تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سوق‭ ‬الشركات‭ ‬الناشئة‮…‬‭ ‬محاولة‭ ‬لوقف‭ ‬نزيف‭ ‬الشطب

سوق‭ ‬الشركات‭ ‬الناشئة‮…‬‭ ‬محاولة‭ ‬لوقف‭ ‬نزيف‭ ‬الشطب

شهدت‭ ‬بورصة‭ ‬الكويت،‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬أربعة‭ ‬عشر‭ ‬عاماً،‭ ‬تحوّلاً‭ ‬لافتاً‭ ‬في‭ ‬خريطة‭ ‬الشركات‭ ‬المدرجة،‭ ‬اتسم‭ ‬بتفوق‭ ‬واضح‭ ‬لحركة‭ ‬الشطب‭ ‬والانسحاب‭ ‬مقابل‭ ‬وتيرة‭ ‬محدودة‭ ‬للإدراجات‭ ‬الجديدة،‭ ‬ما‭ ‬أفرز‭ ‬فجوة‭ ‬كبيرة‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬فقده‭ ‬السوق‭ ‬وما‭ ‬أُضيف‭ ‬إليه‭.‬
وخلال‭ ‬الفترة‭ ‬من‭ ‬2012‭ ‬وحتى‭ ‬2025،‭ ‬تم‭ ‬شطب‭ ‬وإلغاء‭ ‬إدراج‭ ‬92‭ ‬شركة،‭ ‬في‭ ‬مقابل‭ ‬إدراج‭ ‬12‭ ‬شركة‭ ‬فقط،‭ ‬بما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬السوق‭ ‬خسر‭ ‬نحو‭ ‬8‭ ‬شركات‭ ‬مقابل‭ ‬كل‭ ‬شركة‭ ‬جديدة،‭ ‬وهي‭ ‬معادلة‭ ‬تطرح‭ ‬تساؤلات‭ ‬جوهرية‭ ‬حول‭ ‬استدامة‭ ‬نمو‭ ‬قاعدة‭ ‬الشركات‭ ‬المدرجة،‭ ‬وقدرة‭ ‬السوق‭ ‬على‭ ‬تجديد‭ ‬نفسه‭.‬
ويأتي‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬يبلغ‭ ‬فيه‭ ‬عدد‭ ‬الشركات‭ ‬المدرجة‭ ‬حالياً‭ ‬نحو‭ ‬140‭ ‬شركة‭ ‬فقط،‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬أن‭ ‬الشطب‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬ظاهرة‭ ‬هامشية‭ ‬أو‭ ‬عابرة،‭ ‬بل‭ ‬مساراً‭ ‬مؤثراً‭ ‬يستدعي‭ ‬قراءة‭ ‬أعمق‭ ‬لأسبابه‭ ‬وتداعياته‭.‬

بداية‭ ‬موجة‭ ‬الشطب

انطلقت‭ ‬وتيرة‭ ‬إلغاء‭ ‬الإدراج‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2012،‭ ‬الذي‭ ‬شهد‭ ‬مغادرة‭ ‬5‭ ‬شركات‭ ‬دفعة‭ ‬واحدة،‭ ‬بينها‭ ‬أربع‭ ‬شركات‭ ‬تم‭ ‬شطبها‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬واحد‭ ‬خلال‭ ‬يوليو،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬انسحاب‭ ‬اختياري‭ ‬لاحق‭ ‬بسبب‭ ‬ارتفاع‭ ‬تكاليف‭ ‬الإدراج‭ ‬وضعف‭ ‬السيولة‭.‬
وتواصلت‭ ‬عمليات‭ ‬الشطب‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬التالية‭ ‬بوتيرة‭ ‬متفاوتة؛‭ ‬حيث‭ ‬تم‭ ‬شطب‭ ‬4‭ ‬شركات‭ ‬في‭ ‬2013،‭ ‬و5‭ ‬شركات‭ ‬في‭ ‬2014،‭ ‬و4‭ ‬شركات‭ ‬في‭ ‬2015،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تتسارع‭ ‬الوتيرة‭ ‬في‭ ‬2016‭ ‬بشطب‭ ‬8‭ ‬شركات‭.‬
وسجل‭ ‬عام‭ ‬2017‭ ‬الذروة‭ ‬التاريخية‭ ‬لعمليات‭ ‬الشطب،‭ ‬مع‭ ‬خروج‭ ‬19‭ ‬شركة‭ ‬دفعة‭ ‬واحدة،‭ ‬ثم‭ ‬تباطأت‭ ‬الوتيرة‭ ‬نسبياً‭ ‬في‭ ‬الأعوام‭ ‬اللاحقة،‭ ‬مع‭ ‬شطب‭ ‬3‭ ‬شركات‭ ‬في‭ ‬2018،‭ ‬وشركة‭ ‬واحدة‭ ‬في‭ ‬2019‭.‬
وخلال‭ ‬فترة‭ ‬جائحة‭ ‬كورونا‭ ‬وما‭ ‬بعدها،‭ ‬شهدت‭ ‬البورصة‭ ‬شطب‭ ‬6‭ ‬شركات‭ ‬في‭ ‬2020،‭ ‬و7‭ ‬شركات‭ ‬في‭ ‬2021،‭ ‬و13‭ ‬شركة‭ ‬في‭ ‬2022،‭ ‬ثم‭ ‬6‭ ‬شركات‭ ‬في‭ ‬2023،‭ ‬و7‭ ‬شركات‭ ‬في‭ ‬2024،‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬شطب‭ ‬أربع‭ ‬شركات‭ ‬خلال‭ ‬عام‭ ‬2025‭.‬

