صدمة الطاقة الجديدة تعيد رسم أولويات العالم
تبدو الأسواق العالمية اليوم وكأنها تعود إلى مشهد ظن كثيرون أنه أصبح خلفها.. صدمة طاقة عالمية جديدة، لكن هذه المرة في بيئة أكثر هشاشة، وأكثر تعقيداً، وأقل قدرة على امتصاص الصدمات مقارنة بما حدث عقب اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في 2022. فالعالم الذي دخل هذا العام وهو يملك قدراً معقولاً من الوفرة في النفط والغاز، يجد نفسه الآن أمام تحوّل مفاجئ في موازين الطاقة، مع تعطّل مضيق هرمز فعلياً وعودة مخاطر الإمدادات إلى الواجهة.
وبحسب قراءة تحليلية نشرتها صحيفة فايننشال تايمز، فإن العالم لا يقف فقط أمام ارتفاع جديد في الأسعار، بل أمام اختبار سياسي واقتصادي يتعلق بكيفية توزيع الموارد الشحيحة، ومن الذي يجب أن يتحمل الكلفة، وكيف ينبغي للحكومات أن تتصرف عندما تتحول الطاقة من سلعة متاحة إلى مورد نادر واستراتيجي.
الورقة التي تطرحها الصحيفة لا تنظر إلى الأزمة من زاوية الأسعار فقط، بل من زاوية إدارة الندرة. فحين تصبح الطاقة أقل توافراً، لا يعود السؤال: «كم سيرتفع النفط؟»، بل يصبح: «كيف ستُوزَّع الطاقة المتبقية؟ ومن سيحصل عليها أولاً؟»، وهذه هي النقطة الجوهرية التي تجعل الأزمة الحالية مختلفة وحادة في آن واحد.
ندرة متصاعدة
تبدأ فايننشال تايمز من حقيقة أساسية: العالم بدأ هذا العام بوفرة نسبية في النفط والغاز، لكن هذه الوفرة لم تعد كما كانت بعد تعطّل مضيق هرمز، الذي يمثل شرياناً حيوياً لتجارة الطاقة العالمية. وهذا التطور، وإن كان إيجابياً للدول والشركات المصدّرة للطاقة من حيث العائدات، إلا أنه سلبي بشدة بالنسبة للمستهلكين، وللاقتصادات المستوردة، وللشركات التي تعتمد على طاقة مستقرة ومنخفضة الكلفة.
فالندرة الجديدة لا تعني فقط ارتفاع سعر البرميل أو شحنة الغاز، بل تعني أيضاً ارتفاع كلفة التدفئة، والنقل، والصناعة، والغذاء، والشحن، والكهرباء، وبذلك، فإن أي اضطراب طويل في إمدادات الطاقة لن يبقى محصوراً في أسواق السلع، بل سيتحول سريعاً إلى مشكلة معيشية ومالية تمس الأسر والشركات والحكومات معاً.
وفي هذا السياق، ترى الصحيفة أن السؤال الفوري أمام صناع القرار ليس سياسياً بقدر ما هو اقتصادي عملي:
● كيف نوزع الموارد المتاحة الآن؟ وهل ينبغي ترك السوق تقوم بهذه المهمة عبر الأسعار؟ أم تتدخل الحكومات عبر الدعم والتنظيم والتقنين؟
ثمن الثروة
أحد أهم الاستنتاجات التي تطرحها فايننشال تايمز هو أن الثروة نفسها أصبحت أداة دفاع طاقي. ففي أزمة 2022، عندما ارتفعت أسعار الطاقة بعد الحرب بين روسيا وأوكرانيا، استطاعت الدول الغنية أن تمتص جزءاً كبيراً من الصدمة لأنها ببساطة كانت تملك القدرة على الإنفاق والاقتراض.
وتشير الصحيفة إلى أن المملكة المتحدة وحدها تحملت تكلفة حزمة دعم للطاقة تجاوزت 4 % من الناتج المحلي الإجمالي، بينما قدمت بقية دول أوروبا دعماً بلغ في المتوسط 2.6 % من الناتج المحلي الإجمالي، هذا الإنفاق لم يكن بلا ثمن بالطبع، لأنه جرى تمويله جزئياً عبر الاقتراض العام، ما يعني ترحيل جزء من التكلفة إلى دافعي الضرائب في المستقبل. لكن في المقابل، نجحت هذه الدول في الحفاظ على القدرة الشرائية للأسر، ومساعدة الشركات، والأهم من ذلك المنافسة على شحنات الطاقة البديلة لتعويض الغاز الروسي.
المعادلة هنا واضحة: إذا كنت غنياً، يمكنك شراء الوقت والحماية، أما إذا كنت أقل ثراءً، فستكون قدرتك على الصمود محدودة.
لكن حتى هذه الأفضلية المالية لم تعد اليوم مريحة كما كانت قبل عامين، فالعالم الآن يعيش في بيئة فائدة مرتفعة، ما يجعل تمويل حزم دعم جديدة أكثر كلفة وتعقيداً، وهذا يعني أن حتى الدول القادرة مالياً ستتردد هذه المرة أكثر قبل تكرار سياسة «الدعم الشامل والمفتوح».
الخاسرون أولاً
في الجهة المقابلة، تذكّر فايننشال تايمز بأن الخاسرين في صدمة الطاقة السابقة كانوا في الغالب من الاقتصادات الآسيوية الأقل ثراءً، وهي نفس الاقتصادات التي قد تكون الآن أول من يتعرض للضغط مجدداً.
