تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رأس‭ ‬المال‭ ‬الأجنبي‭ ‬واختبار‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬صناعة‭ ‬التنمية

FFS33

لا‭ ‬تُختزل‭ ‬إشكالية‭ ‬التنمية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬في‭ ‬نقص‭ ‬التمويل‭ ‬الخارجي‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬ترتبط‭ ‬بقدرة‭ ‬الاقتصادات‭ ‬على‭ ‬توظيف‭ ‬هذا‭ ‬التمويل‭ ‬بكفاءة‭. ‬فالمسألة‭ ‬لا‭ ‬تتعلق‭ ‬فقط‭ ‬بتدفق‭ ‬رؤوس‭ ‬الأموال،‭ ‬بل‭ ‬بمدى‭ ‬جاهزية‭ ‬البيئة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬لاستيعابها‭ ‬وتحويلها‭ ‬إلى‭ ‬مشاريع‭ ‬منتجة‭ ‬تخلق‭ ‬قيمة‭ ‬مضافة‭ ‬حقيقية‭.‬
في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬يشير‭ ‬البنك‭ ‬الدولي‭ ‬للإنشاء‭ ‬والتعمير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬التحدي‭ ‬الرئيسي‭ ‬لا‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬محدودية‭ ‬القروض‭ ‬الأجنبية،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬ضعف‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬امتصاص‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬العيني‭ ‬ضمن‭ ‬مشاريع‭ ‬ذات‭ ‬جدوى‭. ‬ويعود‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬طبيعة‭ ‬سياسات‭ ‬الإقراض‭ ‬التي‭ ‬تركز‭ ‬أساساً‭ ‬على‭ ‬توفير‭ ‬النقد‭ ‬الأجنبي‭ ‬اللازم‭ ‬لتمويل‭ ‬المشاريع‭ ‬القابلة‭ ‬للإنتاج،‭ ‬وليس‭ ‬مجرد‭ ‬ضخ‭ ‬الأموال‭ ‬دون‭ ‬ضمان‭ ‬فعاليتها‭.‬
وترتبط‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تنفيذ‭ ‬مشاريع‭ ‬ناجحة‭ ‬بجملة‭ ‬من‭ ‬العوامل‭ ‬الأساسية،‭ ‬في‭ ‬مقدمتها‭ ‬توافر‭ ‬الأيدي‭ ‬العاملة‭ ‬المؤهلة،‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية‭ ‬من‭ ‬طرق‭ ‬ومرافق،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬المواد‭ ‬الأولية‭ ‬المحلية‭. ‬فغياب‭ ‬هذه‭ ‬المقومات‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬تحويل‭ ‬التمويل‭ ‬إلى‭ ‬مشاريع‭ ‬حقيقية،‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬توافرت‭ ‬الموارد‭ ‬المالية‭.‬
غير‭ ‬أن‭ ‬إنشاء‭ ‬المشروع‭ ‬بحد‭ ‬ذاته‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬نجاحه‭ ‬أو‭ ‬اعتباره‭ ‬مستوعباً‭ ‬لرأس‭ ‬المال،‭ ‬إذ‭ ‬يشترط‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬منتجاً‭ ‬وقادراً‭ ‬على‭ ‬الاندماج‭ ‬ضمن‭ ‬منظومة‭ ‬اقتصادية‭ ‬متكاملة‭. ‬ويتطلب‭ ‬ذلك‭ ‬وجود‭ ‬موارد‭ ‬مكملة‭ ‬تدعم‭ ‬العملية‭ ‬الإنتاجية،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬أسواق‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬استيعاب‭ ‬الناتج‭ ‬وتصريفه‭.‬
وعند‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬الاستثمار‭ ‬بصورة‭ ‬أشمل،‭ ‬تتحدد‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬استيعاب‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬توافر‭ ‬التسهيلات‭ ‬والعوامل‭ ‬المساندة،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬التشييد‭ ‬أو‭ ‬خلال‭ ‬تشغيل‭ ‬المشروع‭. ‬ويمكن‭ ‬التمييز‭ ‬هنا‭ ‬بين‭ ‬مرحلتين‭ ‬أساسيتين‭: ‬الأولى‭ ‬تتعلق‭ ‬بالقدرة‭ ‬على‭ ‬تكوين‭ ‬رأس‭ ‬مال‭ ‬عيني‭ ‬جديد،‭ ‬والثانية‭ ‬ترتبط‭ ‬بكفاءة‭ ‬استخدام‭ ‬هذا‭ ‬الرأس‭ ‬المال‭ ‬لتحقيق‭ ‬أعلى‭ ‬عائد‭ ‬ممكن‭.‬
ورغم‭ ‬التقديرات‭ ‬التي‭ ‬وضعها‭ ‬خبراء‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬بشأن‭ ‬احتياجات‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬من‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬الأجنبي—والتي‭ ‬قُدرت‭ ‬بنحو‭ ‬13.7‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬لتحقيق‭ ‬زيادة‭ ‬محدودة‭ ‬في‭ ‬دخل‭ ‬الفرد—فإن‭ ‬هذه‭ ‬الأرقام‭ ‬تغفل‭ ‬جانباً‭ ‬جوهرياً،‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬القدرة‭ ‬الفعلية‭ ‬لهذه‭ ‬الدول‭ ‬على‭ ‬استيعاب‭ ‬تلك‭ ‬التدفقات‭ ‬المالية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يحد‭ ‬من‭ ‬فاعلية‭ ‬أي‭ ‬تمويل‭ ‬خارجي‭ ‬لا‭ ‬يستند‭ ‬إلى‭ ‬بنية‭ ‬اقتصادية‭ ‬مهيأة‭.‬

