دور مجلس الإدارة بين فرنسا والكويت في مواجهة عروض الاستحواذ
يُعد مبدأ حياد مجلس الإدارة أحد الأعمدة الأساسية التي يقوم عليها تنظيم مسؤولية مجالس الإدارات عند تقديم عروض الاستحواذ، لما له من أثر مباشر في تحقيق التوازن بين مصالح الأطراف المختلفة داخل الشركة المستهدفة. ويعود الأصل التاريخي لهذا المبدأ إلى المشرّع البريطاني، الذي كرّسه لأول مرة ضمن تقنين مدينة لندن لعروض الاستحواذ لعام 1968، قبل أن يجد طريقه لاحقًا إلى الإطار التشريعي الأوروبي.
الاستحواذ في القانون الأوروبي
وقد تبنّى المشرّع الأوروبي هذا المبدأ صراحة ضمن اتفاقية الاستحواذ والاندماج الأوروبية الصادرة عام 2004، حيث نصت المادة التاسعة منها على حياد مجلس إدارة الشركة المستهدفة، إلى جانب مجموعة من القواعد الجوهرية الأخرى المنظمة لعروض الاستحواذ. ومن أبرز هذه القواعد، إلزامية تقديم عرض استحواذ كامل في حال تمكن مقدم العرض من الاستحواذ على حصة مسيطرة، تُقدَّر في الغالب بنسبة 30% من الأسهم وحقوق التصويت، وكذلك تنظيم تخارج الأقلية إجباريًا عندما تبلغ نسبة التملك 90% من الأسهم وحقوق التصويت. كما ألزمت الاتفاقية مقدم العرض باحترام مبدأ المساواة بين جميع المساهمين، وفرضت عليه الإفصاح الواضح عن أهدافه ودوافعه من وراء عرض الاستحواذ.
وفي جوهرها، استهدفت اتفاقية الاستحواذ الأوروبية تحقيق غايتين رئيسيتين. تتمثل الأولى في تسريع وتسهيل عمليات الاستحواذ والاندماج العابرة للحدود داخل الاتحاد الأوروبي، بما يخدم مشروع السوق الأوروبية الموحدة ويعزز اندماج رؤوس الأموال. أما الغاية الثانية، فتمثلت في تنظيم العلاقة القانونية بين مقدم عرض الاستحواذ من جهة، ومساهمي الشركة المستهدفة ومجلس إدارتها من جهة أخرى، من خلال وضع إطار قانوني يحد من تضارب المصالح ويضمن شفافية العملية برمتها.
تحقيق التوازن
وفي هذا السياق، جاء تقنين مبدأ حياد مجلس الإدارة كأداة لتحقيق هذا التوازن. ويُقصد بهذا المبدأ التزام مجلس إدارة الشركة المستهدفة بالامتناع عن اتخاذ أي تدابير أو إجراءات دفاعية من شأنها تعطيل أو عرقلة عرض الاستحواذ، أو جعله أكثر كلفة وتعقيدًا على مقدم العرض، إلا إذا كان ذلك بناءً على تفويض مسبق صادر عن الجمعية العامة غير العادية للمساهمين، سواء قبل تقديم العرض أو في حال كان تقديمه وشيكًا.
وعادةً ما يرتبط تطبيق مبدأ الحياد بما يُعرف بعروض الاستحواذ الهجومية، وهي تلك العروض التي تُقدَّم مباشرة إلى مساهمي الشركة المستهدفة دون وجود اتفاق أو تنسيق مسبق مع مجلس إدارتها. ويستند أنصار هذا الاتجاه إلى فكرة مفادها أن الاختصاص الأصيل في اتخاذ القرارات الجوهرية التي تمس كيان الشركة ومصيرها المالي لا ينعقد لمجلس الإدارة، وإنما يعود للجمعية العامة غير العادية للمساهمين، بوصفها صاحبة الولاية في المسائل التي تتجاوز نطاق الإدارة اليومية.
