تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صدمة‭ ‬الطاقة‭ ‬الجديدة‭ ‬تعيد‭ ‬رسم‭ ‬أولويات‭ ‬العالم

صدمة‭ ‬الطاقة‭ ‬الجديدة‭ ‬تعيد‭ ‬رسم‭ ‬أولويات‭ ‬العالم

تبدو‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية‭ ‬اليوم‭ ‬وكأنها‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬مشهد‭ ‬ظن‭ ‬كثيرون‭ ‬أنه‭ ‬أصبح‭ ‬خلفها‭..‬‭ ‬صدمة‭ ‬طاقة‭ ‬عالمية‭ ‬جديدة،‭ ‬لكن‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬أكثر‭ ‬هشاشة،‭ ‬وأكثر‭ ‬تعقيداً،‭ ‬وأقل‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬امتصاص‭ ‬الصدمات‭ ‬مقارنة‭ ‬بما‭ ‬حدث‭ ‬عقب‭ ‬اندلاع‭ ‬الحرب‭ ‬الروسية‭ ‬الأوكرانية‭ ‬في‭ ‬2022‭. ‬فالعالم‭ ‬الذي‭ ‬دخل‭ ‬هذا‭ ‬العام‭ ‬وهو‭ ‬يملك‭ ‬قدراً‭ ‬معقولاً‭ ‬من‭ ‬الوفرة‭ ‬في‭ ‬النفط‭ ‬والغاز،‭ ‬يجد‭ ‬نفسه‭ ‬الآن‭ ‬أمام‭ ‬تحوّل‭ ‬مفاجئ‭ ‬في‭ ‬موازين‭ ‬الطاقة،‭ ‬مع‭ ‬تعطّل‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬فعلياً‭ ‬وعودة‭ ‬مخاطر‭ ‬الإمدادات‭ ‬إلى‭ ‬الواجهة‭.‬
وبحسب‭ ‬قراءة‭ ‬تحليلية‭ ‬نشرتها‭ ‬صحيفة‭ ‬فايننشال‭ ‬تايمز،‭ ‬فإن‭ ‬العالم‭ ‬لا‭ ‬يقف‭ ‬فقط‭ ‬أمام‭ ‬ارتفاع‭ ‬جديد‭ ‬في‭ ‬الأسعار،‭ ‬بل‭ ‬أمام‭ ‬اختبار‭ ‬سياسي‭ ‬واقتصادي‭ ‬يتعلق‭ ‬بكيفية‭ ‬توزيع‭ ‬الموارد‭ ‬الشحيحة،‭ ‬ومن‭ ‬الذي‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يتحمل‭ ‬الكلفة،‭ ‬وكيف‭ ‬ينبغي‭ ‬للحكومات‭ ‬أن‭ ‬تتصرف‭ ‬عندما‭ ‬تتحول‭ ‬الطاقة‭ ‬من‭ ‬سلعة‭ ‬متاحة‭ ‬إلى‭ ‬مورد‭ ‬نادر‭ ‬واستراتيجي‭.‬
الورقة‭ ‬التي‭ ‬تطرحها‭ ‬الصحيفة‭ ‬لا‭ ‬تنظر‭ ‬إلى‭ ‬الأزمة‭ ‬من‭ ‬زاوية‭ ‬الأسعار‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬زاوية‭ ‬إدارة‭ ‬الندرة‭. ‬فحين‭ ‬تصبح‭ ‬الطاقة‭ ‬أقل‭ ‬توافراً،‭ ‬لا‭ ‬يعود‭ ‬السؤال‭: ‬‮«‬كم‭ ‬سيرتفع‭ ‬النفط؟‮»‬،‭ ‬بل‭ ‬يصبح‭: ‬‮«‬كيف‭ ‬ستُوزَّع‭ ‬الطاقة‭ ‬المتبقية؟‭ ‬ومن‭ ‬سيحصل‭ ‬عليها‭ ‬أولاً؟‮»‬،‭ ‬وهذه‭ ‬هي‭ ‬النقطة‭ ‬الجوهرية‭ ‬التي‭ ‬تجعل‭ ‬الأزمة‭ ‬الحالية‭ ‬مختلفة‭ ‬وحادة‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد‭.‬

