صدمة النفط العالمية.. الحرب تشعل الأسعار فوق 100 دولار
دخلت أسواق النفط العالمية مرحلة جديدة من التقلبات الحادة مع تصاعد المواجهة العسكرية في الشرق الأوسط وتعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الاستراتيجية لنقل الطاقة في العالم، ما دفع أسعار الخام إلى تجاوز حاجز 100 دولار للبرميل في قفزة تعكس حجم القلق في الأسواق.
وتشهد أسواق الطاقة حالياً واحدة من أسرع موجات الارتفاع في الأسعار منذ سنوات، في وقت تحذر فيه المؤسسات الدولية من أن استمرار الأزمة قد يؤدي إلى موجة تضخم عالمية جديدة ويضغط على النمو الاقتصادي في عدد من الاقتصادات الكبرى.
قفزات تاريخية في الأسعار
سجلت أسعار النفط ارتفاعات قوية مع افتتاح التداولات في الأسواق العالمية، إذ قفز سعر خام غرب تكساس الوسيط بأكثر من 30 % في بداية التعاملات قبل أن يقلص جزءاً من مكاسبه ليصل إلى نحو 103 دولارات للبرميل، بارتفاع يقارب 13 %.
كما ارتفع خام برنت القياسي العالمي بنحو 16 % ليصل إلى حوالي 107 دولارات للبرميل، في واحدة من أكبر التحركات اليومية في الأسواق منذ سنوات.
وجاءت هذه القفزة نتيجة تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، مع اتساع نطاق المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وكيان الاحتلال من جهة وإيران من جهة أخرى، ما أثار مخاوف واسعة بشأن استقرار إمدادات الطاقة العالمية.
ووفق تقديرات السوق، ارتفع خام غرب تكساس الوسيط بنحو 70 % منذ بداية العمليات العسكرية، وهي وتيرة ارتفاع نادرة حتى بالمقارنة مع الصدمات السابقة في سوق الطاقة، مثل الأزمة التي أعقبت الغزو الروسي لأوكرانيا في عام 2022.
مضيق هرمز.. شريان الطاقة العالمي
يعد مضيق هرمز أحد أهم نقاط الاختناق في سوق الطاقة العالمية، إذ يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية يومياً.
ومع تصاعد التوترات العسكرية في المنطقة، أصبح المضيق شبه مغلق أمام حركة ناقلات النفط، حيث أظهرت بيانات تتبع السفن أن عدداً محدوداً فقط من الناقلات تمكن من عبوره خلال الأيام الماضية.
وقد أدى هذا الوضع إلى تعطيل جزء كبير من صادرات النفط في المنطقة، كما تسبب في امتلاء مرافق التخزين بسرعة نتيجة تعذر تحميل الشحنات.
ويخشى المتعاملون في أسواق الطاقة من أن يؤدي استمرار تعطل الملاحة في المضيق إلى نقص ملموس في الإمدادات العالمية، ما قد يدفع الأسعار إلى مستويات أعلى خلال الفترة المقبلة.
خفض الإنتاج في الخليج
أمام تعطل عمليات الشحن، بدأت بعض الدول المنتجة في الخليج اتخاذ إجراءات استثنائية لتقليص الإنتاج النفطي، بعدما امتلأت مرافق التخزين بسرعة نتيجة عدم القدرة على تصدير الكميات المعتادة.
ففي العراق، تراجع الإنتـاج بنحــو 60 % ليصل إلى ما بين 1.7 و1.8 مليون برميل يومياً، مقارنة بنحو 4.3 مليون برميل يومياً قبل اندلاع الأزمة.
كما بدأت كل من الإمارات والكويت تقليص إنتاج النفط تدريجياً مع امتلاء مرافق التخزين البرية وتراجع عدد ناقلات النفط المتاحة للتحميل في الموانئ الخليجية.
ويرى محللون أن هذه التطورات قد تؤدي إلى خفض إضافي في الإمدادات إذا استمرت الأزمة، خصوصاً مع تجنب شركات الشحن إرسال ناقلاتها إلى المنطقة بسبب المخاطر الأمنية.
السعودية تتحرك لتخفيف الضغط
في محاولة للتخفيف من أثر الأزمة على الصادرات، قامت السعودية بتحويل كميات متزايدة من النفط الخام إلى موانئها المطلة على البحر الأحمر لتصديرها عبر مسارات بديلة بعيداً عن مضيق هرمز.
وبحسب بيانات تتبع السفن، ارتفعت الشحنات السعودية من موانئ البحر الأحمر إلى نحو 2.3 مليون برميل يومياً خلال الشهر الجاري، وهو أعلى مستوى منذ سنوات.
غير أن هذه الكميات لا تزال أقل بكثير من الصادرات التي كانت تمر عبر الخليج العربي والتي تجاوزت في الأشهر الأخيرة نحو 6 ملايين برميل يومياً، ما يعني أن قدرة المملكة على تعويض كامل الإمدادات المفقودة تبقى محدودة.
