رسوم ترامب الجمركية تربك الاقتصاد العالمي في 2025
الرسوم الجمركية كانت العنوان الأبرز لسنة 2025 وسياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي أعلن سلسلة من قرارات التعرفات على دول العالم، قبل الانخراط في مفاوضات لاحقة على مدار العام أسهمت في التوصل لمجموعة من الاتفاقات.
واحدة من أبرز حلقات التصعيد، كانت «الحرب التجارية» التي أطلقها ترامب مع الصين في 2025، عبر رفع الرسوم على السلع الصينية لتصل في بعض الأحيان إلى 155 % ما دفع بكين إلى الرد بزيادة الرسوم على الواردات الأميركية، قبل التوصل لاتفاق بين البلدين.
امتد تأثير هذه السياسات إلى الأسواق المالية العالمية، حيث شهدت الأسهم والسلع والعملات تقلبات حادة مع كل إعلان جديد يتعلق بالرسوم الجمركية وإجراءت لاحقة حول الاستثناءات التي عاد وأعلنها على بعض الدول، فضلاَ عن مراحل التفاوض التي أعقبتها مع اليابان والاتحاد الأوروبي على اتفاقات ثنائية تحمي جميع الأطراف من الرسوم الجمركية.
رسوم ترامب تحدي رئيسي
للاقتصاد في 2025
ويمكن تلخيص التحدي الرئيسي للاقتصاد العالمي في 2025 بكلمة واحدة، وهي «التعريفات الجمركية»، إذ زعزع ترامب، العلاقات التجارية الأمريكية طويلة الأمد عندما أعلن في أبريل عن رسوم استيراد جديدة وتعريفات متبادلة على عشرات الدول.
تلا ذلك أشهر من التحولات السياسية والمفاوضات الشاقة، إذ تمكنت بعض الدول من إبرام صفقات مع البيت الأبيض إما لتقليص التعريفات، كما هو الحال مع سويسرا، أو لتعليق وتأجيل مجموعة من الرسوم الجمركية المرتفعة على السلع والمنتجات إلى الولايات المتحدة، كما هو الحال مع الصين.
وباتت التعريفات الجمركية هي السلاح المفضل لدى واشنطن، الذي تسعى من خلاله إلى معالجة الاختلالات التجارية مع عدد من الشركاء التجاريين الرئيسيين، مثل الصين والاتحاد الأوروبي، والتي ترى أنها غير متناسبة وغير عادلة.
وعلى الرغم من إبرام عدد من الاتفاقيات التجارية خلال العام المنصرم، إذ وافقت المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان وكوريا الجنوبية وفيتنام والفلبين وإندونيسيا على خطوط عريضة لاتفاقيات مع الولايات المتحدة، إلا أن العمل مستمر خلف الكواليس لتنفيذها.
الغموض يكتنف مصير الرسوم الجمركية
وفي الوقت ذاته، يكتنف الغموض مصير الرسوم الجمركية العالمية، إذ من المقرر أن تصدر المحكمة العليا حكمها بشأن شرعية التعريفات التي فرضها ترامب. من جانبه، صرّح ترامب بأن الولايات المتحدة ستواجه كارثة اقتصادية إذا ما حكمت المحكمة ضد هذه الرسوم.
وبالطبع، هناك دول لم تنجح في كسب تأييد ترامب ومسؤوليه التجاريين، بما في ذلك البرازيل والهند، اللتان فُرضت عليهما رسوم جمركية بنسبة 50 %. جاء ذلك عقب تصريحات ترامب بأن سياسات الحكومة البرازيلية تمثل تهديداً للولايات المتحدة، في حين فُرضت على الهند رسوم جمركية مُرتفعة بسبب شرائها للنفط الروسي.
وكانت الرسوم الجمركية المفروضة على جارتي الولايات المتحدة، المكسيك وكندا، مطروحة قبل وقت طويل من إعلان الرسوم الجمركية المتبادلة في وقت سابق من العام الجاري. وتواجه هاتان الدولتان رسوماً بنسبة 25 % و35 % على الترتيب، على السلع غير المشمولة باتفاقية التجارة بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، والتي ستخضع بدورها للمراجعة خلال 2026.
وفي الوقت الراهن، لا تزال الولايات المتحدة تدرس ما إذا كانت ستلتزم بهذه الاتفاقية أم ستبرم اتفاقيات ثنائية بدلاً منها.
الاقتصاد الأميركي تحت ضغط الرسوم
يبدو الاقتصاد الأمريكي في ظل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب عام 2025، «على صفيح ساخن»، حيث تستعد الشركات والمستهلكون لتقلبات غير متوقعة، تغذيها جزئيًا تحولات السياسة التجارية، بحسب « رويترز».
وعلى الرغم من تباطؤ النمو الاقتصادي، وارتفاع أسعار المستهلكين، وتصاعد حالة عدم اليقين، تتمسك الإدارة الأميركية بموقفها، إذ تؤمن بأن خطة الرسوم الجمركية التي يتبناها ترامب تشكل أداة فعالة لتعزيز التصنيع داخل الولايات المتحدة، وتحسين الميزان التجاري، وزيادة إيرادات الحكومة الفيدرالية.
إلا أن تحليلات صادرة عن كل من مؤسسة الضرائب الأميركية ومعهد بيترسون للاقتصاد الدولي تشير إلى أن هذه الرسوم بدأت تُلحق أضرارًا ملموسة بالشركات والأسر الأمريكية.
