ديون الدول النامية بين متطلبات التنمية وقيود الإقراض الدولي
تُعد مشكلة المديونية من أبرز القضايا الملازمة لمسار التنمية في الدول النامية، إذ تقوم سياساتها الاقتصادية، في جانب كبير منها، على تقدير حجم المساعدات الخارجية اللازمة لسد الفجوة بين متطلبات برامج التنمية والموارد المحلية المتاحة. غير أن هذه المساعدات لا تتوزع بشكل عادل بين الدول، في ظل توجه متزايد خلال السنوات الأخيرة نحو تركيز الدعم في عدد محدود من البلدان تحظى باهتمام خاص من الدول المتقدمة.
ولا يقتصر العجز في ميزان مدفوعات الدول النامية على ارتفاع وارداتها لتلبية احتياجات التنمية فحسب، بل يتفاقم بفعل التزامات سداد أقساط وفوائد الديون الخارجية. إذ تستحوذ خدمة الدين على النصيب الأكبر من موارد النقد الأجنبي، ما يفرض على هذه الدول ضرورة تأمين تدفقات مالية خارجية كافية، سواء عبر المساعدات أو من خلال جهودها الذاتية، لتغطية العجز وضمان الوفاء بالتزاماتها.
وتسهم مجموعة من العوامل في تفاقم الزيادة الاستثنائية في المديونية الخارجية وتعاظم أعباء خدمتها. في مقدمة هذه العوامل اندفاع بعض الدول النامية نحو التعجيل بتنفيذ مشروعات التنمية الاقتصادية، في وقت يعجز فيه الادخار المحلي عن تلبية هذه الطموحات، ما يدفعها إلى اللجوء المكثف للاقتراض الخارجي.
كما تعاني دول أخرى من ضعف الطلب العالمي على صادراتها، الأمر الذي يقلص تدفق النقد الأجنبي ويحد من قدرتها على تمويل وارداتها الضرورية لتنفيذ خطط التنمية، فيتحول الاقتراض الخارجي إلى خيار شبه حتمي لسد هذا النقص. ويضاف إلى ذلك إخفاق بعض الدول في إنتاج سلع أساسية محلياً، ما يضطرها للاستمرار في استيرادها، وبالتالي زيادة اعتمادها على القروض.
وخلال فترة من الزمن، ساد اعتقاد لدى عدد من الاقتصاديين بأن اعتماد الدول النامية على الاقتراض الخارجي ظاهرة مؤقتة، وأن هذه الدول ستتمكن لاحقاً من سداد ديونها بعد أن تؤتي المشروعات الممولة بالقروض ثمارها. إلا أن الواقع العملي أظهر محدودية هذا التفاؤل، خاصة مع فرض جداول سداد لا تراعي قدرة هذه الدول على تجاوز أزماتها في النقد الأجنبي.
وبناءً على هذه الرؤية المتفائلة، تورطت دول نامية كثيرة في الاقتراض قصير الأجل من حكومات وبنوك أجنبية، بقروض تستحق السداد خلال فترات وجيزة لا تتجاوز خمس سنوات. ونتيجة لذلك، وجدت نفسها مثقلة بأعباء خدمة دين متصاعدة، ما كشف عن قصور واضح في سياسات المساعدة الاقتصادية الدولية.
فقد ركزت الدول المتقدمة، في الغالب، على تمويل واردات محددة من المعدات المرتبطة بمشروعات بعينها، دون الالتفات إلى التداعيات طويلة الأمد لخدمة الديون. واعتُبرت هذه المسؤولية شأناً داخلياً للدول المقترضة، بحيث اقتصر الدعم، عند تفاقم اختلال ميزان المدفوعات، على منح قروض جديدة غالباً ما تُقدّم بالشروط ذاتها، لتدخل الدول النامية في حلقة مفرغة من الاقتراض المتجدد.
سياسات إقراض أكثر مرونة ومساعٍ دولية لتخفيف عبء الديون
حملت التعديلات التي طرأت على سياسات الإقراض الدولية توجهاً متزايداً نحو مواءمة شروط القروض مع القدرات المالية الفعلية للدول المقترِضة، وبما ينسجم مع قدرتها على خدمة ديونها، سواء من حيث سداد الفوائد أو الأقساط. ورغم استمرار الجدل بين الاقتصاديين حول المعايير الدقيقة لتقييم قدرة الدول النامية على الوفاء بالتزاماتها، فإن فكرة التيسير باتت تحظى بقبول أوسع في أوساط الدول المانحة والمؤسسات الداعمة للتنمية.
وتعتمد برامج التنمية الحديثة، وفق هذه الرؤية، على تحقيق تدفقات كبيرة لرؤوس الأموال إلى الدول النامية، بما يسمح بتنفيذ مشروعات تنموية واسعة النطاق، من شأنها دفع معدلات النمو في الدخل الإجمالي إلى مستويات تفوق ما كان سائداً في السابق. غير أن محدودية الموارد الذاتية لتلك الدول تجعلها عاجزة عن تمويل هذه المشروعات بمفردها، الأمر الذي يفرض استمرار الاعتماد على المساعدات الخارجية، حتى بعد إنجاز المشروعات الجاري تنفيذها.
