سوق الشركات الناشئة… محاولة لوقف نزيف الشطب
شهدت بورصة الكويت، على مدى أربعة عشر عاماً، تحوّلاً لافتاً في خريطة الشركات المدرجة، اتسم بتفوق واضح لحركة الشطب والانسحاب مقابل وتيرة محدودة للإدراجات الجديدة، ما أفرز فجوة كبيرة بين ما فقده السوق وما أُضيف إليه.
وخلال الفترة من 2012 وحتى 2025، تم شطب وإلغاء إدراج 92 شركة، في مقابل إدراج 12 شركة فقط، بما يعني أن السوق خسر نحو 8 شركات مقابل كل شركة جديدة، وهي معادلة تطرح تساؤلات جوهرية حول استدامة نمو قاعدة الشركات المدرجة، وقدرة السوق على تجديد نفسه.
ويأتي ذلك في وقت يبلغ فيه عدد الشركات المدرجة حالياً نحو 140 شركة فقط، ما يعكس أن الشطب لم يكن ظاهرة هامشية أو عابرة، بل مساراً مؤثراً يستدعي قراءة أعمق لأسبابه وتداعياته.
بداية موجة الشطب
انطلقت وتيرة إلغاء الإدراج في عام 2012، الذي شهد مغادرة 5 شركات دفعة واحدة، بينها أربع شركات تم شطبها في يوم واحد خلال يوليو، إضافة إلى انسحاب اختياري لاحق بسبب ارتفاع تكاليف الإدراج وضعف السيولة.
وتواصلت عمليات الشطب خلال السنوات التالية بوتيرة متفاوتة؛ حيث تم شطب 4 شركات في 2013، و5 شركات في 2014، و4 شركات في 2015، قبل أن تتسارع الوتيرة في 2016 بشطب 8 شركات.
وسجل عام 2017 الذروة التاريخية لعمليات الشطب، مع خروج 19 شركة دفعة واحدة، ثم تباطأت الوتيرة نسبياً في الأعوام اللاحقة، مع شطب 3 شركات في 2018، وشركة واحدة في 2019.
وخلال فترة جائحة كورونا وما بعدها، شهدت البورصة شطب 6 شركات في 2020، و7 شركات في 2021، و13 شركة في 2022، ثم 6 شركات في 2023، و7 شركات في 2024، وصولاً إلى شطب أربع شركات خلال عام 2025.
إدراجات محدودة
في المقابل، لم تشهد بورصة الكويت نشاطاً موازياً على صعيد الإدراجات، إذ اقتصر عدد الشركات المدرجة حديثاً على 12 شركة فقط خلال الفترة ذاتها.
وبدأت الإدراجات المتقطعة في عام 2013، تلتها إدراجات متفرقة في الأعوام التالية، شملت شركات من قطاعات متنوعة، من بينها البنوك، والاتصالات، والطاقة، والخدمات اللوجستية، إضافة إلى إعادة إدراج شركة واحدة بعد شطبها سابقاً.
ومع إدراج آخر وافدي السوق خلال العام الحالي، استقر عدد الشركات المدرجة عند 140 شركة، وهو مستوى يعكس محدودية التوسع مقارنة بحجم الشطب المسجل.
أسباب الشطب
وتشير البيانات إلى تنوع أسباب إلغاء الإدراج، حيث شكّل الانسحاب الاختياري نحو 50% من إجمالي الشركات المشطوبة، نتيجة عوامل أبرزها ارتفاع تكاليف الإدراج، وضعف السيولة، ومتطلبات الامتثال التنظيمي.
كما تم شطب عدد من الشركات لعدم استيفاء متطلبات الجهات الرقابية، أو بسبب الاندماج والاستحواذ، أو تراكم الخسائر وعدم القدرة على إطفائها، إلى جانب حالات محدودة لعدم سداد الرسوم السنوية أو الشك في القدرة على الاستمرار.
تنظيم أم جدوى؟
ويعكس الجدل الدائر حول أسباب الشطب تبايناً في الرؤى؛ بين من يرى أن تشدد المتطلبات وارتفاع التكلفة يدفع بعض الشركات، خصوصاً الصغيرة، إلى الخروج من السوق، ومن يعتبر أن العوامل الاقتصادية وضعف الربحية تلعب الدور الأكبر في انسحاب الشركات.
في المقابل، تبرز قناعة متزايدة بأن الإدراج لا يزال خياراً صعباً لبعض الشركات العائلية، التي تتحفظ على فقدان السيطرة، ولا تلجأ إلى السوق إلا إذا رأت فائدة استراتيجية طويلة الأجل.
بوادر تغيير
وخلال الفترة الأخيرة، بدأت تظهر مؤشرات على تحسن شهية بعض الشركات للإدراج، مدفوعة بعودة النشاط القوي لبورصة الكويت، والمستويات القياسية التي حققتها المؤشرات خلال عام 2025.
كما جرى إطلاق سوق الشركات الناشئة بمتطلبات رقابية أخف، في خطوة تستهدف تقليل التكلفة، وتشجيع الشركات الصغيرة على دخول سوق المال، وتوسيع قاعدة المستثمرين.
وتبرز أيضاً دعوات للتوجه نحو طرح شركات حكومية ذات إيرادات مستقرة، بما يعزز عمق السوق ويزيد جاذبيته، ويخلق توازناً بين وتيرة الإدراج والشطب.
خلاصة المشهد
ورغم الزخم الإيجابي الذي تشهده بورصة الكويت، فإن أرقام الشطب خلال 14 عاماً تظل مؤشراً على تحدٍ هيكلي يتطلب معالجة متوازنة، لا تقتصر على زيادة عدد الإدراجات فقط، بل تمتد إلى دعم الشركات المدرجة، وتحسين بيئة السيولة، وتقليل دوافع الخروج من السوق.