رهان التهدئة.. يسحب النفط من قممه الملتهبة
تراجعت أسعار النفط بقوة، الأربعاء، مع عودة رهانات التهدئة السياسية إلى الواجهة، بعدما غذّت تقارير عن تحرك أمريكي نحو صياغة خطة لإنهاء الحرب مع إيران توقعات السوق بإمكانية التوصل إلى وقف إطلاق نار يخفف من اضطرابات الإمدادات في واحدة من أكثر مناطق إنتاج الطاقة حساسية في العالم.
هبوط حاد
انخفضت العقود الآجلة لخام برنت بمقدار 6.21 دولار أو ما يعادل 5.9% لتصل إلى 98.28 دولاراً للبرميل، فيما تراجعت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأمريكي بمقدار 4.67 دولار أو 5.1% إلى 87.68 دولاراً للبرميل. ويعكس هذا التراجع الحاد انتقال السوق من مرحلة تسعير الخطر الجيوسياسي إلى مرحلة إعادة تقييم سريعة لاحتمالات الانفراج.
وجاء هذا الانخفاض بعد جلسات اتسمت بتقلبات حادة، حيث أصبحت الأسعار أكثر حساسية لأي تسريبات أو تصريحات سياسية تتعلق بمسار الحرب أو فرص احتوائها. وفي مثل هذه البيئات، تتحرك أسعار النفط بعنف بين علاوة الخطر ورهان التهدئة، وهو ما يفسر التراجع السريع بعد موجات الصعود السابقة.
تقلب واسع
وكان الخامان قد سجلا، الثلاثاء، مكاسب قاربت 5%، قبل أن تبدأ هذه المكاسب في التآكل خلال تداولات متقلبة بعد الإغلاق، ما يعكس هشاشة التوازن الحالي في السوق. فالمتعاملون ما زالوا يتعاملون مع النفط على أساس أنه سوق خبر أولاً، حيث يمكن لأي تطور دبلوماسي أو عسكري أن يعيد تسعير البرميل خلال ساعات.
وتشير هذه الحركة إلى أن جزءاً من الارتفاعات الأخيرة كان مدفوعاً بالمخاوف اللحظية أكثر من كونه انعكاساً لتحول دائم في أساسيات العرض والطلب. ومع بروز بوادر تهدئة، سارعت السوق إلى تصفية جزء من تلك المراكز المرتفعة.
خطة تفاوض
وجاءت الضغوط البيعية بعد تقارير أفادت بأن الولايات المتحدة أرسلت إلى إيران خطة من 15 نقطة لإنهاء الحرب، في وقت قال فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن واشنطن تحقق تقدماً في جهودها الرامية إلى التفاوض على إنهاء الصراع. كما ذكرت وسائل إعلام إسرائيلية أن واشنطن تسعى إلى وقف إطلاق نار لمدة شهر لبحث الخطة المطروحة.
وتشمل هذه الخطة، بحسب التقارير، ملفات شديدة الحساسية مثل البرنامج النووي الإيراني، ووقف دعم الجماعات المتحالفة مع طهران، وإعادة فتح مضيق هرمز بصورة طبيعية. وبالنسبة للسوق، فإن مجرد طرح إطار تفاوضي بهذا الحجم كان كافياً لخفض جزء من علاوة الخطر التي رفعت الأسعار خلال الأيام الماضية.
جني أرباح
وقال هيرويوكي كيكوكاوا، كبير المحللين لدى نيسان سكيوريتيز إنفيستمنت، إن توقعات وقف إطلاق النار ارتفعت بشكل طفيف، وإن عمليات جني الأرباح تقود السوق حالياً. وهذا التوصيف يبدو منطقياً في ظل الصعود السريع الذي سبق التراجع، حيث سعى المستثمرون إلى تأمين مكاسبهم مع أول إشارة إلى احتمال تهدئة.
ومع ذلك، أشار كيكوكاوا إلى أن نجاح المفاوضات لا يزال غير مؤكد، وهو ما يحد من وتيرة البيع ويمنع الأسعار من الانزلاق إلى تراجعات أعمق. فالسوق، رغم ارتياحها النسبي، لا تزال تدرك أن أي تعثر سياسي أو عودة للتصعيد قد يعيدان الأسعار سريعاً إلى مسار صاعد.