ندرة‭ ‬متصاعدة

تبدأ‭ ‬فايننشال‭ ‬تايمز‭ ‬من‭ ‬حقيقة‭ ‬أساسية‭: ‬العالم‭ ‬بدأ‭ ‬هذا‭ ‬العام‭ ‬بوفرة‭ ‬نسبية‭ ‬في‭ ‬النفط‭ ‬والغاز،‭ ‬لكن‭ ‬هذه‭ ‬الوفرة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬كما‭ ‬كانت‭ ‬بعد‭ ‬تعطّل‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز،‭ ‬الذي‭ ‬يمثل‭ ‬شرياناً‭ ‬حيوياً‭ ‬لتجارة‭ ‬الطاقة‭ ‬العالمية‭. ‬وهذا‭ ‬التطور،‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬إيجابياً‭ ‬للدول‭ ‬والشركات‭ ‬المصدّرة‭ ‬للطاقة‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬العائدات،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬سلبي‭ ‬بشدة‭ ‬بالنسبة‭ ‬للمستهلكين،‭ ‬وللاقتصادات‭ ‬المستوردة،‭ ‬وللشركات‭ ‬التي‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬طاقة‭ ‬مستقرة‭ ‬ومنخفضة‭ ‬الكلفة‭.‬
فالندرة‭ ‬الجديدة‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬فقط‭ ‬ارتفاع‭ ‬سعر‭ ‬البرميل‭ ‬أو‭ ‬شحنة‭ ‬الغاز،‭ ‬بل‭ ‬تعني‭ ‬أيضاً‭ ‬ارتفاع‭ ‬كلفة‭ ‬التدفئة،‭ ‬والنقل،‭ ‬والصناعة،‭ ‬والغذاء،‭ ‬والشحن،‭ ‬والكهرباء،‭ ‬وبذلك،‭ ‬فإن‭ ‬أي‭ ‬اضطراب‭ ‬طويل‭ ‬في‭ ‬إمدادات‭ ‬الطاقة‭ ‬لن‭ ‬يبقى‭ ‬محصوراً‭ ‬في‭ ‬أسواق‭ ‬السلع،‭ ‬بل‭ ‬سيتحول‭ ‬سريعاً‭ ‬إلى‭ ‬مشكلة‭ ‬معيشية‭ ‬ومالية‭ ‬تمس‭ ‬الأسر‭ ‬والشركات‭ ‬والحكومات‭ ‬معاً‭.‬
وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬ترى‭ ‬الصحيفة‭ ‬أن‭ ‬السؤال‭ ‬الفوري‭ ‬أمام‭ ‬صناع‭ ‬القرار‭ ‬ليس‭ ‬سياسياً‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬اقتصادي‭ ‬عملي‭:‬
●‭ ‬كيف‭ ‬نوزع‭ ‬الموارد‭ ‬المتاحة‭ ‬الآن؟‭ ‬وهل‭ ‬ينبغي‭ ‬ترك‭ ‬السوق‭ ‬تقوم‭ ‬بهذه‭ ‬المهمة‭ ‬عبر‭ ‬الأسعار؟‭ ‬أم‭ ‬تتدخل‭ ‬الحكومات‭ ‬عبر‭ ‬الدعم‭ ‬والتنظيم‭ ‬والتقنين؟

