تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رهانات‭ ‬التجارة‭ ‬الخارجية‭ ‬في‭ ‬الاقتصادات‭ ‬النامية

BZ40

لا‭ ‬تقتصر‭ ‬متطلبات‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬على‭ ‬سياسات‭ ‬المساعدات‭ ‬الخارجية‭ ‬وحدها،‭ ‬إذ‭ ‬تمثل‭ ‬التجارة‭ ‬الخارجية‭ ‬ركناً‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬أهمية‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬النمو‭ ‬الداخلي‭ ‬وتحفيز‭ ‬الاستثمار‭. ‬فحركة‭ ‬الصادرات‭ ‬والواردات‭ ‬تؤثر‭ ‬مباشرة‭ ‬في‭ ‬قدرة‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬على‭ ‬الاستيراد،‭ ‬كما‭ ‬تنعكس‭ ‬على‭ ‬نمو‭ ‬الدخل‭ ‬القومي‭ ‬وحجم‭ ‬الاستثمارات‭ ‬المتاحة‭.‬
وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬لا‭ ‬تقل‭ ‬السياسات‭ ‬التجارية‭ ‬التي‭ ‬تعتمدها‭ ‬الدول‭ ‬المتقدمة‭ ‬أثراً‭ ‬على‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬عن‭ ‬سياساتها‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالمساعدات‭ ‬الخارجية‭. ‬فمن‭ ‬حيث‭ ‬المبدأ،‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬يكمل‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬المسارين‭ ‬الآخر،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الواقع‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬مفارقة‭ ‬واضحة،‭ ‬إذ‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬تقترن‭ ‬سياسات‭ ‬المساعدة‭ ‬ذات‭ ‬الطابع‭ ‬الليبرالي‭ ‬بسياسات‭ ‬تجارية‭ ‬تفرض‭ ‬قيوداً‭ ‬تحد‭ ‬من‭ ‬حرية‭ ‬التبادل‭ ‬التجاري‭ ‬وتضعف‭ ‬أثر‭ ‬تلك‭ ‬المساعدات‭.‬
وتبرز‭ ‬هذه‭ ‬الإشكالية‭ ‬بشكل‭ ‬أوضح‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬التي‭ ‬تعاني‭ ‬شحاً‭ ‬في‭ ‬موارد‭ ‬النقد‭ ‬الأجنبي،‭ ‬حيث‭ ‬يصبح‭ ‬توسيع‭ ‬المساعدات‭ ‬الخارجية‭ ‬وتخفيف‭ ‬القيود‭ ‬على‭ ‬النفاذ‭ ‬إلى‭ ‬الأسواق‭ ‬بديلين‭ ‬متوازيين‭ ‬لمعالجة‭ ‬اختناقات‭ ‬النمو‭. ‬وفي‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الحالات،‭ ‬يتحول‭ ‬نقص‭ ‬العملات‭ ‬الأجنبية‭ ‬إلى‭ ‬عامل‭ ‬رئيسي‭ ‬يعيق‭ ‬مسار‭ ‬التنمية‭ ‬الاقتصادية‭.‬
في‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الاقتصادات،‭ ‬تسهم‭ ‬زيادة‭ ‬عائدات‭ ‬الصادرات‭ ‬في‭ ‬تخفيف‭ ‬حدة‭ ‬الضغط‭ ‬الناتج‭ ‬عن‭ ‬نقص‭ ‬النقد‭ ‬الأجنبي،‭ ‬بما‭ ‬ينعكس‭ ‬إيجاباً‭ ‬على‭ ‬وتيرة‭ ‬النمو‭. ‬وعند‭ ‬هذه‭ ‬النقطة،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تؤدي‭ ‬الصادرات‭ ‬المتنامية‭ ‬دوراً‭ ‬يعادل‭ ‬تدفقات‭ ‬المساعدات‭ ‬الخارجية‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الأثر‭ ‬الاقتصادي‭.‬
وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تسريع‭ ‬نمو‭ ‬الصادرات‭ ‬يشكل‭ ‬هدفاً‭ ‬محورياً‭ ‬لمعظم‭ ‬مشروعات‭ ‬التنمية،‭ ‬فإن‭ ‬تحقيق‭ ‬هذا‭ ‬الهدف‭ ‬يصطدم‭ ‬بعقبات‭ ‬هيكلية،‭ ‬في‭ ‬مقدمتها‭ ‬طبيعة‭ ‬صادرات‭ ‬غالبية‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭. ‬إذ‭ ‬تعتمد‭ ‬هذه‭ ‬الصادرات‭ ‬في‭ ‬الغالب‭ ‬على‭ ‬المواد‭ ‬الأولية‭ ‬التقليدية،‭ ‬التي‭ ‬يشهد‭ ‬الطلب‭ ‬العالمي‭ ‬عليها‭ ‬نمواً‭ ‬محدوداً‭ ‬لا‭ ‬ينسجم‭ ‬مع‭ ‬طموحات‭ ‬الدول‭ ‬المنتجة‭. ‬ويضاف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬إخضاع‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬منتجات‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬لقيود‭ ‬متنوعة‭ ‬تفرضها‭ ‬الدول‭ ‬المتقدمة،‭ ‬ما‭ ‬يحد‭ ‬من‭ ‬فرص‭ ‬توسعها‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية‭.‬
أمام‭ ‬هذه‭ ‬التحديات،‭ ‬تجد‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬نفسها‭ ‬مضطرة‭ ‬إلى‭ ‬السعي‭ ‬لتنويع‭ ‬قاعدة‭ ‬صادراتها‭ ‬بوصفه‭ ‬خياراً‭ ‬استراتيجياً‭ ‬لتوسيع‭ ‬حضورها‭ ‬التجاري‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬المسار‭ ‬لا‭ ‬يخلو‭ ‬من‭ ‬الصعوبات،‭ ‬إذ‭ ‬يتطلب‭ ‬إيجاد‭ ‬منافذ‭ ‬للمنتجات‭ ‬نصف‭ ‬المصنعة‭ ‬والمصنعة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬سياسات‭ ‬تجارية‭ ‬تميل،‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان،‭ ‬إلى‭ ‬إعاقة‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬التبادل‭. ‬ومع‭ ‬أن‭ ‬إعادة‭ ‬توزيع‭ ‬الإنتاج‭ ‬قد‭ ‬تسهم‭ ‬في‭ ‬دفع‭ ‬الصادرات‭ ‬ضمن‭ ‬الإطار‭ ‬القائم،‭ ‬فإن‭ ‬تحقيق‭ ‬تقدم‭ ‬فعلي‭ ‬ومستدام‭ ‬يظل‭ ‬مرهوناً‭ ‬بتبني‭ ‬الدول‭ ‬المتقدمة‭ ‬سياسات‭ ‬تجارية‭ ‬أكثر‭ ‬انفتاحاً‭ ‬ومرونة،‭ ‬تتيح‭ ‬للدول‭ ‬النامية‭ ‬فرصاً‭ ‬حقيقية‭ ‬للاندماج‭ ‬في‭ ‬التجارة‭ ‬العالمية‭.‬

تنسيق‭ ‬السياسات‭ ‬التجارية‭ ‬كرافعة‭ ‬للتنمية

لا‭ ‬تهدف‭ ‬هذه‭ ‬المقالة‭ ‬إلى‭ ‬تحميل‭ ‬الدول‭ ‬المتقدمة‭ ‬وحدها‭ ‬مسؤولية‭ ‬إدارة‭ ‬شؤون‭ ‬التنمية‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬إذ‭ ‬تمتلك‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬بدورها‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التحول‭ ‬إلى‭ ‬فاعل‭ ‬مؤثر‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬التنمية‭ ‬الدولية،‭ ‬متى‭ ‬ما‭ ‬أحسنت‭ ‬تنسيق‭ ‬سياساتها‭ ‬التجارية‭. ‬ويتحقق‭ ‬ذلك‭ ‬عبر‭ ‬مسارين‭ ‬أساسيين،‭ ‬أولهما‭ ‬تنسيق‭ ‬المواقف‭ ‬والسياسات‭ ‬التجارية‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الدول‭ ‬المتقدمة،‭ ‬وثانيهما‭ ‬توسيع‭ ‬نطاق‭ ‬التبادل‭ ‬التجاري‭ ‬البيني‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬نفسها‭.‬
وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬تحدد‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬أهدافاً‭ ‬لصادراتها‭ ‬الرئيسية‭ ‬من‭ ‬المواد‭ ‬الأولية،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬أهداف‭ ‬فرعية‭ ‬تتعلق‭ ‬بالسلع‭ ‬المصنعة‭ ‬ونصف‭ ‬المصنعة‭. ‬وتستند‭ ‬هذه‭ ‬السياسات‭ ‬إلى‭ ‬تقديرات‭ ‬لاتجاهات‭ ‬الطلب‭ ‬العالمي،‭ ‬مع‭ ‬اعتماد‭ ‬مستويات‭ ‬الطلب‭ ‬الراهنة‭ ‬أساساً‭ ‬لتحديد‭ ‬الحصص‭ ‬الممكنة‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬الدولية‭.‬
غير‭ ‬أن‭ ‬التحدي‭ ‬يبرز‭ ‬عندما‭ ‬تضع‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬أهدافاً‭ ‬لصادرات‭ ‬محدودة‭ ‬الأهمية‭ ‬أو‭ ‬لمنتجات‭ ‬لا‭ ‬تحظى‭ ‬بثقل‭ ‬يُذكر‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية‭. ‬ففي‭ ‬هذه‭ ‬الحالات،‭ ‬يتركز‭ ‬الاهتمام‭ ‬على‭ ‬تسهيل‭ ‬عمليات‭ ‬البيع‭ ‬وتحسين‭ ‬أساليب‭ ‬العرض‭ ‬والتسويق،‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬التكيف‭ ‬مع‭ ‬اتجاهات‭ ‬الطلب‭ ‬العالمي‭. ‬ولا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬تبادل‭ ‬المعلومات‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬حول‭ ‬أهداف‭ ‬سياسات‭ ‬التصدير‭ ‬يسهم‭ ‬في‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬حدة‭ ‬التزاحم‭ ‬بينها‭ ‬داخل‭ ‬أسواق‭ ‬الدول‭ ‬المتقدمة،‭ ‬وهو‭ ‬تزاحم‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬ينتهي‭ ‬بالإضرار‭ ‬بمصالحها‭ ‬المشتركة‭.‬
وإذا‭ ‬كان‭ ‬لتبادل‭ ‬المعلومات‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬قيمة‭ ‬ملموسة،‭ ‬فإن‭ ‬الأهمية‭ ‬الأكبر‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬توسيع‭ ‬نطاق‭ ‬التبادل‭ ‬التجاري‭ ‬فيما‭ ‬بينها‭. ‬ويستند‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬إلى‭ ‬الصعوبات‭ ‬المتزايدة‭ ‬التي‭ ‬تواجهها‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬في‭ ‬إيجاد‭ ‬منافذ‭ ‬لصادراتها‭ ‬الصناعية‭ ‬ضمن‭ ‬هيكل‭ ‬التجارة‭ ‬الدولية‭ ‬القائم‭. ‬ومن‭ ‬هنا،‭ ‬تلجأ‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬إلى‭ ‬الانخراط‭ ‬في‭ ‬منظمات‭ ‬إقليمية‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬إنشاء‭ ‬أسواق‭ ‬محمية‭ ‬نسبياً‭ ‬من‭ ‬المنافسة‭ ‬الخارجية،‭ ‬بما‭ ‬يتيح‭ ‬لها‭ ‬دفع‭ ‬عجلة‭ ‬التصنيع‭ ‬والتقدم‭ ‬الصناعي‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬قدر‭ ‬من‭ ‬الحماية‭.‬