القدرة‭ ‬على‭ ‬السداد

لا‭ ‬تقل‭ ‬مسألة‭ ‬السداد‭ ‬أهمية‭ ‬عن‭ ‬مسألة‭ ‬التمويل،‭ ‬إذ‭ ‬تختلف‭ ‬محدداتها‭ ‬بين‭ ‬المدى‭ ‬القصير‭ ‬والطويل‭. ‬ففي‭ ‬الأجل‭ ‬القريب،‭ ‬تتوقف‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬السداد‭ ‬على‭ ‬حجم‭ ‬النقد‭ ‬الأجنبي‭ ‬المتاح،‭ ‬سواء‭ ‬عبر‭ ‬تعزيز‭ ‬الصادرات‭ ‬أو‭ ‬تقليص‭ ‬الواردات‭. ‬أما‭ ‬في‭ ‬الأجل‭ ‬البعيد،‭ ‬فإنها‭ ‬ترتبط‭ ‬بمدى‭ ‬ما‭ ‬يسهم‭ ‬به‭ ‬القرض‭ ‬في‭ ‬رفع‭ ‬الإنتاجية‭ ‬وتحقيق‭ ‬نمو‭ ‬اقتصادي‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬توليد‭ ‬موارد‭ ‬مستدامة‭.‬
وعادة‭ ‬ما‭ ‬يكون‭ ‬القرض‭ ‬المنتج‭ ‬أكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬تمكين‭ ‬الدول‭ ‬من‭ ‬الوفاء‭ ‬بالتزاماتها،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬العوائد‭ ‬المباشرة‭ ‬للمشاريع‭ ‬أو‭ ‬عبر‭ ‬زيادة‭ ‬الإيرادات‭ ‬الضريبية‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬السداد‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬عملية‭ ‬سهلة،‭ ‬إذ‭ ‬يتطلب‭ ‬تحقيق‭ ‬فائض‭ ‬ادخاري‭ ‬يتجاوز‭ ‬حجم‭ ‬الاستثمارات‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬سداد‭ ‬الأقساط‭.‬
وينسحب‭ ‬هذا‭ ‬التحليل‭ ‬أيضاً‭ ‬على‭ ‬سداد‭ ‬الفوائد،‭ ‬حيث‭ ‬يمكن‭ ‬تغطيتها‭ ‬في‭ ‬المدى‭ ‬القصير‭ ‬عبر‭ ‬أدوات‭ ‬تجارية‭ ‬كزيادة‭ ‬الصادرات‭ ‬أو‭ ‬خفض‭ ‬الواردات،‭ ‬بينما‭ ‬في‭ ‬المدى‭ ‬الطويل‭ ‬تتوقف‭ ‬على‭ ‬كفاءة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬ككل،‭ ‬وقدرته‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬هيكلة‭ ‬الإنتاج‭ ‬وتعزيز‭ ‬إنتاجيته‭.‬
وفي‭ ‬المحصلة،‭ ‬يتضح‭ ‬أن‭ ‬نجاح‭ ‬التمويل‭ ‬الخارجي‭ ‬لا‭ ‬يُقاس‭ ‬بحجمه،‭ ‬بل‭ ‬بمدى‭ ‬توافقه‭ ‬مع‭ ‬القدرات‭ ‬الداخلية‭ ‬للاقتصاد،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الاستيعاب‭ ‬أو‭ ‬السداد،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يفرض‭ ‬على‭ ‬الدول‭ ‬تبني‭ ‬سياسات‭ ‬تنموية‭ ‬متكاملة‭ ‬تتجاوز‭ ‬منطق‭ ‬الاقتراض‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬قاعدة‭ ‬إنتاجية‭ ‬مستدامة‭.‬

