تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صدمة‭ ‬نفطية‭ ‬تهدِّد‭ ‬العالم

صدمة‭ ‬نفطية‭ ‬تهدِّد‭ ‬العالم

دخلت‭ ‬أسواق‭ ‬الطاقة‭ ‬العالمية‭ ‬مرحلة‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭ ‬من‭ ‬القلق‭ ‬والتقلبات،‭ ‬مع‭ ‬تصاعد‭ ‬المخاوف‭ ‬من‭ ‬تحوّل‭ ‬الأزمة‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬إلى‭ ‬صدمة‭ ‬نفطية‭ ‬عالمية‭ ‬قد‭ ‬تدفع‭ ‬الأسعار‭ ‬إلى‭ ‬مستويات‭ ‬تاريخية،‭ ‬بالتزامن‭ ‬مع‭ ‬استنزاف‭ ‬سريع‭ ‬للمخزونات‭ ‬التجارية‭ ‬والاستراتيجية‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم،‭ ‬وتزايدت‭ ‬التحذيرات‭ ‬خلال‭ ‬الأسابيع‭ ‬الأخيرة‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬استمرار‭ ‬تعطل‭ ‬تدفقات‭ ‬النفط‭ ‬عبر‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬سيؤدي‭ ‬إلى‭ ‬اختلالات‭ ‬حادة‭ ‬في‭ ‬الإمدادات،‭ ‬ويضع‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الكبرى‭ ‬والناشئة‭ ‬أمام‭ ‬تحديات‭ ‬تضخمية‭ ‬ومالية‭ ‬معقدة‭ ‬قد‭ ‬تمتد‭ ‬آثارها‭ ‬لسنوات‭.‬
وتعكس‭ ‬التقديرات‭ ‬الصادرة‭ ‬عن‭ ‬المؤسسات‭ ‬الدولية‭ ‬والمصارف‭ ‬الاستثمارية‭ ‬حجم‭ ‬القلق‭ ‬الذي‭ ‬يهيمن‭ ‬على‭ ‬الأسواق،‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬الأزمة‭ ‬مرتبطة‭ ‬فقط‭ ‬بارتفاع‭ ‬الأسعار،‭ ‬بل‭ ‬باتت‭ ‬تشمل‭ ‬تآكل‭ ‬المخزونات‭ ‬العالمية‭ ‬واقتراب‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬من‭ ‬مستويات‭ ‬حرجة‭ ‬تهدد‭ ‬استمرارية‭ ‬الإمدادات‭ ‬التشغيلية،‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬آسيا‭ ‬وأوروبا‭. ‬ويشير‭ ‬محللون‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬العالم‭ ‬يواجه‭ ‬حالياً‭ ‬مزيجاً‭ ‬نادراً‭ ‬من‭ ‬المخاطر‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬اضطراب‭ ‬الإمدادات،‭ ‬وتراجع‭ ‬الطاقة‭ ‬الاحتياطية،‭ ‬واستنزاف‭ ‬المخزون‭ ‬الاستراتيجي،‭ ‬بالتزامن‭ ‬مع‭ ‬استمرار‭ ‬حالة‭ ‬عدم‭ ‬اليقين‭ ‬السياسي‭ ‬والعسكري‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬الأكثر‭ ‬أهمية‭ ‬لإنتاج‭ ‬وتصدير‭ ‬النفط‭ ‬عالمياً‭.‬