كما‭ ‬يدفع‭ ‬عامل‭ ‬قانوني‭ ‬إضافي‭ ‬نحو‭ ‬هذا‭ ‬الاتجاه،‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬أحكام‭ ‬الاتفاقية‭ ‬العامة‭ ‬للتجارة‭ ‬والتعريفات‭ ‬الجمركية،‭ ‬التي‭ ‬تحظر‭ ‬المعاملة‭ ‬التفضيلية‭ ‬في‭ ‬التبادل‭ ‬التجاري‭ ‬بين‭ ‬الدول،‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬هذه‭ ‬المعاملة‭ ‬ضمن‭ ‬أطر‭ ‬جماعات‭ ‬أو‭ ‬تكتلات‭ ‬إقليمية‭ ‬معترف‭ ‬بها‭.‬

توجيه‭ ‬حركة‭ ‬الصادرات

سبق‭ ‬أن‭ ‬أشرنا‭ ‬إلى‭ ‬اتساع‭ ‬الفجوة‭ ‬بين‭ ‬الصادرات‭ ‬والواردات‭ ‬في‭ ‬معظم‭ ‬الدول‭ ‬النامية،‭ ‬وما‭ ‬يترتب‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬تفاقم‭ ‬أعباء‭ ‬الديون‭ ‬الخارجية‭. ‬ويزداد‭ ‬هذا‭ ‬الاختلال‭ ‬مع‭ ‬تباطؤ‭ ‬نمو‭ ‬الصادرات‭ ‬وتسارع‭ ‬وتيرة‭ ‬الواردات،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬الارتفاع‭ ‬المستمر‭ ‬في‭ ‬أسعار‭ ‬المعدات‭ ‬والسلع‭ ‬الرأسمالية‭ ‬اللازمة‭ ‬للتنمية،‭ ‬وهي‭ ‬زيادات‭ ‬لا‭ ‬تقابلها‭ ‬مكاسب‭ ‬مماثلة‭ ‬في‭ ‬عائدات‭ ‬الصادرات‭. ‬واستمرار‭ ‬هذا‭ ‬الوضع،‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬الطويل،‭ ‬يضع‭ ‬اقتصادات‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬أمام‭ ‬مخاطر‭ ‬مالية‭ ‬جسيمة‭.‬
وتواجه‭ ‬عملية‭ ‬تقدير‭ ‬عائدات‭ ‬الصادرات‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬صعوبات‭ ‬كبيرة،‭ ‬لارتباطها‭ ‬بعاملين‭ ‬يصعب‭ ‬التنبؤ‭ ‬بهما‭: ‬أولهما‭ ‬تطورات‭ ‬الطلب‭ ‬الخارجي‭ ‬على‭ ‬منتجاتها،‭ ‬وثانيهما‭ ‬شدة‭ ‬المنافسة‭ ‬التي‭ ‬تواجهها‭ ‬هذه‭ ‬المنتجات‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬الدولية‭. ‬وتزداد‭ ‬هذه‭ ‬الصعوبات‭ ‬وضوحاً‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬علمنا‭ ‬أن‭ ‬صادرات‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬تتركز‭ ‬عادة‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬محدود‭ ‬من‭ ‬المواد‭ ‬الأولية،‭ ‬التي‭ ‬تتسم‭ ‬أسعارها‭ ‬بدرجة‭ ‬من‭ ‬الاستقرار‭ ‬النسبي‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية‭.‬
ولهذا‭ ‬السبب،‭ ‬تفترض‭ ‬غالبية‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬ثبات‭ ‬أسعار‭ ‬صادراتها‭ ‬عند‭ ‬تقدير‭ ‬العائدات،‭ ‬وتوجه‭ ‬جهودها‭ ‬نحو‭ ‬تحديد‭ ‬أهداف‭ ‬كمية‭ ‬لحجم‭ ‬الصادرات‭. ‬وعلى‭ ‬هذا‭ ‬الأساس،‭ ‬يمكن‭ ‬تقسيم‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬إلى‭ ‬مجموعتين‭ ‬رئيسيتين‭: ‬تضم‭ ‬الأولى‭ ‬دولاً‭ ‬تنتج‭ ‬سلعاً‭ ‬خاماً‭ ‬ذات‭ ‬أهمية‭ ‬خاصة‭ ‬لبعض‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الصناعية‭ ‬الكبرى،‭ ‬وتبني‭ ‬استراتيجياتها‭ ‬التصديرية‭ ‬على‭ ‬متابعة‭ ‬اتجاهات‭ ‬الطلب‭ ‬العالمي‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬السلع،‭ ‬بوصفها‭ ‬المحدد‭ ‬الرئيس‭ ‬لنمو‭ ‬صادراتها‭.‬