الاستثمار‭ ‬الأجنبي‭ ‬المباشر

يُعد‭ ‬الاستثمار‭ ‬الأجنبي‭ ‬المباشر‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬قنوات‭ ‬انتقال‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬عبر‭ ‬الحدود،‭ ‬وغالباً‭ ‬ما‭ ‬يُنظر‭ ‬إليه‭ ‬باعتباره‭ ‬خياراً‭ ‬مفضلاً‭ ‬للدول‭ ‬الساعية‭ ‬إلى‭ ‬تسريع‭ ‬وتيرة‭ ‬التنمية‭. ‬ولا‭ ‬يقتصر‭ ‬دوره‭ ‬على‭ ‬توفير‭ ‬التمويل،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬ليشمل‭ ‬نقل‭ ‬الخبرات‭ ‬الفنية‭ ‬والتقنيات‭ ‬الحديثة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يمنحه‭ ‬ميزة‭ ‬نسبية‭ ‬مقارنة‭ ‬بأشكال‭ ‬التمويل‭ ‬الأخرى‭.‬
ففي‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الحالات،‭ ‬لا‭ ‬يكتفي‭ ‬المستثمر‭ ‬الأجنبي‭ ‬بضخ‭ ‬الأموال،‭ ‬بل‭ ‬يساهم‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إنشاء‭ ‬الطرق‭ ‬ومد‭ ‬شبكات‭ ‬النقل،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬دعمه‭ ‬لقطاعات‭ ‬حيوية‭ ‬كالتعليم‭ ‬والصحة‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬عبء‭ ‬تحويل‭ ‬الأرباح‭ ‬إلى‭ ‬الخارج‭ ‬يظل،‭ ‬في‭ ‬الغالب،‭ ‬ضمن‭ ‬حدود‭ ‬يمكن‭ ‬للاقتصاد‭ ‬المحلي‭ ‬استيعابها،‭ ‬خاصة‭ ‬عندما‭ ‬تتركز‭ ‬هذه‭ ‬الاستثمارات‭ ‬في‭ ‬قطاعات‭ ‬تصديرية‭ ‬تعزز‭ ‬تدفقات‭ ‬النقد‭ ‬الأجنبي‭.‬
ومن‭ ‬زاوية‭ ‬أخرى،‭ ‬تستفيد‭ ‬الدول‭ ‬المضيفة‭ ‬من‭ ‬فرض‭ ‬الضرائب‭ ‬على‭ ‬أرباح‭ ‬الشركات‭ ‬الأجنبية،‭ ‬ما‭ ‬يوفر‭ ‬مورداً‭ ‬إضافياً‭ ‬يمكن‭ ‬توجيهه‭ ‬لتمويل‭ ‬برامج‭ ‬التنمية‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الصورة‭ ‬الإيجابية‭ ‬لا‭ ‬تخلو‭ ‬من‭ ‬جدل،‭ ‬إذ‭ ‬تبرز‭ ‬خلافات‭ ‬تتعلق‭ ‬بكيفية‭ ‬توزيع‭ ‬الأرباح‭ ‬وحجم‭ ‬القيمة‭ ‬المضافة‭ ‬التي‭ ‬تظل‭ ‬داخل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬المحلي‭.‬
ويذهب‭ ‬بعض‭ ‬المنتقدين‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الاستثمارات‭ ‬الأجنبية‭ ‬قد‭ ‬تُسهم،‭ ‬في‭ ‬حالات‭ ‬معينة،‭ ‬في‭ ‬تكريس‭ ‬اختلالات‭ ‬هيكلية،‭ ‬عبر‭ ‬تحالفها‭ ‬مع‭ ‬فئات‭ ‬اقتصادية‭ ‬محدودة‭ ‬أو‭ ‬استخدامها‭ ‬لتقنيات‭ ‬متقدمة‭ ‬لا‭ ‬تتلاءم‭ ‬مع‭ ‬واقع‭ ‬الاقتصاد‭ ‬المحلي،‭ ‬ما‭ ‬يخلق‭ ‬فجوة‭ ‬بين‭ ‬القطاعات‭ ‬الحديثة‭ ‬والتقليدية‭. ‬وقد‭ ‬يؤدي‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬الازدواجية‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬حيث‭ ‬يبدو‭ ‬القطاع‭ ‬المرتبط‭ ‬بالاستثمار‭ ‬الأجنبي‭ ‬أكثر‭ ‬ارتباطاً‭ ‬بالاقتصادات‭ ‬المتقدمة‭ ‬منه‭ ‬بالبيئة‭ ‬المحلية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬ينعكس‭ ‬في‭ ‬التباين‭ ‬بين‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬والناتج‭ ‬القومي‭.‬
لهذا‭ ‬السبب،‭ ‬تتعامل‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬بحذر‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬الاستثمار‭. ‬فهي،‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬بحاجة‭ ‬ماسة‭ ‬إلى‭ ‬رؤوس‭ ‬الأموال،‭ ‬تخشى‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬من‭ ‬الوقوع‭ ‬في‭ ‬دائرة‭ ‬الاعتماد‭ ‬المفرط‭ ‬أو‭ ‬الاستغلال‭. ‬وقد‭ ‬دفع‭ ‬ذلك‭ ‬عدداً‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬إلى‭ ‬تبني‭ ‬أطر‭ ‬تنظيمية‭ ‬تضبط‭ ‬تدفق‭ ‬الاستثمار‭ ‬الأجنبي،‭ ‬حيث‭ ‬بدأت‭ ‬بفرض‭ ‬قيود‭ ‬صارمة،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تتجه‭ ‬لاحقاً‭ ‬إلى‭ ‬قدر‭ ‬من‭ ‬الانفتاح‭ ‬المشروط‭ ‬لجذب‭ ‬المستثمرين‭.‬
وتُعد‭ ‬التجربة‭ ‬الهندية‭ ‬مثالاً‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬التوجه،‭ ‬إذ‭ ‬وضعت‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬المعايير‭ ‬التي‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬تعظيم‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬الاستثمار‭ ‬الأجنبي،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬توجيهه‭ ‬نحو‭ ‬القطاعات‭ ‬الصناعية‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬الأنشطة‭ ‬التجارية،‭ ‬والتركيز‭ ‬على‭ ‬المجالات‭ ‬التي‭ ‬تعجز‭ ‬الاستثمارات‭ ‬المحلية‭ ‬عن‭ ‬تغطيتها،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬الإسهام‭ ‬في‭ ‬تحسين‭ ‬ميزان‭ ‬المدفوعات،‭ ‬ورفع‭ ‬الإنتاجية،‭ ‬ونقل‭ ‬المعرفة‭ ‬عبر‭ ‬تأهيل‭ ‬الكوادر‭ ‬الوطنية،‭ ‬مع‭ ‬إتاحة‭ ‬الفرصة‭ ‬لرؤوس‭ ‬الأموال‭ ‬المحلية‭ ‬للمشاركة‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬مراحل‭ ‬العملية‭ ‬الإنتاجية‭.‬