فالصحيفة توضح أن دولاً مثل اليابان وتايوان تمكنت من تأمين احتياجاتها من الغاز عبر عقود طويلة الأجل، ما منحها درجة من الحماية ضد تقلبات السوق الفورية، أما دول مثل بنغلاديش والهند وباكستان، التي تعتمد بدرجة أكبر على الأسواق الفورية لشراء الغاز الطبيعي المسال، فقد وجدت نفسها خلال أزمة 2022 في وضع أكثر هشاشة، واضطرت إلى خفض وارداتها بشكل حاد.
وتبدو باكستان في هذا السياق مثالاً شديد الدلالة، إذ إنها كانت تعاني أصلاً من صعوبة تحمل الأسعار المرتفعة للغاز الطبيعي المسال حتى قبل الموجة الجديدة. وبالتالي، فإن أي صدمة جديدة في الأسعار أو الإمدادات قد تعني بالنسبة لمثل هذه الدول انقطاعاً أكبر للطاقة، وضغطاً مالياً، وربما تراجعاً في النشاط الصناعي والمعيشي.
وهنا تكمن واحدة من أكثر النقاط حساسية في أي صدمة طاقة عالمية: الأسعار لا تعيد توزيع الطاقة وفق «العدالة»، بل وفق القدرة على الدفع، ومن يملك المال، أو القدرة الائتمانية، أو العقود طويلة الأجل، يستطيع حماية نفسه، بينما يجد الآخرون أنفسهم خارج السوق أو على هامشها.
ترشيد لا مزايدات
تطرح فايننشال تايمز توصية شديدة الوضوح في هذا السياق: لا ينبغي للحكومات أن تنجر إلى مزادات محمومة على ناقلات الغاز الطبيعي المسال.
فالتنافس المحموم بين الدول على الشحنات المحدودة لا يؤدي فقط إلى رفع الأسعار أكثر، بل قد ينتهي أيضاً إلى سوء توزيع عالمي للطاقة، حيث تذهب الإمدادات إلى من يدفع أكثر، وليس بالضرورة إلى من يحتاج أكثر.
وترى الصحيفة أن الخيار الأكثر عقلانية على المدى القصير هو الاعتراف بندرة الطاقة والعمل على إدارتها، لا محاولة إنكارها عبر سياسات إنفاق غير منضبطة أو سباقات شراء غير مستدامة.
وهنا تظهر أهمية ترشيد الطلب بوصفه أداة لا تقل أهمية عن تأمين الإمدادات. فبدلاً من محاولة إخفاء الصدمة عن المواطنين بالكامل، تدعو الصحيفة الحكومات إلى مصارحة الناس بأن الطاقة أصبحت شحيحة، وأن جزءاً من الاستجابة يجب أن يكون عبر التكيّف السلوكي.
خفض الاستهلاك
في هذا الإطار، تشير فايننشال تايمز إلى أن النقل البري يشكل نحو 45 % من الطلب العالمي على النفط، ما يعني أن أي محاولة جادة لخفض استهلاك الطاقة يجب أن تبدأ من هذا القطاع. ولهذا، تعود إلى الواجهة مجدداً إجراءات كانت تبدو حتى وقت قريب أقرب إلى سياسات الطوارئ أو «الخيارات غير الشعبية»، لكنها اليوم تبدو أكثر واقعية من أي وقت مضى.
ففي 20 مارس، أوصت وكالة الطاقة الدولية بتشجيع العمل عن بُعد، وخفض حدود السرعة، بل واستلهام سياسات من نوع «أيام الأحد الخالية من السيارات» التي اعتمدتها إيطاليا خلال أزمة الطاقة في عام 1973. هذه الإجراءات قد تبدو رمزية أو حتى مزعجة اجتماعياً وسياسياً، لكنها عملياً قادرة على تحقيق أثر سريع نسبياً في تقليص الاستهلاك وخفض الضغط على السوق.
والفكرة الجوهرية هنا ليست فقط تقليل الاستهلاك من أجل الادخار، بل إعادة توجيه الطاقة نحو الاستخدامات الأكثر ضرورة. فحين تكون الإمدادات محدودة، تصبح الأولوية لتشغيل المصانع الحيوية، والمستشفيات، والخدمات الأساسية، وليس بالضرورة لرحلات الترفيه أو الاستخدامات الأقل أهمية.
أن تصبح مُصدّراً
من التوصيات اللافتة أيضاً في طرح فايننشال تايمز أنها تعيد التذكير بحقيقة استراتيجية قديمة تتجدد مع كل أزمة: «من الأفضل أن تكون مُصدّراً للطاقة عندما تصبح الطاقة نادرة فجأة».
لكن الصحيفة تضيف هنا بُعداً أعمق من مجرد امتلاك نفط أو غاز. فهي تذكّر بأن مفهوم «الاستقلال الطاقي» قد يكون مضللًا إذا اقتصر على الميزان المباشر للنفط والغاز فقط. فحتى الولايات المتحدة، التي أعلنت في 2019 أنها حققت نوعاً من التوازن في تجارة الطاقة، كانت وفق أحد التقديرات تعاني فعلياً من عجز في الطاقة المُضمّنة في السلع المتداولة يعادل 12 % من استهلاكها المحلي.