ثمن‭ ‬الثروة

أحد‭ ‬أهم‭ ‬الاستنتاجات‭ ‬التي‭ ‬تطرحها‭ ‬فايننشال‭ ‬تايمز‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬الثروة‭ ‬نفسها‭ ‬أصبحت‭ ‬أداة‭ ‬دفاع‭ ‬طاقي‭. ‬ففي‭ ‬أزمة‭ ‬2022،‭ ‬عندما‭ ‬ارتفعت‭ ‬أسعار‭ ‬الطاقة‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬بين‭ ‬روسيا‭ ‬وأوكرانيا،‭ ‬استطاعت‭ ‬الدول‭ ‬الغنية‭ ‬أن‭ ‬تمتص‭ ‬جزءاً‭ ‬كبيراً‭ ‬من‭ ‬الصدمة‭ ‬لأنها‭ ‬ببساطة‭ ‬كانت‭ ‬تملك‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬الإنفاق‭ ‬والاقتراض‭.‬
وتشير‭ ‬الصحيفة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬المملكة‭ ‬المتحدة‭ ‬وحدها‭ ‬تحملت‭ ‬تكلفة‭ ‬حزمة‭ ‬دعم‭ ‬للطاقة‭ ‬تجاوزت‭ ‬4‭ % ‬من‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬الإجمالي،‭ ‬بينما‭ ‬قدمت‭ ‬بقية‭ ‬دول‭ ‬أوروبا‭ ‬دعماً‭ ‬بلغ‭ ‬في‭ ‬المتوسط‭ ‬2.6‭ % ‬من‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬الإجمالي،‭ ‬هذا‭ ‬الإنفاق‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬بلا‭ ‬ثمن‭ ‬بالطبع،‭ ‬لأنه‭ ‬جرى‭ ‬تمويله‭ ‬جزئياً‭ ‬عبر‭ ‬الاقتراض‭ ‬العام،‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬ترحيل‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬التكلفة‭ ‬إلى‭ ‬دافعي‭ ‬الضرائب‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭. ‬لكن‭ ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬نجحت‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬في‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬القدرة‭ ‬الشرائية‭ ‬للأسر،‭ ‬ومساعدة‭ ‬الشركات،‭ ‬والأهم‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬المنافسة‭ ‬على‭ ‬شحنات‭ ‬الطاقة‭ ‬البديلة‭ ‬لتعويض‭ ‬الغاز‭ ‬الروسي‭.‬
المعادلة‭ ‬هنا‭ ‬واضحة‭: ‬إذا‭ ‬كنت‭ ‬غنياً،‭ ‬يمكنك‭ ‬شراء‭ ‬الوقت‭ ‬والحماية،‭ ‬أما‭ ‬إذا‭ ‬كنت‭ ‬أقل‭ ‬ثراءً،‭ ‬فستكون‭ ‬قدرتك‭ ‬على‭ ‬الصمود‭ ‬محدودة‭.‬
لكن‭ ‬حتى‭ ‬هذه‭ ‬الأفضلية‭ ‬المالية‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬اليوم‭ ‬مريحة‭ ‬كما‭ ‬كانت‭ ‬قبل‭ ‬عامين،‭ ‬فالعالم‭ ‬الآن‭ ‬يعيش‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬فائدة‭ ‬مرتفعة،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬تمويل‭ ‬حزم‭ ‬دعم‭ ‬جديدة‭ ‬أكثر‭ ‬كلفة‭ ‬وتعقيداً،‭ ‬وهذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬حتى‭ ‬الدول‭ ‬القادرة‭ ‬مالياً‭ ‬ستتردد‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬أكثر‭ ‬قبل‭ ‬تكرار‭ ‬سياسة‭ ‬‮«‬الدعم‭ ‬الشامل‭ ‬والمفتوح‮»‬‭.‬
الخاسرون‭ ‬أولاً

