تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شبح‭ ‬الركود‭ ‬التضخمي‭ ‬يعود‭.. ‬والأسواق‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬ملاذات‭ ‬دفاعية

شبح‭ ‬الركود‭ ‬التضخمي‭ ‬يعود‭.. ‬والأسواق‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬ملاذات‭ ‬دفاعية

عاد‭ ‬خطر‭ ‬الركود‭ ‬التضخمي‭ ‬إلى‭ ‬واجهة‭ ‬النقاش‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية،‭ ‬مدفوعًا‭ ‬بتداعيات‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬وارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬الطاقة،‭ ‬وتجدد‭ ‬المخاوف‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يواجه‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬سيناريو‭ ‬بالغ‭ ‬الصعوبة‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬تباطؤ‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬بالتزامن‭ ‬مع‭ ‬استمرار‭ ‬الضغوط‭ ‬التضخمية‭.‬
هذا‭ ‬السيناريو،‭ ‬الذي‭ ‬لطالما‭ ‬اعتُبر‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬البيئات‭ ‬تعقيدًا‭ ‬بالنسبة‭ ‬للمستثمرين‭ ‬وصناع‭ ‬السياسات،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مجرد‭ ‬فرضية‭ ‬نظرية‭. ‬بل‭ ‬بدأ‭ ‬ينعكس‭ ‬بوضوح‭ ‬على‭ ‬أداء‭ ‬الأسواق،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬الأسهم‭ ‬أو‭ ‬السندات،‭ ‬حيث‭ ‬شهد‭ ‬كلاهما‭ ‬أداءً‭ ‬ضعيفًا‭ ‬خلال‭ ‬شهر‭ ‬مارس،‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬أعادت‭ ‬إلى‭ ‬الأذهان‭ ‬الاضطرابات‭ ‬العنيفة‭ ‬التي‭ ‬ميزت‭ ‬عام‭ ‬2022،‭ ‬حين‭ ‬تضررت‭ ‬معظم‭ ‬فئات‭ ‬الأصول‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬واحد‭.‬
وزاد‭ ‬من‭ ‬حدة‭ ‬هذا‭ ‬القلق‭ ‬ما‭ ‬قاله‭ ‬الخبير‭ ‬الاقتصادي‭ ‬كينيث‭ ‬روغوف،‭ ‬المسؤول‭ ‬السابق‭ ‬في‭ ‬صندوق‭ ‬النقد‭ ‬الدولي،‭ ‬عندما‭ ‬وصف‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬بأنه‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬‮«‬أكبر‭ ‬صدمة‭ ‬ركود‭ ‬تضخمي‭ ‬يشهدها‭ ‬العالم‭ ‬منذ‭ ‬خمسة‭ ‬عقود‮»‬‭. ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التوصيف‭ ‬يبدو‭ ‬ثقيلًا،‭ ‬فإنه‭ ‬يعكس‭ ‬مخاوف‭ ‬حقيقية‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تؤدي‭ ‬الحرب،‭ ‬إذا‭ ‬طال‭ ‬أمدها،‭ ‬إلى‭ ‬إبقاء‭ ‬أسعار‭ ‬الطاقة‭ ‬مرتفعة‭ ‬لفترة‭ ‬أطول،‭ ‬ما‭ ‬يضغط‭ ‬على‭ ‬الاستهلاك‭ ‬والاستثمار‭ ‬والنمو،‭ ‬ويقيد‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬قدرة‭ ‬البنوك‭ ‬المركزية‭ ‬على‭ ‬خفض‭ ‬الفائدة‭ ‬سريعاً‭.‬
لماذا‭ ‬الركود‭ ‬التضخمي‭ ‬مقلق؟