وتشمل هذه المسائل، على سبيل المثال، القرارات المتعلقة بتخفيض أو زيادة رأس المال، أو التصرف في الاحتياطات القانونية أو الاختيارية للشركة، فضلًا عن أي قرارات مالية كبرى تمس مصالح المساهمين بشكل مباشر. وينطلق هذا التصور من منطق اقتصادي يقوم على تعظيم أرباح المساهمين باعتباره الهدف الجوهري لنشاط الشركة، وهو ما يقتضي إتاحة الفرصة لهم لاتخاذ القرار النهائي بشأن قبول أو رفض عرض الاستحواذ، بعيدًا عن أي تدخل دفاعي قد يفرضه مجلس الإدارة بدافع الحفاظ على مراكزه أو مصالحه الخاصة.
ومع ذلك، يجدر التنويه إلى أن المشرّع الأوروبي لم يفرض مبدأ حياد مجلس الإدارة على الدول الأعضاء على سبيل الإلزام، بل جعله مبدأً اختياريًا، تاركًا لكل دولة حرية تبنيه أو تقييده وفقًا لفلسفتها التشريعية ونظرتها إلى دور مجلس الإدارة في مواجهة عروض الاستحواذ، وهو ما يفتح المجال لاختلافات جوهرية بين النظم القانونية، كما هو الحال بين التشريعين الفرنسي والكويتي، وهو ما سيتم التطرق إليه في الأجزاء اللاحقة.
مبدأ الحياد
اتخذ المشرّع الفرنسي موقفاً متحفظاً إزاء تطبيق مبدأ حياد مجلس الإدارة في سياق عروض الاستحواذ الهجومية، إذ لم يذهب إلى تبنّي هذا المبدأ بصورة مطلقة، بل سعى إلى تطويعه بما ينسجم مع الفلسفة الاجتماعية التي تميز النظام القانوني الفرنسي. ويتجلى هذا التوجه بوضوح في قانون «فلوغانج» الصادر عام 2014، والذي جاء معدِّلًا لأحكام قانون التجارة الفرنسي لسنة 2009، ولا سيما المواد من 233-32 وما بعدها.
فقد نص هذا القانون على أن لجوء مجلس إدارة الشركة المستهدفة إلى اتخاذ تدابير دفاعية في مواجهة عرض الاستحواذ الهجومي لا يكون مشروعًا إلا بتوافر شرطين متلازمين: أولهما صدور ترخيص صريح من الجمعية العامة غير العادية للمساهمين، وثانيهما أن يتم استعمال هذه التدابير في إطار ما يُعرف بـ«المصلحة الاجتماعية للشركة» (l’intérêt social). وبذلك، لم يكتفِ المشرّع الفرنسي بإخضاع الدفاعات لموافقة المساهمين، بل أضاف قيدًا موضوعيًا يتمثل في ضرورة توافقها مع مصلحة الشركة ذاتها.
غير أن مفهوم «المصلحة الاجتماعية» لم يحظَ بتعريف تشريعي جامع مانع، الأمر الذي أثار جدلاً فقهياً واسعاً في فرنسا. فبينما ذهب اتجاه إلى حصر هذه المصلحة في مصلحة الشركاء أو المساهمين، توسّع اتجاه آخر ليجعلها مصلحة الشخص المعنوي للشركة باعتبارها كيانًا مستقلاً، بما يشمله ذلك من شبكة العلاقات التعاقدية المرتبطة بها، سواء مع العمال أو الدائنين أو المتعاملين معها. وقد استقر الرأي الغالب في الفقه الفرنسي على ترجيح هذا المفهوم الموسّع، لما يعكسه من انسجام مع الطابع الاجتماعي للتشريع الفرنسي.
وفي السياق ذاته، عززت اللائحة التنفيذية الصادرة عن هيئة أسواق المال الفرنسية هذا التوجه، إذ ألزمت، بموجب المادة 1-123 لسنة 2003، مقدم عرض الاستحواذ باحترام مبدأ المساواة بين المساهمين، والإفصاح الكامل عن أهدافه، والالتزام بقواعد الشفافية والمنافسة العادلة، بما يكفل نزاهة العملية ويحول دون استغلال اختلال موازين القوى بين الأطراف.