في‭ ‬الجهة‭ ‬المقابلة،‭ ‬تذكّر‭ ‬فايننشال‭ ‬تايمز‭ ‬بأن‭ ‬الخاسرين‭ ‬في‭ ‬صدمة‭ ‬الطاقة‭ ‬السابقة‭ ‬كانوا‭ ‬في‭ ‬الغالب‭ ‬من‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الآسيوية‭ ‬الأقل‭ ‬ثراءً،‭ ‬وهي‭ ‬نفس‭ ‬الاقتصادات‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬الآن‭ ‬أول‭ ‬من‭ ‬يتعرض‭ ‬للضغط‭ ‬مجدداً‭.‬
فالصحيفة‭ ‬توضح‭ ‬أن‭ ‬دولاً‭ ‬مثل‭ ‬اليابان‭ ‬وتايوان‭ ‬تمكنت‭ ‬من‭ ‬تأمين‭ ‬احتياجاتها‭ ‬من‭ ‬الغاز‭ ‬عبر‭ ‬عقود‭ ‬طويلة‭ ‬الأجل،‭ ‬ما‭ ‬منحها‭ ‬درجة‭ ‬من‭ ‬الحماية‭ ‬ضد‭ ‬تقلبات‭ ‬السوق‭ ‬الفورية،‭ ‬أما‭ ‬دول‭ ‬مثل‭ ‬بنغلاديش‭ ‬والهند‭ ‬وباكستان،‭ ‬التي‭ ‬تعتمد‭ ‬بدرجة‭ ‬أكبر‭ ‬على‭ ‬الأسواق‭ ‬الفورية‭ ‬لشراء‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال،‭ ‬فقد‭ ‬وجدت‭ ‬نفسها‭ ‬خلال‭ ‬أزمة‭ ‬2022‭ ‬في‭ ‬وضع‭ ‬أكثر‭ ‬هشاشة،‭ ‬واضطرت‭ ‬إلى‭ ‬خفض‭ ‬وارداتها‭ ‬بشكل‭ ‬حاد‭.‬
وتبدو‭ ‬باكستان‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬مثالاً‭ ‬شديد‭ ‬الدلالة،‭ ‬إذ‭ ‬إنها‭ ‬كانت‭ ‬تعاني‭ ‬أصلاً‭ ‬من‭ ‬صعوبة‭ ‬تحمل‭ ‬الأسعار‭ ‬المرتفعة‭ ‬للغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال‭ ‬حتى‭ ‬قبل‭ ‬الموجة‭ ‬الجديدة‭. ‬وبالتالي،‭ ‬فإن‭ ‬أي‭ ‬صدمة‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬الأسعار‭ ‬أو‭ ‬الإمدادات‭ ‬قد‭ ‬تعني‭ ‬بالنسبة‭ ‬لمثل‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬انقطاعاً‭ ‬أكبر‭ ‬للطاقة،‭ ‬وضغطاً‭ ‬مالياً،‭ ‬وربما‭ ‬تراجعاً‭ ‬في‭ ‬النشاط‭ ‬الصناعي‭ ‬والمعيشي‭.‬
وهنا‭ ‬تكمن‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬النقاط‭ ‬حساسية‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬صدمة‭ ‬طاقة‭ ‬عالمية‭: ‬الأسعار‭ ‬لا‭ ‬تعيد‭ ‬توزيع‭ ‬الطاقة‭ ‬وفق‭ ‬‮«‬العدالة‮»‬،‭ ‬بل‭ ‬وفق‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬الدفع،‭ ‬ومن‭ ‬يملك‭ ‬المال،‭ ‬أو‭ ‬القدرة‭ ‬الائتمانية،‭ ‬أو‭ ‬العقود‭ ‬طويلة‭ ‬الأجل،‭ ‬يستطيع‭ ‬حماية‭ ‬نفسه،‭ ‬بينما‭ ‬يجد‭ ‬الآخرون‭ ‬أنفسهم‭ ‬خارج‭ ‬السوق‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬هامشها‭.‬

