقعها‭ ‬في‭ ‬السوق‭ ‬العالمية‭. ‬وتوضح‭ ‬هذه‭ ‬التجربة‭ ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬للاستثمارات‭ ‬طويلة‭ ‬الأجل‭ ‬في‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬أساسية‭ ‬لتعزيز‭ ‬القدرة‭ ‬التنافسية‭ ‬للصناعات‭ ‬الوطنية‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬الدولية‭.‬

السياسات‭ ‬الصناعية‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬المنافسة‭ ‬التكنولوجية

في‭ ‬ظل‭ ‬تصاعد‭ ‬المنافسة‭ ‬الصناعية‭ ‬والتكنولوجية‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الدولي،‭ ‬أصبح‭ ‬من‭ ‬الضروري‭ ‬أن‭ ‬تطور‭ ‬الدول‭ ‬سياسات‭ ‬صناعية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬حماية‭ ‬مصالحها‭ ‬الاقتصادية‭ ‬وتعزيز‭ ‬قدرتها‭ ‬التنافسية‭. ‬فالصناعات‭ ‬المتقدمة‭ ‬التي‭ ‬تشكل‭ ‬محور‭ ‬الاقتصاد‭ ‬في‭ ‬دولة‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬تتحول‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬إلى‭ ‬هدف‭ ‬استراتيجي‭ ‬لمنافسين‭ ‬دوليين‭ ‬يسعون‭ ‬إلى‭ ‬اكتساب‭ ‬حصة‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬القطاعات‭.‬
ولهذا‭ ‬السبب،‭ ‬تميل‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬إلى‭ ‬تبني‭ ‬سياسات‭ ‬صناعية‭ ‬دفاعية‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬قدراتها‭ ‬الإنتاجية‭ ‬والتكنولوجية‭ ‬في‭ ‬القطاعات‭ ‬الحيوية‭. ‬فحتى‭ ‬في‭ ‬الحالات‭ ‬التي‭ ‬تتجنب‭ ‬فيها‭ ‬الحكومات‭ ‬التدخل‭ ‬المباشر‭ ‬في‭ ‬توجيه‭ ‬النشاط‭ ‬الصناعي،‭ ‬فإن‭ ‬الواقع‭ ‬الاقتصادي‭ ‬يفرض‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬نوعاً‭ ‬من‭ ‬الدعم‭ ‬أو‭ ‬الحماية‭ ‬للصناعات‭ ‬الاستراتيجية،‭ ‬خاصة‭ ‬تلك‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالتكنولوجيا‭ ‬المتقدمة‭.‬
ولا‭ ‬تعني‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬التكنولوجية‭ ‬بالضرورة‭ ‬أن‭ ‬تتدخل‭ ‬الدولة‭ ‬لاختيار‭ ‬الشركات‭ ‬الرابحة‭ ‬والخاسرة،‭ ‬بل‭ ‬قد‭ ‬يقتصر‭ ‬دورها‭ ‬على‭ ‬توفير‭ ‬البيئة‭ ‬التمويلية‭ ‬والمؤسسية‭ ‬التي‭ ‬تسمح‭ ‬للشركات‭ ‬بالاستثمار‭ ‬في‭ ‬التقنيات‭ ‬الجديدة‭ ‬وتوسيع‭ ‬نطاق‭ ‬عملياتها‭. ‬وفي‭ ‬بعض‭ ‬الحالات،‭ ‬تقوم‭ ‬الحكومات‭ ‬بتمويل‭ ‬برامج‭ ‬بحث‭ ‬وتطوير‭ ‬أو‭ ‬مشاريع‭ ‬صناعية‭ ‬كبرى‭ ‬بهدف‭ ‬إطالة‭ ‬أفق‭ ‬الاستثمار‭ ‬وتقليل‭ ‬المخاطر‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالتكنولوجيا‭ ‬المستقبلية،‭ ‬بما‭ ‬يمنح‭ ‬الشركات‭ ‬فرصة‭ ‬أكبر‭ ‬للمنافسة‭ ‬في‭ ‬الصناعات‭ ‬التي‭ ‬ستشكل‭ ‬اقتصاد‭ ‬الغد‭.‬
وبهذا‭ ‬المعنى،‭ ‬تشكل‭ ‬سياسة‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬جزءاً‭ ‬أساسياً‭ ‬من‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الصناعية‭ ‬لأي‭ ‬دولة،‭ ‬لأنها‭ ‬تحدد‭ ‬المجالات‭ ‬التي‭ ‬تسعى‭ ‬الدولة‭ ‬إلى‭ ‬تطويرها،‭ ‬وتحدد‭ ‬أيضاً‭ ‬موقعها‭ ‬في‭ ‬خريطة‭ ‬المنافسة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬العالمية‭.‬

الترابط‭ ‬الرقمي‭ ‬وبروز‭ ‬مفهوم‭ ‬القرية‭ ‬العالمية

أدت‭ ‬التطورات‭ ‬التكنولوجية‭ ‬المتسارعة،‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬الاتصالات‭ ‬والوسائط‭ ‬الرقمية،‭ ‬إلى‭ ‬خلق‭ ‬شكل‭ ‬جديد‭ ‬من‭ ‬الترابط‭ ‬العالمي‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬موجوداً‭ ‬في‭ ‬المراحل‭ ‬السابقة‭ ‬من‭ ‬التاريخ‭ ‬الاقتصادي‭. ‬فقد‭ ‬أصبح‭ ‬انتقال‭ ‬المعلومات‭ ‬والثقافات‭ ‬والمنتجات‭ ‬يتم‭ ‬عبر‭ ‬شبكات‭ ‬إلكترونية‭ ‬واسعة‭ ‬النطاق،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬ساهم‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬ما‭ ‬يُعرف‭ ‬بمفهوم‭ ‬‮«‬القرية‭ ‬العالمية‮»‬‭.‬
وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬القيم‭ ‬الثقافية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬معزولة‭ ‬عن‭ ‬التأثيرات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والتكنولوجية،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬منظومة‭ ‬إعلامية‭ ‬وتجارية‭ ‬عالمية‭ ‬تتأثر‭ ‬بدرجة‭ ‬كبيرة‭ ‬بوسائل‭ ‬الاتصال‭ ‬الحديثة‭. ‬وقد‭ ‬أدى‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬إلى‭ ‬توسع‭ ‬الأسواق‭ ‬الثقافية‭ ‬والإعلامية،‭ ‬حيث‭ ‬باتت‭ ‬المنتجات‭ ‬الإعلامية‭ ‬تخضع‭ ‬بدرجة‭ ‬متزايدة‭ ‬لمنطق‭ ‬السوق‭ ‬وحجم‭ ‬الطلب‭ ‬الجماهيري‭.‬

الثقافة‭ ‬الاستهلاكية‭ ‬والإعلام‭ ‬المعاصر

تتداخل‭ ‬الثقافة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬الأرباح‭ ‬مع‭ ‬منظومة‭ ‬الإعلام‭ ‬الجماهيري‭ ‬الحديثة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يخلق‭ ‬نمطاً‭ ‬جديداً‭ ‬من‭ ‬التأثير‭ ‬المتبادل‭ ‬بين‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والثقافة‭. ‬فوسائل‭ ‬الإعلام،‭ ‬وخاصة‭ ‬التلفزيون‭ ‬والمنصات‭ ‬الرقمية،‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬نقل‭ ‬المعلومات‭ ‬أو‭ ‬الترفيه،‭ ‬بل‭ ‬تسهم‭ ‬أيضاً‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬أنماط‭ ‬الاستهلاك‭ ‬وتوجيه‭ ‬التفضيلات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬للأفراد‭.‬
وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬تظهر‭ ‬مفارقة‭ ‬بين‭ ‬ثقافة‭ ‬الادخار‭ ‬والاستثمار‭ ‬طويل‭ ‬الأجل‭ ‬التي‭ ‬تتطلب‭ ‬قدراً‭ ‬من‭ ‬الانضباط‭ ‬والتخطيط‭ ‬للمستقبل،‭ ‬وبين‭ ‬الثقافة‭ ‬الإعلامية‭ ‬التي‭ ‬تركز‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬على‭ ‬الإشباع‭ ‬الفوري‭ ‬والرغبة‭ ‬في‭ ‬الاستهلاك‭. ‬ويؤدي‭ ‬هذا‭ ‬التداخل‭ ‬بين‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والإعلام‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬السلوك‭ ‬الاقتصادي‭ ‬للأفراد‭ ‬داخل‭ ‬المجتمعات‭ ‬الحديثة‭.‬

الدور‭ ‬المحوري‭ ‬لرأس‭ ‬المال‭ ‬البشري

على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬الأهمية‭ ‬المتزايدة‭ ‬لرأس‭ ‬المال‭ ‬البشري‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬المعاصر،‭ ‬فإن‭ ‬الأنظمة‭ ‬المحاسبية‭ ‬التقليدية‭ ‬للشركات‭ ‬لا‭ ‬تعكس‭ ‬بشكل‭ ‬دقيق‭ ‬حجم‭ ‬إسهامه‭ ‬في‭ ‬العملية‭ ‬الإنتاجية‭. ‬ويرجع‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬صعوبة‭ ‬قياس‭ ‬قيمة‭ ‬المهارات‭ ‬والمعرفة‭ ‬والخبرات‭ ‬التي‭ ‬يمتلكها‭ ‬العاملون‭ ‬داخل‭ ‬المؤسسات،‭ ‬مقارنة‭ ‬بالأصول‭ ‬المادية‭ ‬التي‭ ‬يسهل‭ ‬تحديد‭ ‬قيمتها‭ ‬المحاسبية‭.‬
ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬الواقع‭ ‬الاقتصادي‭ ‬يؤكد‭ ‬أن‭ ‬الأصول‭ ‬الفكرية‭ ‬والمعرفية‭ ‬أصبحت‭ ‬تمثل‭ ‬عنصراً‭ ‬حاسماً‭ ‬في‭ ‬قدرة‭ ‬الشركات‭ ‬على‭ ‬الابتكار‭ ‬والنمو‭. ‬فالمباني‭ ‬والآلات‭ ‬قد‭ ‬تشكل‭ ‬أساس‭ ‬البنية‭ ‬الإنتاجية،‭ ‬لكن‭ ‬تشغيلها‭ ‬بكفاءة‭ ‬يعتمد‭ ‬بدرجة‭ ‬كبيرة‭ ‬على‭ ‬المعرفة‭ ‬التقنية‭ ‬والبرمجيات‭ ‬والمهارات‭ ‬البشرية‭ ‬التي‭ ‬تدير‭ ‬هذه‭ ‬المنظومات‭.‬
ولهذا‭ ‬السبب،‭ ‬يتجه‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬بشكل‭ ‬متزايد‭ ‬إلى‭ ‬الاعتراف‭ ‬بأهمية‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬البشري‭ ‬باعتباره‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬مصادر‭ ‬القيمة‭ ‬في‭ ‬المؤسسات‭ ‬الحديثة،‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬لم‭ ‬يظهر‭ ‬ذلك‭ ‬بشكل‭ ‬كامل‭ ‬في‭ ‬الميزانيات‭ ‬التقليدية‭.‬

رجوع لأعلى