تكمن‭ ‬خطورة‭ ‬الركود‭ ‬التضخمي‭ ‬في‭ ‬أنه‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬أسوأ‭ ‬عنصرين‭ ‬بالنسبة‭ ‬للاقتصاد‭ ‬والأسواق‭:‬
1‭ – ‬نمو‭ ‬اقتصادي‭ ‬ضعيف‭ ‬أو‭ ‬متباطئ
2‭ – ‬تضخم‭ ‬مرتفع‭ ‬أو‭ ‬عنيد
وفي‭ ‬الظروف‭ ‬العادية،‭ ‬تستطيع‭ ‬البنوك‭ ‬المركزية‭ ‬مواجهة‭ ‬التباطؤ‭ ‬بخفض‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة،‭ ‬أو‭ ‬مواجهة‭ ‬التضخم‭ ‬برفعها‭. ‬لكن‭ ‬عندما‭ ‬يجتمع‭ ‬الاثنان‭ ‬معاً،‭ ‬تصبح‭ ‬السياسة‭ ‬النقدية‭ ‬في‭ ‬مأزق،‭ ‬وتدخل‭ ‬الأسواق‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬الضبابية‭ ‬الحادة‭.‬
ولهذا‭ ‬السبب،‭ ‬يُنظر‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬البيئة‭ ‬عادةً‭ ‬باعتبارها‭ ‬بيئة‭ ‬سلبية‭ ‬للأسهم،‭ ‬خاصة‭ ‬أسهم‭ ‬النمو‭ ‬والقطاعات‭ ‬الدورية،‭ ‬كما‭ ‬أنها‭ ‬تضغط‭ ‬أيضاً‭ ‬على‭ ‬السندات،‭ ‬لأن‭ ‬التضخم‭ ‬المرتفع‭ ‬يضعف‭ ‬جاذبية‭ ‬العوائد‭ ‬الحقيقية‭ ‬ويزيد‭ ‬من‭ ‬احتمالات‭ ‬بقاء‭ ‬الفائدة‭ ‬مرتفعة‭.‬

لكن‮…‬‭ ‬ليس‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬سوداوياً

ورغم‭ ‬قتامة‭ ‬الصورة،‭ ‬يرى‭ ‬بعض‭ ‬الاستراتيجيين‭ ‬أن‭ ‬الذعر‭ ‬ليس‭ ‬الخيار‭ ‬الصحيح‭.‬
فبحسب‭ ‬دنكان‭ ‬لامونت‭ ‬من‭ ‬شركة‭ ‬شرودرز،‭ ‬فإن‭ ‬الركود‭ ‬التضخمي‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬بالضرورة‭ ‬نهاية‭ ‬العالم‭ ‬بالنسبة‭ ‬للمستثمرين،‭ ‬بل‭ ‬يتطلب‭ ‬فقط‭ ‬إعادة‭ ‬تموضع‭ ‬أكثر‭ ‬ذكاءً‭ ‬داخل‭ ‬المحافظ‭ ‬الاستثمارية‭.‬
ويشير‭ ‬لامونت،‭ ‬استناداً‭ ‬إلى‭ ‬بيانات‭ ‬تمتد‭ ‬لنحو‭ ‬100‭ ‬عام،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬متوسط‭ ‬العائد‭ ‬الحقيقي‭ ‬السنوي‭ ‬للأسهم‭ ‬في‭ ‬سنوات‭ ‬الركود‭ ‬التضخمي‭ ‬كان‭ ‬قريبًا‭ ‬من‭ ‬الصفر‭. ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الرقم‭ ‬لا‭ ‬يبدو‭ ‬جذاباً،‭ ‬فإنه‭ ‬ليس‭ ‬كارثياً‭ ‬كما‭ ‬قد‭ ‬يتصور‭ ‬البعض،‭ ‬خصوصاً‭ ‬إذا‭ ‬أخذنا‭ ‬في‭ ‬الاعتبار‭ ‬أن‭ ‬تحقيق‭ ‬عائد‭ ‬قريب‭ ‬من‭ ‬التضخم‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬تضخمية‭ ‬مرتفعة‭ ‬يُعد‭ ‬في‭ ‬حد‭ ‬ذاته‭ ‬نتيجة‭ ‬مقبولة‭ ‬نسبياً‭.‬
والأهم‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬الأسهم‭ ‬حققت‭ ‬عائداً‭ ‬حقيقياً‭ ‬إيجابياً‭ ‬في‭ ‬نحو‭ ‬نصف‭ ‬سنوات‭ ‬الركود‭ ‬التضخمي‭. ‬وعندما‭ ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬العوائد‭ ‬إيجابية،‭ ‬كانت‭ ‬قوية‭ ‬نسبيًا،‭ ‬بمتوسط‭ ‬بلغ‭ ‬نحو‭ ‬16‭ %. ‬أما‭ ‬عندما‭ ‬كانت‭ ‬سلبية،‭ ‬فقد‭ ‬بلغ‭ ‬متوسط‭ ‬التراجع‭ ‬نحو‭ ‬14‭ %.‬
هذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬بيئة‭ ‬الركود‭ ‬التضخمي‭ ‬ليست‭ ‬دائمًا‭ ‬وصفة‭ ‬مؤكدة‭ ‬للانهيار،‭ ‬لكنها‭ ‬بالتأكيد‭ ‬بيئة‭ ‬انتقائية‭ ‬للغاية،‭ ‬تعاقب‭ ‬بعض‭ ‬القطاعات‭ ‬بقوة،‭ ‬وتكافئ‭ ‬قطاعات‭ ‬أخرى‭.‬