ترشيد‭ ‬لا‭ ‬مزايدات

تطرح‭ ‬فايننشال‭ ‬تايمز‭ ‬توصية‭ ‬شديدة‭ ‬الوضوح‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭: ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬للحكومات‭ ‬أن‭ ‬تنجر‭ ‬إلى‭ ‬مزادات‭ ‬محمومة‭ ‬على‭ ‬ناقلات‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال‭.‬
فالتنافس‭ ‬المحموم‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬على‭ ‬الشحنات‭ ‬المحدودة‭ ‬لا‭ ‬يؤدي‭ ‬فقط‭ ‬إلى‭ ‬رفع‭ ‬الأسعار‭ ‬أكثر،‭ ‬بل‭ ‬قد‭ ‬ينتهي‭ ‬أيضاً‭ ‬إلى‭ ‬سوء‭ ‬توزيع‭ ‬عالمي‭ ‬للطاقة،‭ ‬حيث‭ ‬تذهب‭ ‬الإمدادات‭ ‬إلى‭ ‬من‭ ‬يدفع‭ ‬أكثر،‭ ‬وليس‭ ‬بالضرورة‭ ‬إلى‭ ‬من‭ ‬يحتاج‭ ‬أكثر‭.‬
وترى‭ ‬الصحيفة‭ ‬أن‭ ‬الخيار‭ ‬الأكثر‭ ‬عقلانية‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬القصير‭ ‬هو‭ ‬الاعتراف‭ ‬بندرة‭ ‬الطاقة‭ ‬والعمل‭ ‬على‭ ‬إدارتها،‭ ‬لا‭ ‬محاولة‭ ‬إنكارها‭ ‬عبر‭ ‬سياسات‭ ‬إنفاق‭ ‬غير‭ ‬منضبطة‭ ‬أو‭ ‬سباقات‭ ‬شراء‭ ‬غير‭ ‬مستدامة‭.‬
وهنا‭ ‬تظهر‭ ‬أهمية‭ ‬ترشيد‭ ‬الطلب‭ ‬بوصفه‭ ‬أداة‭ ‬لا‭ ‬تقل‭ ‬أهمية‭ ‬عن‭ ‬تأمين‭ ‬الإمدادات‭. ‬فبدلاً‭ ‬من‭ ‬محاولة‭ ‬إخفاء‭ ‬الصدمة‭ ‬عن‭ ‬المواطنين‭ ‬بالكامل،‭ ‬تدعو‭ ‬الصحيفة‭ ‬الحكومات‭ ‬إلى‭ ‬مصارحة‭ ‬الناس‭ ‬بأن‭ ‬الطاقة‭ ‬أصبحت‭ ‬شحيحة،‭ ‬وأن‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬الاستجابة‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬عبر‭ ‬التكيّف‭ ‬السلوكي‭.‬