استراتيجيات‭ ‬تصدير‭ ‬متباينة‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬النامية

تضم‭ ‬المجموعة‭ ‬الثانية‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تنتج‭ ‬سلعاً‭ ‬لا‭ ‬تحظى‭ ‬بثقل‭ ‬يُذكر‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يدفعها‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬خططها‭ ‬التصديرية‭ ‬أساساً‭ ‬على‭ ‬تقديرات‭ ‬الزيادة‭ ‬في‭ ‬الفائض‭ ‬القابل‭ ‬للتصدير‭ ‬من‭ ‬إنتاجها‭ ‬المحلي،‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬اعتمادها‭ ‬على‭ ‬اتجاهات‭ ‬الطلب‭ ‬الدولي‭.‬
وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬تلجأ‭ ‬فئة‭ ‬محدودة‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬إلى‭ ‬الاستعانة‭ ‬بمؤسسات‭ ‬ووكالات‭ ‬متخصصة‭ ‬لإجراء‭ ‬دراسات‭ ‬معمقة‭ ‬حول‭ ‬الطلب‭ ‬العالمي،‭ ‬بهدف‭ ‬توظيف‭ ‬نتائجها‭ ‬في‭ ‬صياغة‭ ‬استراتيجيات‭ ‬التصدير‭. ‬وتبرز‭ ‬تشيلي‭ ‬مثالاً‭ ‬واضحاً‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬إذ‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬دراسات‭ ‬دقيقة‭ ‬لحركة‭ ‬الطلب‭ ‬العالمي‭ ‬على‭ ‬النحاس‭ ‬لتحديد‭ ‬مستويات‭ ‬إنتاجها،‭ ‬وهو‭ ‬النهج‭ ‬ذاته‭ ‬الذي‭ ‬تتبعه‭ ‬دول‭ ‬مثل‭ ‬كولومبيا‭ ‬وماليزيا‭ ‬ونيجيريا‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬صادراتها‭ ‬الرئيسية‭.‬
وعند‭ ‬التمعن‭ ‬في‭ ‬المعدلات‭ ‬التي‭ ‬تعتمدها‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬لنمو‭ ‬صادراتها،‭ ‬يمكن‭ ‬تمييز‭ ‬ثلاث‭ ‬فئات‭ ‬رئيسية‭. ‬الفئة‭ ‬الأولى‭ ‬تضم‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تتطابق‭ ‬فيها‭ ‬المعدلات‭ ‬المستهدفة‭ ‬لنمو‭ ‬الصادرات‭ ‬مع‭ ‬الاتجاهات‭ ‬التاريخية‭ ‬لنمو‭ ‬التجارة‭ ‬الدولية‭ ‬في‭ ‬السلع‭ ‬الأساسية‭ ‬التي‭ ‬تصدرها،‭ ‬ما‭ ‬يتيح‭ ‬لها‭ ‬توجيه‭ ‬صادراتها‭ ‬على‭ ‬أسس‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬الواقع‭. ‬وتندرج‭ ‬ضمن‭ ‬هذه‭ ‬الفئة‭ ‬دول‭ ‬مثل‭ ‬السودان،‭ ‬التي‭ ‬تتركز‭ ‬صادراتها‭ ‬في‭ ‬القطن‭ ‬وبذوره‭ ‬والفول‭ ‬السوداني،‭ ‬والإكوادور‭ ‬بصادراتها‭ ‬من‭ ‬الموز‭ ‬واللبن‭ ‬والكاكاو،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬تشيلي‭ ‬في‭ ‬النحاس‭ ‬وكولومبيا‭ ‬في‭ ‬اللبن‭ ‬والنفط‭.‬