سيناريو‭ ‬الأسعار‭ ‬القياسية

في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬توقع‭ ‬معهد‭ ‬كوريا‭ ‬لاقتصاديات‭ ‬الطاقة‭ ‬ارتفاع‭ ‬سعر‭ ‬خام‭ ‬دبي‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬قياسي‭ ‬يبلغ‭ ‬179‭ ‬دولاراً‭ ‬للبرميل‭ ‬خلال‭ ‬النصف‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬العام‭ ‬الجاري‭ ‬إذا‭ ‬استمرت‭ ‬التوترات‭ ‬الحالية‭ ‬لفترة‭ ‬طويلة‭. ‬واعتبر‭ ‬المعهد‭ ‬أن‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬يمثل‭ ‬شرياناً‭ ‬حيوياً‭ ‬لسوق‭ ‬الطاقة‭ ‬العالمية،‭ ‬وأن‭ ‬استمرار‭ ‬تعطل‭ ‬الملاحة‭ ‬فيه‭ ‬قد‭ ‬يتسبب‭ ‬باضطرابات‭ ‬تفوق‭ ‬في‭ ‬آثارها‭ ‬أزمتي‭ ‬النفط‭ ‬الأولى‭ ‬والثانية‭.‬
وطرح‭ ‬المعهد‭ ‬سيناريوهين‭ ‬رئيسيين‭ ‬لمسار‭ ‬الأسعار‭ ‬خلال‭ ‬المرحلة‭ ‬المقبلة‭. ‬السيناريو‭ ‬الأول‭ ‬يفترض‭ ‬احتواء‭ ‬الأزمة‭ ‬وعودة‭ ‬الإمدادات‭ ‬إلى‭ ‬طبيعتها‭ ‬خلال‭ ‬مايو،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يدفع‭ ‬الأسعار‭ ‬إلى‭ ‬ذروة‭ ‬قرب‭ ‬160‭ ‬دولاراً‭ ‬للبرميل‭ ‬في‭ ‬أبريل‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تبدأ‭ ‬بالتراجع‭ ‬التدريجي‭ ‬نحو‭ ‬مستويات‭ ‬أكثر‭ ‬استقراراً‭ ‬بحلول‭ ‬نهاية‭ ‬العام،‭ ‬لتقترب‭ ‬من‭ ‬83‭ ‬دولاراً‭ ‬للبرميل‭. ‬أما‭ ‬السيناريو‭ ‬الثاني،‭ ‬الأكثر‭ ‬تشاؤماً،‭ ‬فيفترض‭ ‬استمرار‭ ‬الأزمة‭ ‬حتى‭ ‬نهاية‭ ‬يونيو‭ ‬وتأخر‭ ‬عودة‭ ‬الملاحة‭ ‬الطبيعية‭ ‬حتى‭ ‬أغسطس،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يرفع‭ ‬خام‭ ‬دبي‭ ‬إلى‭ ‬179‭ ‬دولاراً‭ ‬للبرميل‭ ‬ويُبقي‭ ‬الأسعار‭ ‬مرتفعة‭ ‬لفترة‭ ‬أطول‭ ‬حتى‭ ‬بعد‭ ‬استئناف‭ ‬الإمدادات‭.‬
ويرى‭ ‬المعهد‭ ‬أن‭ ‬استمرار‭ ‬الأسعار‭ ‬المرتفعة‭ ‬سيترك‭ ‬آثاراً‭ ‬واسعة‭ ‬على‭ ‬الحسابات‭ ‬الجارية‭ ‬والتضخم‭ ‬والنمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬العالمي،‭ ‬مؤكداً‭ ‬أن‭ ‬الأزمة‭ ‬الحالية‭ ‬كشفت‭ ‬مجدداً‭ ‬هشاشة‭ ‬منظومة‭ ‬الطاقة‭ ‬العالمية‭ ‬واعتمادها‭ ‬الكبير‭ ‬على‭ ‬مسارات‭ ‬نقل‭ ‬محددة‭. ‬كما‭ ‬دعا‭ ‬إلى‭ ‬مراجعة‭ ‬شاملة‭ ‬لأمن‭ ‬الطاقة‭ ‬على‭ ‬المديين‭ ‬المتوسط‭ ‬والطويل،‭ ‬ووضع‭ ‬خطط‭ ‬إضافية‭ ‬للتعامل‭ ‬مع‭ ‬أي‭ ‬أزمات‭ ‬ممتدة‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭.‬