خفض‭ ‬الاستهلاك

في‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬تشير‭ ‬فايننشال‭ ‬تايمز‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬النقل‭ ‬البري‭ ‬يشكل‭ ‬نحو‭ ‬45‭ % ‬من‭ ‬الطلب‭ ‬العالمي‭ ‬على‭ ‬النفط،‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬محاولة‭ ‬جادة‭ ‬لخفض‭ ‬استهلاك‭ ‬الطاقة‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬القطاع‭. ‬ولهذا،‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬الواجهة‭ ‬مجدداً‭ ‬إجراءات‭ ‬كانت‭ ‬تبدو‭ ‬حتى‭ ‬وقت‭ ‬قريب‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬سياسات‭ ‬الطوارئ‭ ‬أو‭ ‬‮«‬الخيارات‭ ‬غير‭ ‬الشعبية‮»‬،‭ ‬لكنها‭ ‬اليوم‭ ‬تبدو‭ ‬أكثر‭ ‬واقعية‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬مضى‭.‬
ففي‭ ‬20‭ ‬مارس،‭ ‬أوصت‭ ‬وكالة‭ ‬الطاقة‭ ‬الدولية‭ ‬بتشجيع‭ ‬العمل‭ ‬عن‭ ‬بُعد،‭ ‬وخفض‭ ‬حدود‭ ‬السرعة،‭ ‬بل‭ ‬واستلهام‭ ‬سياسات‭ ‬من‭ ‬نوع‭ ‬‮«‬أيام‭ ‬الأحد‭ ‬الخالية‭ ‬من‭ ‬السيارات‮»‬‭ ‬التي‭ ‬اعتمدتها‭ ‬إيطاليا‭ ‬خلال‭ ‬أزمة‭ ‬الطاقة‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1973‭. ‬هذه‭ ‬الإجراءات‭ ‬قد‭ ‬تبدو‭ ‬رمزية‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬مزعجة‭ ‬اجتماعياً‭ ‬وسياسياً،‭ ‬لكنها‭ ‬عملياً‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬أثر‭ ‬سريع‭ ‬نسبياً‭ ‬في‭ ‬تقليص‭ ‬الاستهلاك‭ ‬وخفض‭ ‬الضغط‭ ‬على‭ ‬السوق‭.‬
والفكرة‭ ‬الجوهرية‭ ‬هنا‭ ‬ليست‭ ‬فقط‭ ‬تقليل‭ ‬الاستهلاك‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الادخار،‭ ‬بل‭ ‬إعادة‭ ‬توجيه‭ ‬الطاقة‭ ‬نحو‭ ‬الاستخدامات‭ ‬الأكثر‭ ‬ضرورة‭. ‬فحين‭ ‬تكون‭ ‬الإمدادات‭ ‬محدودة،‭ ‬تصبح‭ ‬الأولوية‭ ‬لتشغيل‭ ‬المصانع‭ ‬الحيوية،‭ ‬والمستشفيات،‭ ‬والخدمات‭ ‬الأساسية،‭ ‬وليس‭ ‬بالضرورة‭ ‬لرحلات‭ ‬الترفيه‭ ‬أو‭ ‬الاستخدامات‭ ‬الأقل‭ ‬أهمية‭.‬

أن‭ ‬تصبح‭ ‬مُصدّراً

من‭ ‬التوصيات‭ ‬اللافتة‭ ‬أيضاً‭ ‬في‭ ‬طرح‭ ‬فايننشال‭ ‬تايمز‭ ‬أنها‭ ‬تعيد‭ ‬التذكير‭ ‬بحقيقة‭ ‬استراتيجية‭ ‬قديمة‭ ‬تتجدد‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬أزمة‭: ‬‮«‬من‭ ‬الأفضل‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬مُصدّراً‭ ‬للطاقة‭ ‬عندما‭ ‬تصبح‭ ‬الطاقة‭ ‬نادرة‭ ‬فجأة‮»‬‭.‬
لكن‭ ‬الصحيفة‭ ‬تضيف‭ ‬هنا‭ ‬بُعداً‭ ‬أعمق‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬امتلاك‭ ‬نفط‭ ‬أو‭ ‬غاز‭. ‬فهي‭ ‬تذكّر‭ ‬بأن‭ ‬مفهوم‭ ‬‮«‬الاستقلال‭ ‬الطاقي‮»‬‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬مضللًا‭ ‬إذا‭ ‬اقتصر‭ ‬على‭ ‬الميزان‭ ‬المباشر‭ ‬للنفط‭ ‬والغاز‭ ‬فقط‭. ‬فحتى‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬التي‭ ‬أعلنت‭ ‬في‭ ‬2019‭ ‬أنها‭ ‬حققت‭ ‬نوعاً‭ ‬من‭ ‬التوازن‭ ‬في‭ ‬تجارة‭ ‬الطاقة،‭ ‬كانت‭ ‬وفق‭ ‬أحد‭ ‬التقديرات‭ ‬تعاني‭ ‬فعلياً‭ ‬من‭ ‬عجز‭ ‬في‭ ‬الطاقة‭ ‬المُضمّنة‭ ‬في‭ ‬السلع‭ ‬المتداولة‭ ‬يعادل‭ ‬12‭ % ‬من‭ ‬استهلاكها‭ ‬المحلي‭.‬

رجوع لأعلى