ويذهب الأستاذ ألان فياندييغ إلى أن هذا النهج التشريعي يعكس رغبة واضحة لدى المشرّع الفرنسي في حماية الشركات الوطنية من مخاطر الاستحواذات الأجنبية العابرة للحدود، صونًا للاقتصاد الوطني والحفاظ على مراكز القرار الاقتصادي داخل الدولة. ولا يقتصر هذا الهدف على البعد الاقتصادي فحسب، بل يمتد ليشمل حماية مجموع أصحاب المصالح المرتبطين بالشركة، وفي مقدمتهم العمال والموظفون.
فغالبًا ما ينطوي عرض الاستحواذ الهجومي على استراتيجيات جديدة يفرضها مقدم العرض، من قبيل إعادة هيكلة الإدارة، أو استبدال أعضاء مجلس الإدارة، أو تغيير السياسات التشغيلية، وهو ما قد ينعكس سلبًا على الاستقرار الوظيفي والعلاقات التعاقدية القائمة. ومن هنا، شدّد قانون فلوغانج صراحة على ضرورة أن تُمارَس الدفاعات ضد عرض الاستحواذ في ضوء المصلحة الاجتماعية للشركة المستهدفة، باعتبارها مظلة جامعة لمختلف هذه الاعتبارات.
ويكتمل هذا التصور الاجتماعي بدعم تشريعي واضح لمشاركة العمال في الحوكمة، إذ نص المشرّع الفرنسي في مواضع عدة على ضرورة تمثيل الموظفين داخل مجلس الإدارة، حيث أوجب قانون التجارة الفرنسي، في عجز المادة 225-27-1، وجود ممثلين اثنين عن العاملين ضمن تشكيل مجلس الإدارة. ويؤكد هذا الاختيار التشريعي أن موقف فرنسا من مسألة حياد مجلس الإدارة لا ينطلق من منطق رأسمالي صرف يقدّم مصلحة المساهمين وحدهم، بل يقوم على رؤية اجتماعية أوسع توازن بين رأس المال والعمل، وتمنح مجلس الإدارة دورًا نشطًا في حماية كيان الشركة ومحيطها الاقتصادي والاجتماعي.
لم يكن المشرّع الكويتي بمنأى عن التحولات التي شهدها النظام الاقتصادي العالمي، ولا عن تأثيرات العولمة المالية وتحرير الأسواق، الأمر الذي انعكس بوضوح على مقاربته لتنظيم عروض الاستحواذ، ولا سيما الاستحواذات الهجومية، وفي هذا الإطار، استلهم المشرّع الكويتي إلى حدٍّ كبير التصور الأوروبي المتعلق بواجبات مجلس إدارة الشركة المستهدفة عند تقديم عرض استحواذ، غير أنه تبنّى هذا التصور بروح أقرب إلى الفلسفة الرأسمالية التي تعلي من شأن المساهم وتعظيم العائد على استثماره.
فقد جعل المشرّع الكويتي من مبدأ حياد مجلس الإدارة الأصلَ العام في مواجهة عروض الاستحواذ الهجومية، بحيث يُحظر على مجلس إدارة الشركة المستهدفة اتخاذ أي إجراءات من شأنها التأثير في مسار العرض، مكتفيًا بدور استشاري يتمثل في إبداء الرأي للمساهمين بقبول العرض أو رفضه. وبعد ذلك، يُقيَّد المجلس عن اتخاذ أي موقف أو إجراء عملي قد يُفسَّر على أنه تدخّل في إرادة المساهمين. وقد ورد هذا التوجه صراحة في عجز المادة 16-1-3 من كتاب الاستحواذ والاندماج الوارد ضمن اللائحة التنفيذية لسنة 2015 لقانون هيئة أسواق المال لسنة 2010.