استنزاف‭ ‬تاريخي‭ ‬للمخزونات

بالتوازي‭ ‬مع‭ ‬قفزات‭ ‬الأسعار،‭ ‬تواجه‭ ‬الأسواق‭ ‬أزمة‭ ‬أخرى‭ ‬أكثر‭ ‬خطورة‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬التراجع‭ ‬السريع‭ ‬للمخزونات‭ ‬العالمية‭. ‬وتشير‭ ‬البيانات‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬العالم‭ ‬يسحب‭ ‬حالياً‭ ‬من‭ ‬احتياطياته‭ ‬النفطية‭ ‬بوتيرة‭ ‬قياسية‭ ‬مع‭ ‬تعطل‭ ‬تدفقات‭ ‬الخليج‭ ‬العربي،‭ ‬ما‭ ‬يقلص‭ ‬هامش‭ ‬الأمان‭ ‬الذي‭ ‬تعتمد‭ ‬عليه‭ ‬الدول‭ ‬والصناعات‭ ‬لمواجهة‭ ‬أي‭ ‬اضطرابات‭ ‬مفاجئة‭.‬
وقدّر‭ ‬مصرف‭ ‬مورغان‭ ‬ستانلي‭ ‬أن‭ ‬المخزونات‭ ‬العالمية‭ ‬انخفضت‭ ‬بنحو‭ ‬4‭.‬8‭ ‬ملايين‭ ‬برميل‭ ‬يومياً‭ ‬بين‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬مارس‭ ‬و25‭ ‬أبريل،‭ ‬وهو‭ ‬معدل‭ ‬يتجاوز‭ ‬بأشواط‭ ‬أي‭ ‬سحب‭ ‬فصلي‭ ‬سابق‭ ‬سجلته‭ ‬وكالة‭ ‬الطاقة‭ ‬الدولية‭. ‬ويشمل‭ ‬هذا‭ ‬الانخفاض‭ ‬النفط‭ ‬الخام‭ ‬والمنتجات‭ ‬المكررة‭ ‬مثل‭ ‬البنزين‭ ‬والديزل‭ ‬ووقود‭ ‬الطائرات‭.‬
وتحذر‭ ‬المؤسسات‭ ‬المالية‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬المشكلة‭ ‬لا‭ ‬تتعلق‭ ‬فقط‭ ‬بحجم‭ ‬المخزون،‭ ‬بل‭ ‬بما‭ ‬يسمى‭ ‬‮«‬الحد‭ ‬الأدنى‭ ‬التشغيلي‮»‬،‭ ‬أي‭ ‬الكميات‭ ‬الضرورية‭ ‬لاستمرار‭ ‬عمل‭ ‬خطوط‭ ‬الأنابيب‭ ‬ومحطات‭ ‬التخزين‭ ‬والتصدير‭ ‬بشكل‭ ‬طبيعي‭. ‬وتقول‭ ‬ناتاشا‭ ‬كانيفا،‭ ‬رئيسة‭ ‬أبحاث‭ ‬السلع‭ ‬العالمية‭ ‬في‭ ‬جي‭ ‬بي‭ ‬مورغان،‭ ‬إن‭ ‬‮«‬ليس‭ ‬كل‭ ‬برميل‭ ‬قابلاً‭ ‬للسحب‮»‬،‭ ‬موضحة‭ ‬أن‭ ‬المخزونات‭ ‬تمثل‭ ‬خط‭ ‬الدفاع‭ ‬الأول‭ ‬للنظام‭ ‬النفطي‭ ‬العالمي،‭ ‬لكن‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬المستويات‭ ‬الحرجة‭ ‬قد‭ ‬يهدد‭ ‬قدرة‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬نفسها‭ ‬على‭ ‬العمل‭ ‬بكفاءة‭.‬
ورغم‭ ‬وجود‭ ‬مؤشرات‭ ‬على‭ ‬تباطؤ‭ ‬نسبي‭ ‬في‭ ‬وتيرة‭ ‬السحب‭ ‬خلال‭ ‬الأيام‭ ‬الأخيرة‭ ‬نتيجة‭ ‬ضعف‭ ‬الطلب‭ ‬الصيني،‭ ‬فإن‭ ‬مصرف‭ ‬غولدمان‭ ‬ساكس‭ ‬أكد‭ ‬أن‭ ‬المخزونات‭ ‬المرئية‭ ‬عالمياً‭ ‬اقتربت‭ ‬بالفعل‭ ‬من‭ ‬أدنى‭ ‬مستوياتها‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬2018،‭ ‬ما‭ ‬يبقي‭ ‬الأسواق‭ ‬شديدة‭ ‬الحساسية‭ ‬لأي‭ ‬اضطراب‭ ‬إضافي‭.‬