وتتوقع الدراسات أن تؤدي الرسوم المفروضة إلى خفض معدل النمو الاقتصادي الأميركي بنحو 0.23 نقطة مئوية في 2025، و0.62 نقطة مئوية في 2026، فضلًا عن زيادة العبء الضريبي على الأسر الأميركية بمتوسط 1300 دولار في 2025، و1600 دولار في 2026. كما يُرجح أن ترفع هذه الرسوم معدل التضخم بنحو نقطة مئوية واحدة.
ورغم أن الارتفاع في التضخم قد يكون مؤقتًا، يرى معهد بيترسون أن مستويات الأسعار في الولايات المتحدة ستظل مرتفعة. كما تُقدّر مؤسسة الضرائب أن رسوم ترامب ستؤدي، على مدى العقد المقبل، إلى خفض الناتج المحلي الإجمالي الأميركي بنسبة 0.8%، حتى قبل أي ردود انتقامية خارجية.
ولا تقتصر تداعيات التصعيد الجمركي الأميركي على الاقتصاد المحلي، إذ حذّر صندوق النقد الدولي من أن اتساع نطاق الرسوم الجمركية قد يؤدي إلى تباطؤ النمو العالمي، خاصة في الاقتصادات الناشئة المعتمدة على التصدير، مع زيادة مخاطر تفكك سلاسل الإمداد العالمية.
الصين وأوروبا في مرمى الرسوم الجمركية
وبحسب تقديرات بنك «غولدمان ساكس»، فإن استمرار الرسوم الأمريكية قد يقتطع ما بين 0.3 و0.5 نقطة مئوية من نمو الاقتصاد الصيني في 2025، في حين حذرت المفوضية الأوروبية من أن تصعيد الحرب التجارية قد يضغط على الصادرات الصناعية الأوروبية، خصوصًا في قطاعات السيارات والتكنولوجيا.
الدول الناشئة الأضعف في حرب الرسوم
أما الاقتصادات الناشئة، فتُعد الأكثر عرضة للتداعيات غير المباشرة، إذ ترى وكالة «ستاندرد آند بورز» أن ارتفاع الرسوم الجمركية الأمريكية قد يؤدي إلى تقلبات في تدفقات رؤوس الأموال، وضغوط على العملات المحلية، وارتفاع تكلفة الاقتراض الخارجي.
عائدات رسوم ترامب الجمركية
وجمعت الولايات المتحدة أكثر من 200 مليار دولار أميركي كرسوم جمركية هذا العام نتيجةً للرسوم الجديدة التي فرضها ترامب منذ بداية عام 2025، وفقاً لبيان هيئة الجمارك وحماية الحدود الأميركية.
يأتي هذا الرقم في الوقت الذي تنظر فيه المحكمة العليا في الطعون المقدمة بشأن عدم قانونية هذه الرسوم الجديدة.
تشمل مبلغ الـ 200 مليار دولار الرسوم الجمركية الجديدة فقط، من دون الرسوم التي فُرضت خلال ولاية ترامب الأولى في البيت الأبيض. ولا تواجه تلك الرسوم السابقة طعوناً قانونية، على عكس الرسوم الجديدة.
- الرسوم الجمركية وتقليص عدد الموظفين
الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس ترامب بهدف إعادة الوظائف الأميركية المفقودة ودفع عجلة التصنيع داخل الولايات المتحدة، قد تقود إلى نتائج عكسية وتُسهم في الحد من عدد الوظائف المتاحة في عام 2026، وذلك وفقاً لتصريحات صدرت مؤخراً عن كبار التنفيذيين الاقتصاديين وبعض المهتمين برصد تأثير سياسات الرئيس ترامب الاقتصادية، في تقرير صدر عن شبكة CNBC.
فسوق العمل في الولايات المتحدة مهدد بتأثير ارتفاع تكاليف التشغيل التي قد تجبر الشركات على تقليص قوائم موظفيها. وعلى سبيل المثال، أظهر المشاركون في استطلاع لمعهد إدارة التوريد حول أوضاع المصانع، والذي أُجري في نوفمبر الماضي، مستويات مرتفعة من القلق.
وصرّح أحد التنفيذيين العاملين في قطاع معدات النقل بأن هناك تغييرات تُجري تشمل عدد الموظفين بسبب الضغوط التي تسبّبها الرسوم الجمركية. كما ظهرت تعليقات مشابهة لعدة مشاركين في التقرير، الذي أظهر أن مؤشر التصنيع الذي يتابعه المعهد انخفض أكثر نحو منطقة تشير إلى تراجع في أوضاع الأعمال. فقد أبلغت نحو 48.2% من المؤسسات الإنتاجية المشاركة عن اتجاهها للتوسع، وهذه النسبة تُعتبر مؤشراً على الانكماش باعتبارها تقل عن 50%.
كما انخفض مؤشر التوظيف الذي أظهره الاستطلاع بمقدار نقطتين إلى 44%، وهو أدنى مستوى له منذ أغسطس الماضي، ويتماشى مع الاتجاه التدريجي والمستمر لضعف سوق العمل.
وتؤكد هذه المؤشرات تصريحات مدير في قطاع المعدات الكهربائية والأجهزة والمكونات، الذي قال إن الرسوم الجمركية تخلق مناخاً تجارياً أصعب مما كان عليه الوضع خلال أزمة كوفيد، بفعل حالة عدم اليقين في استقرار سلاسل التوريد العالمية.
وختاماً، مع اقتراب عام 2026، يرى محللون أن مسار التعريفات سيظل عامل عدم اليقين الأبرز للأسواق العالمية، مرجحين أن أي حكم قضائي ضد الرسوم أو تغير في النهج التجاري قد يعيد تشكيل المشهد الاقتصادي العالمي بسرعة، في حين أن استمرارها قد يدفع الدول إلى تسريع سياسات تنويع الشركاء التجاريين بعيدًا عن الولايات المتحدة.