رهانات التجارة الخارجية في الاقتصادات النامية
لا تقتصر متطلبات النمو الاقتصادي في الدول النامية على سياسات المساعدات الخارجية وحدها، إذ تمثل التجارة الخارجية ركناً لا يقل أهمية في دعم النمو الداخلي وتحفيز الاستثمار. فحركة الصادرات والواردات تؤثر مباشرة في قدرة هذه الدول على الاستيراد، كما تنعكس على نمو الدخل القومي وحجم الاستثمارات المتاحة.
وفي هذا السياق، لا تقل السياسات التجارية التي تعتمدها الدول المتقدمة أثراً على الدول النامية عن سياساتها المتعلقة بالمساعدات الخارجية. فمن حيث المبدأ، يفترض أن يكمل كل من المسارين الآخر، غير أن الواقع يشير إلى مفارقة واضحة، إذ غالباً ما تقترن سياسات المساعدة ذات الطابع الليبرالي بسياسات تجارية تفرض قيوداً تحد من حرية التبادل التجاري وتضعف أثر تلك المساعدات.
وتبرز هذه الإشكالية بشكل أوضح في الدول النامية التي تعاني شحاً في موارد النقد الأجنبي، حيث يصبح توسيع المساعدات الخارجية وتخفيف القيود على النفاذ إلى الأسواق بديلين متوازيين لمعالجة اختناقات النمو. وفي كثير من الحالات، يتحول نقص العملات الأجنبية إلى عامل رئيسي يعيق مسار التنمية الاقتصادية.
في مثل هذه الاقتصادات، تسهم زيادة عائدات الصادرات في تخفيف حدة الضغط الناتج عن نقص النقد الأجنبي، بما ينعكس إيجاباً على وتيرة النمو. وعند هذه النقطة، يمكن أن تؤدي الصادرات المتنامية دوراً يعادل تدفقات المساعدات الخارجية من حيث الأثر الاقتصادي.
وعلى الرغم من أن تسريع نمو الصادرات يشكل هدفاً محورياً لمعظم مشروعات التنمية، فإن تحقيق هذا الهدف يصطدم بعقبات هيكلية، في مقدمتها طبيعة صادرات غالبية الدول النامية. إذ تعتمد هذه الصادرات في الغالب على المواد الأولية التقليدية، التي يشهد الطلب العالمي عليها نمواً محدوداً لا ينسجم مع طموحات الدول المنتجة. ويضاف إلى ذلك إخضاع العديد من منتجات الدول النامية لقيود متنوعة تفرضها الدول المتقدمة، ما يحد من فرص توسعها في الأسواق العالمية.
أمام هذه التحديات، تجد الدول النامية نفسها مضطرة إلى السعي لتنويع قاعدة صادراتها بوصفه خياراً استراتيجياً لتوسيع حضورها التجاري. غير أن هذا المسار لا يخلو من الصعوبات، إذ يتطلب إيجاد منافذ للمنتجات نصف المصنعة والمصنعة في ظل سياسات تجارية تميل، في كثير من الأحيان، إلى إعاقة هذا النوع من التبادل. ومع أن إعادة توزيع الإنتاج قد تسهم في دفع الصادرات ضمن الإطار القائم، فإن تحقيق تقدم فعلي ومستدام يظل مرهوناً بتبني الدول المتقدمة سياسات تجارية أكثر انفتاحاً ومرونة، تتيح للدول النامية فرصاً حقيقية للاندماج في التجارة العالمية.
تنسيق السياسات التجارية كرافعة للتنمية
لا تهدف هذه المقالة إلى تحميل الدول المتقدمة وحدها مسؤولية إدارة شؤون التنمية الاقتصادية، إذ تمتلك الدول النامية بدورها القدرة على التحول إلى فاعل مؤثر في مسار التنمية الدولية، متى ما أحسنت تنسيق سياساتها التجارية. ويتحقق ذلك عبر مسارين أساسيين، أولهما تنسيق المواقف والسياسات التجارية في التعامل مع الدول المتقدمة، وثانيهما توسيع نطاق التبادل التجاري البيني بين الدول النامية نفسها.
