تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سر‭ ‬الهيمنة‭ ‬النفطية‭.. ‬كيف‭ ‬صنع‭ ‬الجيولوجيا‭ ‬قوة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط؟

سر‭ ‬الهيمنة‭ ‬النفطية‭.. ‬كيف‭ ‬صنع‭ ‬الجيولوجيا‭ ‬قوة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط؟

تُعد‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬مناطق‭ ‬العالم‭ ‬أهمية‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬الطاقة‭ ‬العالمي،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬بسبب‭ ‬حجم‭ ‬إنتاجها‭ ‬النفطي،‭ ‬بل‭ ‬بسبب‭ ‬طبيعة‭ ‬تكوينها‭ ‬الجيولوجي‭ ‬الفريد‭ ‬الذي‭ ‬منحها‭ ‬ميزة‭ ‬استثنائية‭ ‬لم‭ ‬تتكرر‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬منطقة‭ ‬أخرى‭ ‬على‭ ‬كوكب‭ ‬الأرض‭. ‬فرغم‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬المنطقة‭ ‬لا‭ ‬تمثل‭ ‬سوى‭ ‬نحو‭ ‬3‭.‬4‭ % ‬من‭ ‬مساحة‭ ‬اليابسة‭ ‬عالمياً،‭ ‬فإنها‭ ‬تحتضن‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬48‭ % ‬من‭ ‬احتياطيات‭ ‬النفط‭ ‬المؤكدة‭ ‬و38‭ % ‬من‭ ‬احتياطيات‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي،‭ ‬وفقًا‭ ‬لتقديرات‭ ‬تقرير‭ ‬BP،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬اختلالاً‭ ‬جغرافياً‭ ‬واضحاً‭ ‬في‭ ‬توزيع‭ ‬الثروات‭ ‬الهيدروكربونية‭ ‬لصالح‭ ‬هذه‭ ‬المنطقة‭.‬

تركيز‭ ‬جغرافي‭ ‬فريد

تمتد‭ ‬هذه‭ ‬الثروة‭ ‬عبر‭ ‬عشر‭ ‬دول‭ ‬رئيسية‭ ‬تشمل‭ ‬السعودية،‭ ‬والإمارات،‭ ‬والكويت،‭ ‬والعراق،‭ ‬وقطر،‭ ‬وعُمان،‭ ‬والبحرين،‭ ‬واليمن،‭ ‬وسوريا،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬إيران،‭ ‬وهي‭ ‬دول‭ ‬تشكل‭ ‬مجتمعة‭ ‬القلب‭ ‬النابض‭ ‬لإمدادات‭ ‬الطاقة‭ ‬العالمية‭. ‬ويُعد‭ ‬هذا‭ ‬التركيز‭ ‬الكبير‭ ‬للموارد‭ ‬ظاهرة‭ ‬استثنائية،‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬تنجح‭ ‬أي‭ ‬منطقة‭ ‬أخرى،‭ ‬رغم‭ ‬عقود‭ ‬طويلة‭ ‬من‭ ‬عمليات‭ ‬الاستكشاف‭ ‬والتطوير،‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬مستوى‭ ‬مماثل‭ ‬من‭ ‬كثافة‭ ‬الاحتياطيات‭ ‬أو‭ ‬حجمها‭.‬
ويعكس‭ ‬هذا‭ ‬التركز‭ ‬أن‭ ‬توزيع‭ ‬النفط‭ ‬والغاز‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬ليس‭ ‬عشوائيًا،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬نتيجة‭ ‬ظروف‭ ‬جيولوجية‭ ‬محددة‭ ‬ومعقدة،‭ ‬توافرت‭ ‬بشكل‭ ‬شبه‭ ‬مثالي‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬دون‭ ‬غيره‭.‬

طبيعة‭ ‬النفط‭ ‬وتكوينه

النفط‭ ‬الخام‭ ‬هو‭ ‬وقود‭ ‬أحفوري‭ ‬يتكون‭ ‬من‭ ‬بقايا‭ ‬كائنات‭ ‬حية‭ ‬دقيقة،‭ ‬مثل‭ ‬العوالق‭ ‬البحرية‭ ‬والطحالب،‭ ‬التي‭ ‬عاشت‭ ‬قبل‭ ‬ملايين‭ ‬السنين‭ ‬ثم‭ ‬تحللت‭ ‬وترسبت‭ ‬في‭ ‬قيعان‭ ‬البحار‭. ‬ومع‭ ‬مرور‭ ‬الزمن،‭ ‬تتحول‭ ‬هذه‭ ‬البقايا‭ ‬إلى‭ ‬خليط‭ ‬هيدروكربوني‭ ‬معقد،‭ ‬يتوزع‭ ‬بشكل‭ ‬غير‭ ‬متساوٍ‭ ‬حول‭ ‬العالم‭.‬
لكن‭ ‬ما‭ ‬يميز‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬معظم‭ ‬هذه‭ ‬العمليات‭ ‬الجيولوجية‭ ‬حدثت‭ ‬فيه‭ ‬بكثافة‭ ‬استثنائية،‭ ‬ما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬تكوين‭ ‬كميات‭ ‬ضخمة‭ ‬من‭ ‬المواد‭ ‬العضوية‭ ‬القابلة‭ ‬للتحول‭ ‬إلى‭ ‬نفط‭ ‬وغاز،‭ ‬ثم‭ ‬احتجازها‭ ‬في‭ ‬ظروف‭ ‬مثالية‭ ‬سمحت‭ ‬بتراكمها‭ ‬بكميات‭ ‬تجارية‭ ‬هائلة‭.‬