السندات‭ ‬الحكومية

على‭ ‬صعيد‭ ‬آخر،‭ ‬مثّلت‭ ‬السندات‭ ‬الحكومية‭ ‬لسنوات‭ ‬طويلة‭ ‬الأداة‭ ‬التقليدية‭ ‬للاقتراض‭ ‬الخارجي،‭ ‬حيث‭ ‬اعتادت‭ ‬الحكومات‭ ‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬الأسواق‭ ‬المالية‭ ‬الدولية‭ ‬لتمويل‭ ‬احتياجاتها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬المستثمرين‭ ‬الأفراد‭. ‬وقد‭ ‬ازدهر‭ ‬هذا‭ ‬النمط‭ ‬من‭ ‬التمويل‭ ‬قبل‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى،‭ ‬ثم‭ ‬شهد‭ ‬تحولاً‭ ‬ملحوظاً‭ ‬باتجاه‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭.‬
إلا‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الزخم‭ ‬لم‭ ‬يستمر‭ ‬طويلاً،‭ ‬إذ‭ ‬تعرضت‭ ‬أسواق‭ ‬السندات‭ ‬لهزة‭ ‬قوية‭ ‬خلال‭ ‬الأزمة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬العالمية‭ ‬في‭ ‬ثلاثينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬تراجع‭ ‬ثقة‭ ‬المستثمرين‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭. ‬ومنذ‭ ‬ذلك‭ ‬الحين،‭ ‬لم‭ ‬تستعد‭ ‬السندات‭ ‬الأجنبية‭ ‬مكانتها‭ ‬السابقة،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تزايد‭ ‬المخاوف‭ ‬المرتبطة‭ ‬بمخاطر‭ ‬التعثر‭ ‬أو‭ ‬عدم‭ ‬التزام‭ ‬الدول‭ ‬بسداد‭ ‬ديونها،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬اختلالات‭ ‬موازين‭ ‬المدفوعات‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الاقتصادات‭.‬
وقد‭ ‬انعكس‭ ‬هذا‭ ‬التراجع‭ ‬سلباً‭ ‬على‭ ‬الدول‭ ‬النامية،‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬أقل‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬التمويل،‭ ‬ما‭ ‬ضيّق‭ ‬من‭ ‬خياراتها‭ ‬في‭ ‬تنويع‭ ‬مصادر‭ ‬الاقتراض‭ ‬الخارجي‭. ‬ومع‭ ‬غياب‭ ‬سوق‭ ‬نشطة‭ ‬للسندات‭ ‬الأجنبية،‭ ‬تجد‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬نفسها‭ ‬أمام‭ ‬تحدٍ‭ ‬إضافي‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬بدائل‭ ‬تمويلية‭ ‬أكثر‭ ‬استقراراً‭ ‬ومواءمة‭ ‬لظروفها‭ ‬الاقتصادية‭.‬