وفي هذا الإطار، تحدد الدول النامية أهدافاً لصادراتها الرئيسية من المواد الأولية، إلى جانب أهداف فرعية تتعلق بالسلع المصنعة ونصف المصنعة. وتستند هذه السياسات إلى تقديرات لاتجاهات الطلب العالمي، مع اعتماد مستويات الطلب الراهنة أساساً لتحديد الحصص الممكنة في الأسواق الدولية.
غير أن التحدي يبرز عندما تضع بعض الدول النامية أهدافاً لصادرات محدودة الأهمية أو لمنتجات لا تحظى بثقل يُذكر في الأسواق العالمية. ففي هذه الحالات، يتركز الاهتمام على تسهيل عمليات البيع وتحسين أساليب العرض والتسويق، على حساب التكيف مع اتجاهات الطلب العالمي. ولا شك أن تبادل المعلومات بين الدول النامية حول أهداف سياسات التصدير يسهم في الحد من حدة التزاحم بينها داخل أسواق الدول المتقدمة، وهو تزاحم غالباً ما ينتهي بالإضرار بمصالحها المشتركة.
وإذا كان لتبادل المعلومات بين الدول النامية قيمة ملموسة، فإن الأهمية الأكبر تكمن في توسيع نطاق التبادل التجاري فيما بينها. ويستند هذا التوجه إلى الصعوبات المتزايدة التي تواجهها هذه الدول في إيجاد منافذ لصادراتها الصناعية ضمن هيكل التجارة الدولية القائم. ومن هنا، تلجأ الدول النامية إلى الانخراط في منظمات إقليمية تهدف إلى إنشاء أسواق محمية نسبياً من المنافسة الخارجية، بما يتيح لها دفع عجلة التصنيع والتقدم الصناعي في ظل قدر من الحماية.
كما يدفع عامل قانوني إضافي نحو هذا الاتجاه، يتمثل في أحكام الاتفاقية العامة للتجارة والتعريفات الجمركية، التي تحظر المعاملة التفضيلية في التبادل التجاري بين الدول، ما لم تكن هذه المعاملة ضمن أطر جماعات أو تكتلات إقليمية معترف بها.
توجيه حركة الصادرات
سبق أن أشرنا إلى اتساع الفجوة بين الصادرات والواردات في معظم الدول النامية، وما يترتب على ذلك من تفاقم أعباء الديون الخارجية. ويزداد هذا الاختلال مع تباطؤ نمو الصادرات وتسارع وتيرة الواردات، فضلاً عن الارتفاع المستمر في أسعار المعدات والسلع الرأسمالية اللازمة للتنمية، وهي زيادات لا تقابلها مكاسب مماثلة في عائدات الصادرات. واستمرار هذا الوضع، على المدى الطويل، يضع اقتصادات الدول النامية أمام مخاطر مالية جسيمة.
وتواجه عملية تقدير عائدات الصادرات في الدول النامية صعوبات كبيرة، لارتباطها بعاملين يصعب التنبؤ بهما: أولهما تطورات الطلب الخارجي على منتجاتها، وثانيهما شدة المنافسة التي تواجهها هذه المنتجات في الأسواق الدولية. وتزداد هذه الصعوبات وضوحاً إذا ما علمنا أن صادرات الدول النامية تتركز عادة في عدد محدود من المواد الأولية، التي تتسم أسعارها بدرجة من الاستقرار النسبي في الأسواق العالمية.
ولهذا السبب، تفترض غالبية الدول النامية ثبات أسعار صادراتها عند تقدير العائدات، وتوجه جهودها نحو تحديد أهداف كمية لحجم الصادرات. وعلى هذا الأساس، يمكن تقسيم الدول النامية إلى مجموعتين رئيسيتين: تضم الأولى دولاً تنتج سلعاً خاماً ذات أهمية خاصة لبعض الاقتصادات الصناعية الكبرى، وتبني استراتيجياتها التصديرية على متابعة اتجاهات الطلب العالمي على هذه السلع، بوصفها المحدد الرئيس لنمو صادراتها.