من‭ ‬يربح‭ ‬ومن‭ ‬يخسر؟

القطاعات‭ ‬التي‭ ‬تميل‭ ‬إلى‭ ‬الصمود‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬كهذه‭ ‬تبدو،‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬بعيد،‭ ‬منطقية‭ ‬وبديهية‭.‬
فوفقاً‭ ‬للبيانات‭ ‬التي‭ ‬استعرضها‭ ‬لامونت،‭ ‬فإن‭ ‬القطاعات‭ ‬التي‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬تحتفظ‭ ‬بأدائها‭ ‬أو‭ ‬تتفوق‭ ‬نسبياً‭ ‬خلال‭ ‬فترات‭ ‬الركود‭ ‬التضخمي‭ ‬تشمل‭:‬
●‭ ‬المرافق‭ ‬العامة
●‭ ‬السلع‭ ‬الاستهلاكية‭ ‬الأساسية
●‭ ‬الطاقة
●‭ ‬المواد‭ ‬الأساسية
●‭ ‬الرعاية‭ ‬الصحية
هذه‭ ‬القطاعات‭ ‬تُعتبر‭ ‬‮«‬دفاعية‮»‬‭ ‬بطبيعتها،‭ ‬لأنها‭ ‬تقدم‭ ‬منتجات‭ ‬وخدمات‭ ‬يظل‭ ‬الطلب‭ ‬عليها‭ ‬قائماً‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬فترات‭ ‬التباطؤ‭ ‬الاقتصادي‭ ‬وارتفاع‭ ‬الأسعار‭.‬
في‭ ‬المقابل،‭ ‬تميل‭ ‬قطاعات‭ ‬مثل‭:‬
●‭ ‬السلع‭ ‬الاستهلاكية‭ ‬غير‭ ‬الأساسية
●‭ ‬تكنولوجيا‭ ‬المعلومات
●‭ ‬القطاع‭ ‬المالي
إلى‭ ‬مواجهة‭ ‬ضغوط‭ ‬أكبر،‭ ‬سواء‭ ‬بسبب‭ ‬تراجع‭ ‬شهية‭ ‬المستهلك،‭ ‬أو‭ ‬ارتفاع‭ ‬كلفة‭ ‬رأس‭ ‬المال،‭ ‬أو‭ ‬انكماش‭ ‬التقييمات‭.‬