أما‭ ‬الفئة‭ ‬الثانية‭ ‬فتشمل‭ ‬دولاً‭ ‬مثل‭ ‬جامايكا‭ ‬وترينيداد‭ ‬وتوباغو‭ ‬وفنزويلا،‭ ‬التي‭ ‬تعتمد‭ ‬خططاً‭ ‬لنمو‭ ‬صادراتها‭ ‬بمعدلات‭ ‬تقل‭ ‬عن‭ ‬حصصها‭ ‬التاريخية‭ ‬في‭ ‬التجارة‭ ‬العالمية‭ ‬لمنتجاتها‭ ‬الرئيسية،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬النفط‭ ‬والبوكسيت‭. ‬ويرتبط‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬جانب‭ ‬منه‭ ‬بسيطرة‭ ‬شركات‭ ‬أجنبية‭ ‬على‭ ‬إنتاج‭ ‬هذه‭ ‬السلع‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الدول،‭ ‬مع‭ ‬مشاركة‭ ‬رؤوس‭ ‬أموال‭ ‬أجنبية‭ ‬واسعة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬القطاعات‭.‬
في‭ ‬المقابل،‭ ‬تتبنى‭ ‬الفئة‭ ‬الثالثة‭ ‬نظرة‭ ‬أكثر‭ ‬تفاؤلاً،‭ ‬إذ‭ ‬تضع‭ ‬أهدافاً‭ ‬لنمو‭ ‬الصادرات‭ ‬تفوق‭ ‬المعدلات‭ ‬التي‭ ‬حققتها‭ ‬منتجاتها‭ ‬الأساسية‭ ‬في‭ ‬الماضي‭. ‬ويعكس‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬توقعات‭ ‬بزيادة‭ ‬الحصة‭ ‬في‭ ‬التجارة‭ ‬العالمية،‭ ‬سواء‭ ‬نتيجة‭ ‬نجاح‭ ‬سياسات‭ ‬تنويع‭ ‬الصادرات‭ ‬أو‭ ‬بفعل‭ ‬توقعات‭ ‬بارتفاع‭ ‬الطلب‭ ‬العالمي‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬السلع‭ ‬الرئيسية‭. ‬ومن‭ ‬الأمثلة‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬ما‭ ‬تتوقعه‭ ‬غانا‭ ‬من‭ ‬استمرار‭ ‬نمو‭ ‬الطلب‭ ‬العالمي‭ ‬على‭ ‬الكاكاو،‭ ‬وما‭ ‬تفترضه‭ ‬باكستان‭ ‬من‭ ‬زيادة‭ ‬متواصلة‭ ‬في‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬الجوت،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬سعي‭ ‬بورما‭ ‬لرفع‭ ‬صادراتها‭ ‬من‭ ‬الأرز‭ ‬بنحو‭ ‬40‭ % ‬بعد‭ ‬انتهاء‭ ‬خطتها‭ ‬الرباعية‭. ‬كما‭ ‬تعمل‭ ‬دول‭ ‬مثل‭ ‬مصر‭ ‬والهند‭ ‬وباكستان‭ ‬والفلبين‭ ‬على‭ ‬تعزيز‭ ‬صادراتها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تنويع‭ ‬المنتجات،‭ ‬حيث‭ ‬تتجه‭ ‬مصر‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬إلى‭ ‬تقليص‭ ‬صادرات‭ ‬القطن‭ ‬الخام‭ ‬مقابل‭ ‬زيادة‭ ‬صادرات‭ ‬المنسوجات‭ ‬القطنية‭.‬
وتُظهر‭ ‬دراسات‭ ‬مشروعات‭ ‬التنمية‭ ‬اعتماد‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬على‭ ‬توسيع‭ ‬التصنيع‭ ‬المحلي‭ ‬بوصفه‭ ‬أداة‭ ‬رئيسية‭ ‬لتنويع‭ ‬الصادرات،‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬للتحرر‭ ‬من‭ ‬تبعات‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬تصدير‭ ‬المواد‭ ‬الأولية‭ ‬التي‭ ‬تهيمن‭ ‬الدول‭ ‬الصناعية‭ ‬الكبرى‭ ‬على‭ ‬أسواقها‭. ‬وتبرز‭ ‬التجربة‭ ‬المصرية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال،‭ ‬مع‭ ‬توقعات‭ ‬بارتفاع‭ ‬حصة‭ ‬السلع‭ ‬المصنعة،‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬المنسوجات‭ ‬والمنتجات‭ ‬الكيماوية،‭ ‬إلى‭ ‬نحو‭ ‬31‭ % ‬من‭ ‬إجمالي‭ ‬الصادرات،‭ ‬مقارنة‭ ‬بنحو‭ ‬21‭ % ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الراهن،‭ ‬بما‭ ‬يعكس‭ ‬تحولاً‭ ‬تدريجياً‭ ‬في‭ ‬هيكل‭ ‬الصادرات‭ ‬نحو‭ ‬قيمة‭ ‬مضافة‭ ‬أعلى‭.‬

رجوع لأعلى