الشروط‭ ‬الأربعة‭ ‬لتكوين‭ ‬الحقول

يتطلب‭ ‬تكوين‭ ‬أي‭ ‬حقل‭ ‬نفطي‭ ‬كبير‭ ‬توافر‭ ‬أربعة‭ ‬شروط‭ ‬جيولوجية‭ ‬أساسية،‭ ‬تبدأ‭ ‬بوجود‭ ‬مصدر‭ ‬غني‭ ‬بالمواد‭ ‬العضوية،‭ ‬غالبًا‭ ‬من‭ ‬بقايا‭ ‬الكائنات‭ ‬البحرية‭. ‬ثم‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تُدفن‭ ‬هذه‭ ‬المواد‭ ‬بسرعة‭ ‬تحت‭ ‬طبقات‭ ‬من‭ ‬الرواسب،‭ ‬ما‭ ‬يحميها‭ ‬من‭ ‬الأكسدة‭ ‬ويحولها‭ ‬إلى‭ ‬مادة‭ ‬تُعرف‭ ‬باسم‭ ‬‮«‬الكيروجين‮»‬‭.‬
ومع‭ ‬استمرار‭ ‬الدفن،‭ ‬تتعرض‭ ‬هذه‭ ‬المادة‭ ‬لدرجات‭ ‬حرارة‭ ‬وضغوط‭ ‬مرتفعة،‭ ‬ضمن‭ ‬نطاق‭ ‬يتراوح‭ ‬عادة‭ ‬بين‭ ‬60‭ ‬و150‭ ‬درجة‭ ‬مئوية،‭ ‬ما‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تحولها‭ ‬إلى‭ ‬نفط‭ ‬وغاز‭ ‬طبيعي‭ ‬عبر‭ ‬عملية‭ ‬تُعرف‭ ‬بالتحلل‭ ‬الحراري‭.‬
بعد‭ ‬ذلك،‭ ‬تبدأ‭ ‬الهيدروكربونات‭ ‬الناتجة‭ ‬في‭ ‬الهجرة‭ ‬إلى‭ ‬الأعلى‭ ‬بسبب‭ ‬انخفاض‭ ‬كثافتها‭ ‬مقارنة‭ ‬بالصخور‭ ‬المحيطة،‭ ‬لتستقر‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬داخل‭ ‬صخور‭ ‬خزان‭ ‬مسامية‭ ‬ونفاذة،‭ ‬تُغطى‭ ‬بطبقة‭ ‬عازلة‭ ‬تمنع‭ ‬تسربها‭. ‬ويُعد‭ ‬توافر‭ ‬هذه‭ ‬العناصر‭ ‬الأربعة‭ ‬المصدر،‭ ‬والحرارة،‭ ‬والهجرة،‭ ‬والمصيدة‭ ‬شرطًا‭ ‬أساسيًا‭ ‬لوجود‭ ‬حقل‭ ‬نفطي‭ ‬قابل‭ ‬للاستغلال‭.‬

محيط‭ ‬تيثيس‭.. ‬نقطة‭ ‬البداية

تعود‭ ‬جذور‭ ‬هذه‭ ‬الثروة‭ ‬إلى‭ ‬حقبة‭ ‬الحياة‭ ‬الوسطى،‭ ‬عندما‭ ‬كانت‭ ‬المنطقة‭ ‬مغطاة‭ ‬بمحيط‭ ‬واسع‭ ‬يُعرف‭ ‬باسم‭ ‬‮«‬نيو‭-‬تيثيس‮»‬‭. ‬وقد‭ ‬وفر‭ ‬هذا‭ ‬البحر‭ ‬الضحل‭ ‬بيئة‭ ‬مثالية‭ ‬لازدهار‭ ‬الحياة‭ ‬البحرية،‭ ‬خصوصاً‭ ‬العوالق‭ ‬التي‭ ‬شكلت‭ ‬لاحقاً‭ ‬المصدر‭ ‬الأساسي‭ ‬للمواد‭ ‬العضوية‭.‬
وخلال‭ ‬فترات‭ ‬معينة،‭ ‬شهد‭ ‬هذا‭ ‬المحيط‭ ‬انخفاضًا‭ ‬في‭ ‬دوران‭ ‬المياه،‭ ‬ما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬تكوين‭ ‬بيئات‭ ‬فقيرة‭ ‬بالأكسجين،‭ ‬ساعدت‭ ‬على‭ ‬حفظ‭ ‬كميات‭ ‬هائلة‭ ‬من‭ ‬المواد‭ ‬العضوية‭ ‬دون‭ ‬تحلل‭. ‬ومع‭ ‬مرور‭ ‬ملايين‭ ‬السنين،‭ ‬تراكمت‭ ‬هذه‭ ‬المواد‭ ‬لتشكل‭ ‬صخوراً‭ ‬مصدرية‭ ‬غنية‭ ‬على‭ ‬نطاق‭ ‬واسع،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬وضع‭ ‬الأساس‭ ‬الأول‭ ‬لتكوين‭ ‬احتياطيات‭ ‬النفط‭ ‬الهائلة‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭.‬