الفكر الرأسمالي
ويُلاحظ أن تقرير مبدأ الحياد في هذا السياق لا يخرج، في جوهره، عن كونه تعبيرًا غير مباشر عن مبدأ آخر أكثر رسوخًا في الفكر الرأسمالي، وهو مبدأ تعظيم الأرباح بوصفه أحد أعمدة الحوكمة. فغالبًا ما يُقدَّم عرض الاستحواذ بسعر يفوق القيمة السوقية للسهم، بما يحقق للمساهمين مكسبًا فوريًا، وهو ما يجعل ترك القرار لهم وحدهم منسجمًا مع منطق السوق وآليات العرض والطلب، بعيدًا عن أي اعتبارات أخرى.
ومع ذلك، لم يُغلق المشرّع الكويتي الباب أمام مجلس الإدارة إغلاقًا تامًا، إذ أورد استثناءً وحيدًا على هذا الحظر، يتمثل في إمكانية لجوء المجلس إلى اتخاذ تدابير دفاعية شريطة الحصول على تفويض مسبق من الجمعية العامة غير العادية للمساهمين. غير أن اللافت في هذا التنظيم هو أن المشرّع الكويتي لم يُقرن هذا الاستثناء بأي قيد موضوعي يتعلق بحماية «المصلحة الاجتماعية» للشركة، على خلاف ما ذهب إليه المشرّع الفرنسي. وقد أكد هذا التوجه ما ورد صراحة في كتاب حوكمة الشركات ضمن اللائحة التنفيذية لقانون هيئة أسواق المال، ولا سيما المادة 9-1، التي خلت من أي إشارة إلى مفهوم المصلحة الاجتماعية بوصفه معيارًا حاكمًا لتصرفات مجلس الإدارة في هذا الشأن.
ويقوم هذا التنظيم، في أحد أبعاده، على افتراضٍ مسبق بتعارض المصالح بين أعضاء مجلس الإدارة ومساهمي الشركة عند تقديم عرض استحواذ هجومي. إذ يُفترض أن أعضاء المجلس، بحكم مواقعهم، سيعملون على الحفاظ على مناصبهم ومراكزهم داخل الشركة، خشية استبدالهم من قبل مقدم العرض في حال نجاح الاستحواذ، لاسيما وأن هذا النوع من العروض يتم من دون اتفاق مسبق معهم. ومن ثمّ، رأى المشرّع أن تحييد مجلس الإدارة هو الوسيلة الأنسب لضمان عدم تغليب المصالح الشخصية على مصلحة المساهمين.
غير أن هذا التبرير، وإن كان يجد سنده في الفكر الاقتصادي الليبرالي، يظل محل نظر عند إسقاطه على البيئة الكويتية. فمبدأ حياد مجلس الإدارة هو في الأصل نتاج تشريع أوروبي جاء في سياق اتفاقية الاستحواذ لسنة 2004، التي هدفت إلى تسهيل عمليات الاستحواذ والاندماج بين شركات الدول الأعضاء، وتسريع إعادة هيكلة الكيانات العابرة للحدود وصولًا إلى بناء سوق أوروبية موحدة. وهي مبررات ذات طابع إقليمي خاص، لا تتوافر بالضرورة في الحالة الكويتية.
ومن هنا، يثور التساؤل حول مدى ملاءمة هذا الاختيار التشريعي للواقع الاقتصادي والاجتماعي في الكويت. إذ يبدو أن المشرّع الكويتي، وهو حديث العهد نسبيًا بتنظيم الاستحواذات وفق المعايير الحديثة، قد لجأ إلى محاكاة نموذج تشريعي جاهز، دون إعادة نظر كافية في محدداته وسياقه الأصلي، أو في مدى توافقه مع خصوصية السوق الكويتي وطبيعة الشركات العاملة فيه. وهو ما يفتح الباب أمام إعادة تقييم هذا التنظيم، بما يحقق توازنًا
أدق بين حماية حقوق المساهمين من جهة، وصون كيان الشركة ومصالحها الأوسع من جهة أخرى.