مخاطر على المنشآت النفطية
إلى جانب اضطراب الملاحة البحرية، تزايدت المخاوف في الأسواق من احتمال استهداف منشآت الطاقة في المنطقة، وهو ما قد يفاقم الأزمة.
فقد أعلنت السعودية اعتراض طائرات مسيرة كانت متجهة إلى حقل «شيبة» النفطي الذي تبلغ طاقته الإنتاجية نحو مليون برميل يومياً، في حين استمرت الضربات العسكرية المتبادلة في عدد من دول المنطقة.
ويحذر خبراء الطاقة من أن أي هجوم ناجح على منشآت نفطية رئيسية قد يؤدي إلى صدمة أكبر في السوق العالمية.
«علاوة الخوف» في السوق
في المقابل، يرى بعض المسؤولين أن جزءاً من الارتفاع الحالي في الأسعار يعكس ما يسمى «علاوة الخوف» المرتبطة بالمخاطر الجيوسياسية وليس نقصاً فعلياً في الإمدادات.
وقال وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت إن إمدادات الطاقة العالمية لا تزال كافية، مشيراً إلى أن الأسواق تسعر حالياً مخاوف من حرب طويلة الأمد.
وأضاف أن الاضطرابات الحالية قد تكون مؤقتة، موضحاً أن أسوأ السيناريوهات قد تستمر لأسابيع وليس لأشهر.
لكن شركات الشحن والمتعاملين في السوق يرون أن المخاطر الأمنية على السفن وأطقمها تمثل العقبة الأكبر أمام عودة حركة الملاحة إلى طبيعتها.
تحركات دولية لاحتواء الأزمة
مع ارتفاع الأسعار، بدأت الحكومات في التحرك لاحتواء تداعيات الأزمة على الأسواق.
فقد أعلنت الولايات المتحدة إطلاق برنامج لإعادة التأمين البحري في الخليج يغطي خسائر تصل إلى نحو 20 مليار دولار، في محاولة لتشجيع حركة الشحن في المنطقة.
كما تناقش دول مجموعة السبع إمكانية الإفراج المشترك عن كميات من النفط من الاحتياطيات الاستراتيجية، بالتنسيق مع وكالة الطاقة الدولية، بهدف تهدئة الأسواق.
وتشير التقديرات إلى أن الإفراج عن ما بين 300 و400 مليون برميل من الاحتياطيات قد يساعد في تخفيف الضغط على الأسعار إذا استمرت الأزمة.
ترامب يقلل من المخاوف
في المقابل، قلل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من أهمية ارتفاع أسعار النفط، معتبراً أن الزيادة الحالية تمثل تكلفة مؤقتة لتحقيق الأمن.
وقال في منشور عبر منصته «تروث سوشيال» إن ارتفاع الأسعار «ثمن زهيد» مقابل إزالة التهديد الإيراني، مؤكداً أن الأسعار ستنخفض سريعاً بعد انتهاء الأزمة.
تحذيرات من تضخم عالمي
على الجانب الآخر، حذرت المؤسسات الدولية من أن استمرار ارتفاع أسعار النفط قد يؤدي إلى موجة تضخم عالمية جديدة.
وقالت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا إن كل زيادة بنسبة 10 % في أسعار النفط قد تضيف نحو 40 نقطة أساس إلى التضخم العالمي إذا استمرت لفترة طويلة.
وأضافت أن الأزمة قد تؤثر أيضاً على ثقة الأسواق وعلى آفاق النمو الاقتصادي، خصوصاً إذا طال أمد الاضطرابات في أسواق الطاقة.
آسيا الأكثر تعرضاً للأزمة
تعد آسيا الأكثر عرضة لتداعيات الأزمة نظراً لاعتمادها الكبير على واردات النفط من الشرق الأوسط.
ففي اليابان، التي تستـورد أكثر من 90 % من احتياجاتها النفطية من المنطقة، طلبت شركات التكرير السماح لها بالسحب من الاحتياطيات الاستراتيجية.
كما خفضت الصين صادرات الوقود للحفاظ على الإمدادات المحلية، بينما تدرس كوريا الجنوبية إعادة فرض سقف لأسعار الوقود للمرة الأولى منذ ثلاثة عقود.
سيناريوهات السوق
يرى محللو بنك «آي إن جي» أن السيناريو الأساسي يتمثل في استمرار الاضطرابات في أسواق النفط لمدة أربعة أسابيع.
لكن السيناريو الأكثر تشاؤماً يتمثل في تعطل تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال لمدة تصل إلى ثلاثة أشهر، وهو ما قد يدفع الأسعار إلى مستويات قياسية جديدة خلال العام.
ويقول خبراء الطاقة إن استمرار الحرب أو توسعها قد يجعل أسواق النفط تواجه واحدة من أكبر الصدمات منذ عقود، في وقت يعتمد فيه الاقتصاد العالمي بشكل كبير على استقرار إمدادات الطاقة.