روسيا والغاز الأوروبي: من الريادة في السوق إلى تقلبات الإمدادات بعد الأزمة
على أساس السوق الحر، نجحت شركة Gazprom في زيادة صادراتها من الغاز إلى أوروبا عبر خطوط الأنابيب، حيث ارتفعت الصادرات من 133 مليار متر مكعب في عام 2000 لتصل إلى أعلى مستوياتها خلال الفترة 2018–2019، بواقع 190–195 مليار متر مكعب. إلا أن هذه الصادرات تراجعت لاحقًا إلى نحو 169 مليار متر مكعب في عام 2021 نتيجة تداعيات جائحة كورونا.
وخلال العقدين الماضيين، ومع نجاح استراتيجية التسويق التي تبنتها Gazprom، ارتفع عدد الدول الأوروبية المستقبلة للغاز الروسي إلى أكثر من 25 دولة، تشمل غالبية دول الاتحاد الأوروبي مثل ألمانيا وإيطاليا وفرنسا، بالإضافة إلى دول البلقان وتركيا.
وفي المقابل، شهدت صادرات روسيا من الغاز الطبيعي المسال إلى أوروبا (الاتحاد الأوروبي، تركيا، وبريطانيا) زيادة ملحوظة منذ بدء تشغيل محطة Yamal LNG، رغم محدودية الكميات مقارنة بصادراتها عبر خطوط الأنابيب، حيث ارتفعت من 0.2 مليار متر مكعب في عام 2017 لتصل إلى 17.48 مليار متر مكعب عام 2021.
وقد تصدرت فرنسا قائمة الأسواق الأوروبية المستوردة للغاز الطبيعي المسال الروسي خلال الفترة 2017–2021، بفضل عقود طويلة الأمد أبرمتها TotalEnergies لشراء نحو 2.5 مليون طن سنويًا من مشروع Yamal LNG. كما برزت هولندا وإسبانيا وبريطانيا وبلجيكا كوجهات رئيسية، حيث شكّلت مجتمعة نحو 90٪ من واردات الغاز المسال الروسي خلال تلك الفترة. وتجدر الإشارة إلى أن مشروع Yamal LNG ساهم في وصول الغاز الروسي إلى أسواق أوروبية جديدة، لم تصل إليها خطوط الأنابيب من قبل، مثل السويد والبرتغال، إضافة إلى إسبانيا التي أصبحت من أكبر مستوردي الغاز المسال الروسي.
وبشكل إجمالي، بلغ مجموع صادرات روسيا من الغاز عبر خطوط الأنابيب والغاز الطبيعي المسال أكثر من 200 مليار متر مكعب عام 2018، وتجاوز 210 مليارات متر مكعب عام 2019، قبل أن يتراجع إلى نحو 186 مليار متر مكعب عام 2021، بسبب تأثيرات جائحة كورونا على الاقتصاد الأوروبي. خلال تلك الفترة، كانت روسيا تساهم بحوالي %40 من إجمالي الطلب الأوروبي على الغاز، مما يعكس نجاحها في تسويق إنتاجها ضمن قواعد السوق الأوروبية والدور المحوري الذي كانت تلعبه في منظومة الغاز الأوروبية قبل اندلاع الأزمة الروسية–الأوكرانية في أوائل عام 2022.
وبالنظر إلى سوق الاتحاد الأوروبي (EU27) قبل اندلاع الأزمة الروسية–الأوكرانية، بلغت صادرات روسيا من الغاز عبر خطوط الأنابيب والغاز الطبيعي المسال نحو 155 مليار متر مكعب عام 2021، وفق بيانات المفوضية الأوروبية لعام 2022، ما منح روسيا حصة سوقية بلغت %45.3 من إجمالي واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز. وخلال تلك الفترة، احتلت روسيا المرتبة الأولى بين مصدري الغاز للسوق الأوروبي، تلتها النرويج بحصة %23.6، ثم الجزائر بنسبة %12.6، في حين لم تتجاوز حصة الولايات المتحدة، المعتمدة على تصدير الغاز المسال، %6.6، وقطر نحو %4.9.
درجة اعتماد الأسواق الأوروبية
على الغاز الروسي
تباينت درجة اعتماد الدول الأوروبية على الغاز الروسي بحسب الإنتاج المحلي والقدرة على الوصول إلى مصادر أخرى مثل الغاز الطبيعي المسال. وبحسب بيانات 2021، يمكن تصنيف الدول إلى ثلاث مجموعات:
المجموعة الأولى: الدول التي تعتمد بنسبة %100 على الغاز الروسي لتلبية احتياجاتها المحلية، وتشمل مقدونيا الشمالية، النمسا، البوسنة والهرسك، سلوفينيا، إستونيا، فنلندا، لاتفيا، والمجر.
المجموعة الثانية: الدول التي تجاوز اعتمادها على الغاز الروسي %50 من إجمالي استهلاكها، وتشمل اليونان، ألمانيا، ليتوانيا، بولندا، صربيا، سلوفاكيا، والتشيك.
المجموعة الثالثة: الدول الأقل اعتماداً على الغاز الروسي بنسبة أقل من %25، وتشمل بريطانيا، سويسرا، البرتغال، رومانيا، وإسبانيا، حيث كانت الأخيرة تعتمد على الغاز المسال الروسي بنسبة %13 فقط.
من حيث الحجم، تعتبر ألمانيا أكبر سوق للغاز الروسي في أوروبا، خاصة بعد تشغيل خط أنابيب نورد ستريم، حيث استقبلت ألمانيا نحو 41.4 مليار متر مكعب عام 2021. وجاءت تركيا ثانية بإجمالي 25.1 مليار متر مكعب، تلتها إيطاليا بـ 23 مليار متر مكعب، هولندا بـ 13 مليار متر مكعب، وفرنسا بـ 10.5 مليار متر مكعب. تعكس هذه الأرقام الدور الكبير الذي كان يلعبه الغاز الروسي في منظومة الغاز الأوروبية ومدى اعتماد العديد من الأسواق عليه قبل أزمة فبراير 2022.
الإجراءات المتعلقة بإمدادات
الغاز الروسي
مع اندلاع الأزمة، بادرت روسيا بسلسلة إجراءات للحد من إمدادات الغاز لأوروبا. ففي مارس 2022، أعلن الكرملين قائمة بعنوان «الدول غير الصديقة» شملت جميع دول الاتحاد الأوروبي، المملكة المتحدة، سويسرا، ومقدونيا الشمالية، مع إلزام هذه الدول بدفع قيمة مشتريات الغاز بالروبل الروسي وإيداعها في حساب Gazprombank، بدءاً من 1 أبريل 2022، مع تهديد بوقف الإمدادات في حال عدم الالتزام.
رفضت بعض الشركات الأوروبية هذا الشرط باعتباره مخالفاً لعقودها القائمة، لكن بعض الشركات التزمت به في نهاية المطاف، بينما استمر البعض الآخر، في هولندا وفنلندا والدنمارك ولاتفيا وبولندا، في موقف الرفض.
في مايو 2022، اتخذت روسيا خطوة إضافية بإصدار مرسوم رئاسي لإيقاف التعاون مع شركة EuropolGas المالكة للجزء البولندي من خط «يامال–أوروبا»، ما أدى إلى توقف نقل نحو 33 مليار متر مكعب سنويًا إلى أوروبا. من جانبها، أنهت وزارة الطاقة البولندية الاتفاقية المشتركة مع روسيا نتيجة عدم التزام الجانب الروسي بضخ الغاز عبر الخط.