إدراجات‭ ‬محدودة

في‭ ‬المقابل،‭ ‬لم‭ ‬تشهد‭ ‬بورصة‭ ‬الكويت‭ ‬نشاطاً‭ ‬موازياً‭ ‬على‭ ‬صعيد‭ ‬الإدراجات،‭ ‬إذ‭ ‬اقتصر‭ ‬عدد‭ ‬الشركات‭ ‬المدرجة‭ ‬حديثاً‭ ‬على‭ ‬12‭ ‬شركة‭ ‬فقط‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬ذاتها‭.‬
وبدأت‭ ‬الإدراجات‭ ‬المتقطعة‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2013،‭ ‬تلتها‭ ‬إدراجات‭ ‬متفرقة‭ ‬في‭ ‬الأعوام‭ ‬التالية،‭ ‬شملت‭ ‬شركات‭ ‬من‭ ‬قطاعات‭ ‬متنوعة،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬البنوك،‭ ‬والاتصالات،‭ ‬والطاقة،‭ ‬والخدمات‭ ‬اللوجستية،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬إدراج‭ ‬شركة‭ ‬واحدة‭ ‬بعد‭ ‬شطبها‭ ‬سابقاً‭.‬
ومع‭ ‬إدراج‭ ‬آخر‭ ‬وافدي‭ ‬السوق‭ ‬خلال‭ ‬العام‭ ‬الحالي،‭ ‬استقر‭ ‬عدد‭ ‬الشركات‭ ‬المدرجة‭ ‬عند‭ ‬140‭ ‬شركة،‭ ‬وهو‭ ‬مستوى‭ ‬يعكس‭ ‬محدودية‭ ‬التوسع‭ ‬مقارنة‭ ‬بحجم‭ ‬الشطب‭ ‬المسجل‭.‬

أسباب‭ ‬الشطب

وتشير‭ ‬البيانات‭ ‬إلى‭ ‬تنوع‭ ‬أسباب‭ ‬إلغاء‭ ‬الإدراج،‭ ‬حيث‭ ‬شكّل‭ ‬الانسحاب‭ ‬الاختياري‭ ‬نحو‭ ‬50‭% ‬من‭ ‬إجمالي‭ ‬الشركات‭ ‬المشطوبة،‭ ‬نتيجة‭ ‬عوامل‭ ‬أبرزها‭ ‬ارتفاع‭ ‬تكاليف‭ ‬الإدراج،‭ ‬وضعف‭ ‬السيولة،‭ ‬ومتطلبات‭ ‬الامتثال‭ ‬التنظيمي‭.‬
كما‭ ‬تم‭ ‬شطب‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الشركات‭ ‬لعدم‭ ‬استيفاء‭ ‬متطلبات‭ ‬الجهات‭ ‬الرقابية،‭ ‬أو‭ ‬بسبب‭ ‬الاندماج‭ ‬والاستحواذ،‭ ‬أو‭ ‬تراكم‭ ‬الخسائر‭ ‬وعدم‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬إطفائها،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬حالات‭ ‬محدودة‭ ‬لعدم‭ ‬سداد‭ ‬الرسوم‭ ‬السنوية‭ ‬أو‭ ‬الشك‭ ‬في‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬الاستمرار‭.‬