استراتيجيات تصدير متباينة في الدول النامية
تضم المجموعة الثانية من الدول النامية تلك التي تنتج سلعاً لا تحظى بثقل يُذكر في الأسواق العالمية، وهو ما يدفعها إلى بناء خططها التصديرية أساساً على تقديرات الزيادة في الفائض القابل للتصدير من إنتاجها المحلي، أكثر من اعتمادها على اتجاهات الطلب الدولي.
وفي المقابل، تلجأ فئة محدودة من الدول النامية إلى الاستعانة بمؤسسات ووكالات متخصصة لإجراء دراسات معمقة حول الطلب العالمي، بهدف توظيف نتائجها في صياغة استراتيجيات التصدير. وتبرز تشيلي مثالاً واضحاً في هذا السياق، إذ تعتمد على دراسات دقيقة لحركة الطلب العالمي على النحاس لتحديد مستويات إنتاجها، وهو النهج ذاته الذي تتبعه دول مثل كولومبيا وماليزيا ونيجيريا في بعض صادراتها الرئيسية.
وعند التمعن في المعدلات التي تعتمدها الدول النامية لنمو صادراتها، يمكن تمييز ثلاث فئات رئيسية. الفئة الأولى تضم الدول التي تتطابق فيها المعدلات المستهدفة لنمو الصادرات مع الاتجاهات التاريخية لنمو التجارة الدولية في السلع الأساسية التي تصدرها، ما يتيح لها توجيه صادراتها على أسس أقرب إلى الواقع. وتندرج ضمن هذه الفئة دول مثل السودان، التي تتركز صادراتها في القطن وبذوره والفول السوداني، والإكوادور بصادراتها من الموز واللبن والكاكاو، إضافة إلى تشيلي في النحاس وكولومبيا في اللبن والنفط.
أما الفئة الثانية فتشمل دولاً مثل جامايكا وترينيداد وتوباغو وفنزويلا، التي تعتمد خططاً لنمو صادراتها بمعدلات تقل عن حصصها التاريخية في التجارة العالمية لمنتجاتها الرئيسية، وعلى رأسها النفط والبوكسيت. ويرتبط ذلك في جانب منه بسيطرة شركات أجنبية على إنتاج هذه السلع في تلك الدول، مع مشاركة رؤوس أموال أجنبية واسعة في هذه القطاعات.
في المقابل، تتبنى الفئة الثالثة نظرة أكثر تفاؤلاً، إذ تضع أهدافاً لنمو الصادرات تفوق المعدلات التي حققتها منتجاتها الأساسية في الماضي. ويعكس هذا التوجه توقعات بزيادة الحصة في التجارة العالمية، سواء نتيجة نجاح سياسات تنويع الصادرات أو بفعل توقعات بارتفاع الطلب العالمي على بعض السلع الرئيسية. ومن الأمثلة على ذلك ما تتوقعه غانا من استمرار نمو الطلب العالمي على الكاكاو، وما تفترضه باكستان من زيادة متواصلة في الطلب على الجوت، إلى جانب سعي بورما لرفع صادراتها من الأرز بنحو 40 % بعد انتهاء خطتها الرباعية. كما تعمل دول مثل مصر والهند وباكستان والفلبين على تعزيز صادراتها من خلال تنويع المنتجات، حيث تتجه مصر على سبيل المثال إلى تقليص صادرات القطن الخام مقابل زيادة صادرات المنسوجات القطنية.
وتُظهر دراسات مشروعات التنمية اعتماد عدد كبير من الدول النامية على توسيع التصنيع المحلي بوصفه أداة رئيسية لتنويع الصادرات، في محاولة للتحرر من تبعات الاعتماد على تصدير المواد الأولية التي تهيمن الدول الصناعية الكبرى على أسواقها. وتبرز التجربة المصرية في هذا المجال، مع توقعات بارتفاع حصة السلع المصنعة، بما فيها المنسوجات والمنتجات الكيماوية، إلى نحو 31 % من إجمالي الصادرات، مقارنة بنحو 21 % في الوقت الراهن، بما يعكس تحولاً تدريجياً في هيكل الصادرات نحو قيمة مضافة أعلى.