إلا أن هذا التوسع في الاقتراض الخارجي يؤدي، في المقابل، إلى تصاعد مستويات المديونية وتعاظم أعباء خدمة الدين، وهو ما تؤكده بيانات الأمم المتحدة. فبحسب هذه الإحصاءات، تتلقى الدول النامية في المتوسط قروضاً رسمية سنوية من الدول المتقدمة تُقدَّر بنحو 2.5 مليار دولار، وهو واقع يسلط الضوء على الحاجة الملحّة لإيجاد حلول جذرية لمشكلة الديون، وضمان توجيه هذه الأموال نحو مشروعات تنموية حقيقية وقادرة على توليد عوائد مستدامة.
صندوق الأمم المتحدة للتنمية الاقتصادية
وفي هذا السياق، اتخذ المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة، في 23 يونيو 1952، قراراً بتشكيل لجنة لإعداد برنامج تفصيلي لإنشاء صندوق خاص يُعنى بتقديم المساعدات والقروض الطويلة الأجل وبفوائد منخفضة للدول المتخلفة اقتصادياً، بهدف تمكينها من تسريع تنفيذ برامج التنمية الاقتصادية.
المعونة الفنية… رافعة للتنمية المستدامة
وتشير دراسات متخصصة أُجريت في عدد من الدول النامية إلى امتلاكها إمكانات مادية كبيرة، كان من شأنها أن تُحدث نقلة نوعية في مستويات المعيشة إذا ما أُحسن استثمارها عبر تطبيق المعرفة الفنية الحديثة في مختلف القطاعات. وهو إدراك يعود إلى مؤسسي الأمم المتحدة منذ توقيع ميثاقها في سان فرانسيسكو عام 1945، حيث جرى إنشاء المجلس الاقتصادي والاجتماعي، الذي خصص بدوره صندوقاً لتمويل برنامج موسّع للمعونة الفنية الموجهة للدول المتخلفة اقتصادياً.
كما أوكلت الأمم المتحدة إلى سبع وكالات متخصصة، مدعومة بخبرات دولية واسعة، مهمة الإسهام في إعداد وتنفيذ برامج المعونة الفنية للتنمية الاقتصادية، وتشمل منظمات العمل، والأغذية والزراعة، والتعليم والثقافة، والطيران المدني الدولي، والصحة، والأرصاد الجوية، والمواصلات الدولية. وتتولى إدارة المعونة الفنية في الأمم المتحدة تنسيق جهود هذه الوكالات، إلى جانب التعاون مع مؤسسات دولية مرتبطة بها، مثل البنك الدولي للإنشاء والتعمير وصندوق النقد الدولي.
الأمم المتحدة والتزام قانوني بدعم التنمية والارتقاء المعيشي
تضطلع الأمم المتحدة، بموجب المادة 55 من ميثاقها، بمسؤولية السعي إلى رفع مستويات المعيشة، وتحقيق العمالة الكاملة، ودفع مسار التقدم الاقتصادي والاجتماعي على المستوى العالمي. ووفقاً للمادة 60 من الميثاق، تتولى الجمعية العامة الإشراف على هذه المهام، وتُحيل تنفيذها إلى المجلس الاقتصادي والاجتماعي.
واستناداً إلى الالتزامات الواردة في الفصل التاسع من ميثاق الأمم المتحدة، أصدرت الجمعية العامة خلال دوراتها الأربع الأولى سلسلة من القرارات أقرت فيها بتفاوت مستويات التقدم الاقتصادي بين الدول الأعضاء، ودعت المجلس الاقتصادي والاجتماعي إلى دراسة السبل والآليات الكفيلة بتقديم الدعم اللازم للدول المحتاجة، بالتعاون مع الوكالات المتخصصة ذات الخبرة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
ويقوم هذا البرنامج على مشاركة واسعة من الدول الأعضاء، سواء في إطار هيئة الأمم المتحدة أو عبر منظماتها المتخصصة، مثل منظمة العمل الدولية، ومنظمة الأغذية والزراعة، ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، ومنظمة الصحة العالمية، وذلك من خلال تقديم الخبراء وتدريب الكوادر الوطنية.
مجلس المعونة الفنية وآليات
التنسيق الدولي
وفي هذا الإطار، أُنشئ مجلس خاص للمعونة الفنية يضم ممثلين عن الوكالات الدولية المتخصصة، ويرأسه الأمين العام للأمم المتحدة أو من ينيبه. كما يشارك في عضويته مندوبون عن البنك الدولي للإنشاء والتعمير، وصندوق النقد الدولي، والمنظمة الدولية للاجئين، ومنظمة المواصلات الدولية. ويتولى المجلس دراسة طلبات المعونة الفنية المقدمة عبر المنظمات الممثلة فيه، بما يضمن التنسيق وتكامل الجهود الدولية.
ضوابط منح المعونة الفنية
ويلتزم الأمين العام للأمم المتحدة، عند منح المعونة الفنية لأي دولة، بمجموعة من المبادئ الحاكمة، في مقدمتها مراعاة أهمية الخدمات المقدمة وشروطها المالية، على أن تخضع هذه الشروط للمراجعة الدورية من قبل المجلس الاقتصادي والاجتماعي. كما يعود للدول المعنية تحديد نوع المساعدات التي ترغب في الحصول عليها، مع التزامها بتحديد طبيعة المشكلات ونطاقها قبل التقدم بطلب المعونة.
وتشدد هذه الضوابط على ضرورة ألا تُستخدم المعونة الفنية ذريعة للتدخل السياسي أو الاقتصادي في شؤون الدول المستفيدة، وأن تُقدم بما يتوافق مع احتياجاتها ورؤيتها، وبمستوى عالٍ من الكفاءة والقيمة الفنية، بما يضمن أن تسهم فعلياً في دعم مسار التنمية وتحقيق أهدافها المستدامة.