خطر هرمز
ولا يزال مضيق هرمز يمثل العامل الأكثر حساسية في معادلة التسعير الحالية، نظراً إلى كونه شرياناً رئيسياً لتدفقات النفط العالمية. وقد أظهرت مذكرة اطّلعت عليها رويترز أن إيران أبلغت مجلس الأمن الدولي والمنظمة البحرية الدولية بإمكانية عبور «السفن غير المعادية» للمضيق شريطة التنسيق مع السلطات الإيرانية. وهذا التطور، رغم كونه أقل حدة من سيناريو الإغلاق الكامل، أبقى السوق في حالة تأهب مرتفعة.
وأي اضطراب في هذا الممر البحري الحيوي من شأنه أن يعيد رسم خريطة الإمدادات العالمية، لا سيما بالنسبة لأسواق آسيا وأوروبا. ولهذا السبب، لا تزال أسعار النفط تحمل علاوة جيوسياسية كامنة حتى في لحظات التراجع.
تفاؤل مفرط
وفي قراءة أكثر تحفظاً، قال الدكتور أنس الحجي، مستشار التحرير في منصة الطاقة المتخصصة، إن هناك تفاؤلاً مفرطاً حيال التهدئة المرتقبة، مشيراً إلى أن خامي برنت وغرب تكساس لا يعكسان كامل صورة السوق، في وقت صعد فيه خام عمان إلى مستويات أعلى بكثير خلال ذروة التوترات.
وأضاف أن أسعار الطاقة في الولايات المتحدة ما زالت الأقل نسبياً مقارنة ببعض الأسواق الأخرى، بينما تشهد بعض المناطق تشوهات حادة في التسعير، سواء في النفط أو الغاز. وتسلط هذه الرؤية الضوء على حقيقة أن السوق لا تتحرك فقط وفق السعر المرجعي، بل وفق الفروقات الإقليمية وكلفة المخاطر والتمويل والشحن.
أثر ممتد
ولا تقف تداعيات الأزمة الحالية عند النفط وحده، إذ امتدت آثارها إلى الغاز الطبيعي، والشحن، والطيران، وسلاسل التوريد، بما يعكس اتساع أثر التوترات على الاقتصاد العالمي. فكل ارتفاع كبير ومطوّل في أسعار الطاقة ينعكس على تكاليف النقل والإنتاج والتضخم، وهو ما يضع ضغوطاً مباشرة على النمو العالمي.
وفي هذا السياق، حذر لاري فينك، الرئيس التنفيذي لشركة بلاك روك، من أن صعود النفط إلى 150 دولاراً للبرميل قد يدفع الاقتصاد العالمي إلى الركود، إذا استمرت الأسعار المرتفعة لفترة طويلة. واعتبر أن السيناريو الأسوأ يتمثل في بقاء النفط فوق 100 دولار واقترابه من 150 دولاراً لعدة سنوات، ما من شأنه أن يلقي بظلال ثقيلة على مستويات المعيشة والنمو العالمي.
تحول استراتيجي
وفي الأفق الأبعد، بدأت بعض المؤسسات المالية تطرح أسئلة أكبر من مجرد سعر البرميل، لتشمل هيكل تجارة النفط العالمية نفسها. فقد رأى دويتشه بنك أن الحرب الحالية قد تضع الدور المحوري للدولار في تجارة النفط تحت اختبار حقيقي، مع تنامي الحديث عن توسع استخدام اليوان الصيني في تسوية بعض المعاملات النفطية، خاصة في ظل تقارير عن ترتيبات مرتبطة بالنفط الإيراني.
ورغم أن هذا السيناريو لا يزال بعيداً عن التحول الفوري، فإنه يكشف أن التوترات الجيوسياسية لا تؤثر فقط في الأسعار اللحظية، بل قد تُسرّع أيضاً تحولات استراتيجية في خريطة الطاقة والتمويل العالميين. وفي المحصلة، فإن تراجع النفط، الأربعاء، يعكس تنفساً سياسياً مؤقتاً أكثر مما يعكس زوال الخطر بالكامل، ما يعني أن السوق ستبقى أسيرة أي تقدم أو انتكاسة في مسار التهدئة خلال الأيام المقبلة.