هل‭ ‬تصبح‭ ‬بريطانيا‭ ‬فجأة‭ ‬
سوقاً‭ ‬جذابة؟

ومن‭ ‬بين‭ ‬الأفكار‭ ‬اللافتة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬الأسواق‭ ‬التي‭ ‬لطالما‭ ‬وُصفت‭ ‬بأنها‭ ‬‮«‬رتيبة‮»‬‭ ‬أو‭ ‬‮«‬تقليدية‮»‬‭ ‬قد‭ ‬تتحول‭ ‬فجأة‭ ‬إلى‭ ‬وجهات‭ ‬مفضلة‭ ‬للمستثمرين،‭ ‬إذا‭ ‬دخل‭ ‬العالم‭ ‬بالفعل‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬ركود‭ ‬تضخمي‭.‬وهنا‭ ‬تبرز‭ ‬المملكة‭ ‬المتحدة‭ ‬كمثال‭ ‬واضح‭.‬
فالسوق‭ ‬البريطانية،‭ ‬بحسب‭ ‬لامونت،‭ ‬تتمتع‭ ‬بتركيبة‭ ‬قطاعية‭ ‬دفاعية‭ ‬نسبياً،‭ ‬إذ‭ ‬تمنح‭ ‬وزنًا‭ ‬مرتفعًا‭ ‬لقطاعات‭ ‬مثل‭ ‬السلع‭ ‬الاستهلاكية‭ ‬الأساسية‭ ‬والطاقة،‭ ‬بينما‭ ‬تكاد‭ ‬تكون‭ ‬أقل‭ ‬انكشافاً‭ ‬على‭ ‬قطاع‭ ‬تكنولوجيا‭ ‬المعلومات‭ ‬مقارنة‭ ‬بالولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وأسواق‭ ‬رئيسية‭ ‬أخرى‭.‬
فعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬يخصص‭ ‬السوق‭ ‬البريطاني‭ ‬نحو‭ ‬16‭ % ‬لقطاع‭ ‬السلع‭ ‬الاستهلاكية‭ ‬الأساسية،‭ ‬و10‭ % ‬لقطاع‭ ‬الطاقة،‭ ‬وهي‭ ‬نسب‭ ‬تفوق‭ ‬بكثير‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬موجود‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الأسواق‭ ‬الكبرى‭ ‬الأخرى‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬انكشافه‭ ‬على‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬وخدمات‭ ‬الاتصالات‭ ‬محدود‭ ‬نسبياً،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يتحول‭ ‬من‭ ‬نقطة‭ ‬ضعف‭ ‬تقليدية‭ ‬إلى‭ ‬ميزة‭ ‬دفاعية‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭.‬
ويبدو‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬بدأ‭ ‬ينعكس‭ ‬بالفعل‭ ‬على‭ ‬الأداء‭. ‬فمؤشر‭ ‬فوتسي‭ ‬100‭ ‬البريطاني،‭ ‬رغم‭ ‬كل‭ ‬الضغوط،‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬مرتفعاً‭ ‬بنحو‭ ‬4‭ %‬‭ ‬منذ‭ ‬بداية‭ ‬العام،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬تراجع‭ ‬المؤشر‭ ‬الأمريكي‭ ‬بنحو‭ ‬4‭ %‬‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬نفسها‭. ‬صحيح‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬القطاعات‭ ‬داخل‭ ‬السوق‭ ‬البريطانية،‭ ‬مثل‭ ‬شركات‭ ‬بناء‭ ‬المساكن،‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تتعرض‭ ‬لضغوط‭ ‬واضحة،‭ ‬لكن‭ ‬الصورة‭ ‬العامة‭ ‬توحي‭ ‬بأن‭ ‬المستثمرين‭ ‬بدأوا‭ ‬يعيدون‭ ‬تقييم‭ ‬الأسواق‭ ‬‮«‬المملة‮»‬‭ ‬من‭ ‬زاوية‭ ‬جديدة‭.‬

رجوع لأعلى