تنظيم‭ ‬أم‭ ‬جدوى؟

ويعكس‭ ‬الجدل‭ ‬الدائر‭ ‬حول‭ ‬أسباب‭ ‬الشطب‭ ‬تبايناً‭ ‬في‭ ‬الرؤى؛‭ ‬بين‭ ‬من‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬تشدد‭ ‬المتطلبات‭ ‬وارتفاع‭ ‬التكلفة‭ ‬يدفع‭ ‬بعض‭ ‬الشركات،‭ ‬خصوصاً‭ ‬الصغيرة،‭ ‬إلى‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬السوق،‭ ‬ومن‭ ‬يعتبر‭ ‬أن‭ ‬العوامل‭ ‬الاقتصادية‭ ‬وضعف‭ ‬الربحية‭ ‬تلعب‭ ‬الدور‭ ‬الأكبر‭ ‬في‭ ‬انسحاب‭ ‬الشركات‭.‬
في‭ ‬المقابل،‭ ‬تبرز‭ ‬قناعة‭ ‬متزايدة‭ ‬بأن‭ ‬الإدراج‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬خياراً‭ ‬صعباً‭ ‬لبعض‭ ‬الشركات‭ ‬العائلية،‭ ‬التي‭ ‬تتحفظ‭ ‬على‭ ‬فقدان‭ ‬السيطرة،‭ ‬ولا‭ ‬تلجأ‭ ‬إلى‭ ‬السوق‭ ‬إلا‭ ‬إذا‭ ‬رأت‭ ‬فائدة‭ ‬استراتيجية‭ ‬طويلة‭ ‬الأجل‭.‬

بوادر‭ ‬تغيير

وخلال‭ ‬الفترة‭ ‬الأخيرة،‭ ‬بدأت‭ ‬تظهر‭ ‬مؤشرات‭ ‬على‭ ‬تحسن‭ ‬شهية‭ ‬بعض‭ ‬الشركات‭ ‬للإدراج،‭ ‬مدفوعة‭ ‬بعودة‭ ‬النشاط‭ ‬القوي‭ ‬لبورصة‭ ‬الكويت،‭ ‬والمستويات‭ ‬القياسية‭ ‬التي‭ ‬حققتها‭ ‬المؤشرات‭ ‬خلال‭ ‬عام‭ ‬2025‭.‬
كما‭ ‬جرى‭ ‬إطلاق‭ ‬سوق‭ ‬الشركات‭ ‬الناشئة‭ ‬بمتطلبات‭ ‬رقابية‭ ‬أخف،‭ ‬في‭ ‬خطوة‭ ‬تستهدف‭ ‬تقليل‭ ‬التكلفة،‭ ‬وتشجيع‭ ‬الشركات‭ ‬الصغيرة‭ ‬على‭ ‬دخول‭ ‬سوق‭ ‬المال،‭ ‬وتوسيع‭ ‬قاعدة‭ ‬المستثمرين‭.‬
وتبرز‭ ‬أيضاً‭ ‬دعوات‭ ‬للتوجه‭ ‬نحو‭ ‬طرح‭ ‬شركات‭ ‬حكومية‭ ‬ذات‭ ‬إيرادات‭ ‬مستقرة،‭ ‬بما‭ ‬يعزز‭ ‬عمق‭ ‬السوق‭ ‬ويزيد‭ ‬جاذبيته،‭ ‬ويخلق‭ ‬توازناً‭ ‬بين‭ ‬وتيرة‭ ‬الإدراج‭ ‬والشطب‭.‬

خلاصة‭ ‬المشهد

ورغم‭ ‬الزخم‭ ‬الإيجابي‭ ‬الذي‭ ‬تشهده‭ ‬بورصة‭ ‬الكويت،‭ ‬فإن‭ ‬أرقام‭ ‬الشطب‭ ‬خلال‭ ‬14‭ ‬عاماً‭ ‬تظل‭ ‬مؤشراً‭ ‬على‭ ‬تحدٍ‭ ‬هيكلي‭ ‬يتطلب‭ ‬معالجة‭ ‬متوازنة،‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬زيادة‭ ‬عدد‭ ‬الإدراجات‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬دعم‭ ‬الشركات‭ ‬المدرجة،‭ ‬وتحسين‭ ‬بيئة‭ ‬السيولة،‭ ‬وتقليل‭ ‬دوافع‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬السوق‭.‬

رجوع لأعلى