الصفائح‭ ‬التكتونية‭ ‬وبناء‭ ‬المصائد

لم‭ ‬تكتمل‭ ‬الصورة‭ ‬إلا‭ ‬مع‭ ‬التحركات‭ ‬التكتونية‭ ‬الكبرى،‭ ‬حيث‭ ‬أدى‭ ‬اصطدام‭ ‬الصفيحة‭ ‬العربية‭ ‬بالصفيحة‭ ‬الأوراسية‭ ‬إلى‭ ‬طي‭ ‬ورفع‭ ‬الطبقات‭ ‬الرسوبية،‭ ‬مكونًا‭ ‬هياكل‭ ‬جيولوجية‭ ‬ضخمة‭ ‬تُعرف‭ ‬بالطيات‭ ‬المحدبة‭. ‬وتُعد‭ ‬هذه‭ ‬الهياكل‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬المصائد‭ ‬الطبيعية‭ ‬التي‭ ‬تحتجز‭ ‬النفط‭ ‬وتمنع‭ ‬تسربه‭ ‬إلى‭ ‬السطح‭.‬
ويُعتبر‭ ‬حزام‭ ‬زاغروس‭ ‬الممتد‭ ‬عبر‭ ‬إيران‭ ‬والعراق‭ ‬مثالاً‭ ‬بارزاً‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة،‭ ‬حيث‭ ‬يحتوي‭ ‬على‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬المصائد‭ ‬العملاقة‭ ‬التي‭ ‬ساهمت‭ ‬في‭ ‬تكوين‭ ‬بعض‭ ‬أكبر‭ ‬الحقول‭ ‬النفطية‭ ‬في‭ ‬العالم‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬وجود‭ ‬طبقات‭ ‬سميكة‭ ‬من‭ ‬الصخور‭ ‬غير‭ ‬النفاذة،‭ ‬مثل‭ ‬الملح‭ ‬والصخر‭ ‬الزيتي،‭ ‬ساعد‭ ‬على‭ ‬إحكام‭ ‬احتجاز‭ ‬هذه‭ ‬الموارد‭ ‬داخل‭ ‬باطن‭ ‬الأرض‭.‬

ميزة‭ ‬الاستخراج‭ ‬السهل

لا‭ ‬تقتصر‭ ‬أهمية‭ ‬نفط‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬على‭ ‬حجمه‭ ‬الكبير‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬تمتد‭ ‬أيضاً‭ ‬إلى‭ ‬سهولة‭ ‬استخراجه‭. ‬فغالباً‭ ‬ما‭ ‬يوجد‭ ‬النفط‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المنطقة‭ ‬داخل‭ ‬صخور‭ ‬كربوناتية‭ ‬عالية‭ ‬المسامية‭ ‬والنفاذية،‭ ‬ما‭ ‬يسمح‭ ‬له‭ ‬بالتدفق‭ ‬بسهولة‭ ‬إلى‭ ‬الآبار‭.‬
وتشير‭ ‬التقديرات‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬البئر‭ ‬الواحدة‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تنتج‭ ‬ما‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬15‭ ‬ضعف‭ ‬إنتاج‭ ‬بئر‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬أخرى،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬الكفاءة‭ ‬العالية‭ ‬للإنتاج‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬وجود‭ ‬هذه‭ ‬الحقول‭ ‬على‭ ‬أعماق‭ ‬ضحلة‭ ‬نسبيًا‭ ‬يقلل‭ ‬من‭ ‬تكاليف‭ ‬الحفر‭ ‬والتطوير،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬تكلفة‭ ‬استخراج‭ ‬النفط‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬الأدنى‭ ‬عالميًا‭.‬

تفوق‭ ‬اقتصادي‭ ‬وهيكلي

هذا‭ ‬المزيج‭ ‬من‭ ‬الحجم‭ ‬الكبير،‭ ‬وسهولة‭ ‬التدفق،‭ ‬وانخفاض‭ ‬التكاليف،‭ ‬يمنح‭ ‬نفط‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬ميزة‭ ‬تنافسية‭ ‬قوية‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية،‭ ‬حيث‭ ‬يبقى‭ ‬الأكثر‭ ‬جدوى‭ ‬اقتصادية‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬فترات‭ ‬انخفاض‭ ‬الأسعار‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الخصائص‭ ‬تجعل‭ ‬المنطقة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬دورها‭ ‬المحوري‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬الطاقة،‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬التحولات‭ ‬العالمية‭ ‬نحو‭ ‬مصادر‭ ‬الطاقة‭ ‬البديلة‭.‬

رجوع لأعلى