التمويل‭ ‬متعدد‭ ‬الأطراف‭ ‬

مع‭ ‬تعقّد‭ ‬احتياجات‭ ‬التنمية،‭ ‬برزت‭ ‬المؤسسات‭ ‬المالية‭ ‬الدولية‭ ‬كأدوات‭ ‬وسيطة‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬سد‭ ‬الفجوة‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬الباحثة‭ ‬عن‭ ‬التمويل‭ ‬ومصادر‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬العالمية‭. ‬ويأتي‭ ‬في‭ ‬مقدمة‭ ‬هذه‭ ‬المؤسسات‭ ‬البنك‭ ‬الدولي‭ ‬للإنشاء‭ ‬والتعمير،‭ ‬الذي‭ ‬أُنشئ‭ ‬ليؤدي‭ ‬دوراً‭ ‬مزدوجاً‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬توفير‭ ‬التمويل‭ ‬المباشر‭ ‬وتهيئة‭ ‬البيئة‭ ‬المناسبة‭ ‬لتدفق‭ ‬الاستثمارات‭ ‬الخاصة‭.‬
ولا‭ ‬يقتصر‭ ‬دور‭ ‬البنك‭ ‬على‭ ‬الإقراض‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬إلى‭ ‬تقييم‭ ‬مشروعات‭ ‬التنمية،‭ ‬وإيفاد‭ ‬الخبراء‭ ‬لدراسة‭ ‬التحديات‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬والمساهمة‭ ‬في‭ ‬إعداد‭ ‬الكوادر‭ ‬الفنية،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬دعم‭ ‬الاتفاقيات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬بين‭ ‬الدول‭. ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬حجم‭ ‬القروض‭ ‬في‭ ‬مراحله‭ ‬الأولى‭ ‬كان‭ ‬محدوداً،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬شهد‭ ‬نمواً‭ ‬تدريجياً‭ ‬مع‭ ‬اتساع‭ ‬نطاق‭ ‬نشاطه‭.‬
وفي‭ ‬إطار‭ ‬تطوير‭ ‬آليات‭ ‬التمويل،‭ ‬طُرحت‭ ‬أفكار‭ ‬لتوسيع‭ ‬دور‭ ‬المؤسسات‭ ‬الدولية،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬إنشاء‭ ‬موازنة‭ ‬مستقلة‭ ‬مخصصة‭ ‬للتنمية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬ضمن‭ ‬منظومة‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬تُموَّل‭ ‬وفق‭ ‬قدرات‭ ‬الدول‭. ‬وبينما‭ ‬لقي‭ ‬هذا‭ ‬الطرح‭ ‬تأييداً‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬النامية،‭ ‬اصطدم‭ ‬برفض‭ ‬بعض‭ ‬القوى‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الكبرى،‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬تباين‭ ‬المصالح‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬ملف‭ ‬التنمية‭ ‬العالمية‭.‬
إلى‭ ‬جانب‭ ‬التمويل‭ ‬متعدد‭ ‬الأطراف،‭ ‬تفضّل‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬المتقدمة‭ ‬تقديم‭ ‬مساعداتها‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر،‭ ‬بما‭ ‬يمنحها‭ ‬قدراً‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬التحكم‭ ‬في‭ ‬توجيه‭ ‬هذه‭ ‬الموارد‭. ‬وغالباً‭ ‬ما‭ ‬تتخذ‭ ‬هذه‭ ‬المساعدات‭ ‬أشكالاً‭ ‬متعددة،‭ ‬تتراوح‭ ‬بين‭ ‬القروض‭ ‬الميسرة‭ ‬والمنح،‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬الدعم‭ ‬الفني‭ ‬والعسكري‭.‬
فعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬أنشأت‭ ‬بنك‭ ‬الاستيراد‭ ‬والتصدير‭ ‬الأمريكي‭ ‬لدعم‭ ‬صادراتها‭ ‬وتعزيز‭ ‬حضورها‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الخارجي،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬برامج‭ ‬مخصصة‭ ‬لمساندة‭ ‬الدول‭ ‬النامية،‭ ‬سواء‭ ‬عبر‭ ‬تمويل‭ ‬المشاريع‭ ‬أو‭ ‬مواجهة‭ ‬الضغوط‭ ‬الاقتصادية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالإنفاق‭ ‬الدفاعي‭. ‬كما‭ ‬انتهجت‭ ‬دول‭ ‬أوروبية‭ ‬كالمملكة‭ ‬المتحدة‭ ‬وفرنسا‭ ‬سياسات‭ ‬مماثلة،‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬تعاملها‭ ‬مع‭ ‬الدول‭ ‬المرتبطة‭ ‬بها‭ ‬تاريخياً‭.‬
وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬اتخذت‭ ‬مساعدات‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفييتي‭ ‬طابعاً‭ ‬مختلفاً،‭ ‬حيث‭ ‬تمثلت‭ ‬في‭ ‬تقديم‭ ‬سلع‭ ‬رأسمالية‭ ‬تُسدد‭ ‬قيمتها‭ ‬عبر‭ ‬صادرات‭ ‬أولية‭ ‬وعلى‭ ‬فترات‭ ‬طويلة‭ ‬وبشروط‭ ‬ميسرة،‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬نموذجاً‭ ‬بديلاً‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬العلاقات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الدولية‭.‬
للحديث‭ ‬بقية

رجوع لأعلى