آسيا‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬الأزمة

تُعد‭ ‬آسيا‭ ‬المنطقة‭ ‬الأكثر‭ ‬تعرضاً‭ ‬للمخاطر‭ ‬الحالية‭ ‬بحكم‭ ‬اعتمادها‭ ‬الكبير‭ ‬على‭ ‬واردات‭ ‬النفط‭ ‬والغاز‭ ‬من‭ ‬الخليج‭. ‬ويحذر‭ ‬متعاملون‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬دولاً‭ ‬مثل‭ ‬إندونيسيا‭ ‬وفيتنام‭ ‬وباكستان‭ ‬والفلبين‭ ‬قد‭ ‬تواجه‭ ‬نقصاً‭ ‬حاداً‭ ‬في‭ ‬الوقود‭ ‬خلال‭ ‬أسابيع‭ ‬إذا‭ ‬استمرت‭ ‬الأزمة‭ ‬الحالية،‭ ‬فيما‭ ‬تبدو‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الأكبر‭ ‬مثل‭ ‬الصين‭ ‬وكوريا‭ ‬الجنوبية‭ ‬أكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬الصمود‭ ‬بفضل‭ ‬احتياطياتها‭ ‬الكبيرة‭.‬
ويشير‭ ‬محللون‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬الآسيوية‭ ‬بدأت‭ ‬بالفعل‭ ‬تشهد‭ ‬مؤشرات‭ ‬ضغط‭ ‬على‭ ‬الإمدادات،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬أسواق‭ ‬الديزل‭ ‬وغاز‭ ‬البترول‭ ‬المسال‭ ‬والنافثا‭ ‬المستخدمة‭ ‬في‭ ‬الصناعات‭ ‬البتروكيماوية‭. ‬كما‭ ‬تواجه‭ ‬شركات‭ ‬الطيران‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬نقصاً‭ ‬في‭ ‬الوقود‭ ‬دفعها‭ ‬إلى‭ ‬إلغاء‭ ‬رحلات‭ ‬وتقليص‭ ‬العمليات‭ ‬التشغيلية‭.‬
وبحسب‭ ‬بيانات‭ ‬شركة‭ ‬‮«‬كايروس‮»‬،‭ ‬فإن‭ ‬المخزونات‭ ‬في‭ ‬اليابان‭ ‬والهند‭ ‬تراجعت‭ ‬إلى‭ ‬أدنى‭ ‬مستوياتها‭ ‬الموسمية‭ ‬منذ‭ ‬عشر‭ ‬سنوات‭ ‬على‭ ‬الأقـل،‭ ‬منخفضـة‭ ‬بنسبـة‭ ‬50‭ % ‬و10‭ % ‬على‭ ‬التوالي‭ ‬منذ‭ ‬بدء‭ ‬الأزمة‭. ‬كما‭ ‬تعرضت‭ ‬أسواق‭ ‬المنتجات‭ ‬المكررة‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬لضغوط‭ ‬كبيرة‭ ‬نتيجة‭ ‬تعطل‭ ‬تدفقات‭ ‬النفط‭ ‬الخام‭ ‬والغاز‭ ‬من‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭.‬
ورغم‭ ‬أن‭ ‬الصين‭ ‬وكوريا‭ ‬الجنوبية‭ ‬ما‭ ‬تزالان‭ ‬تتمتعان‭ ‬بمستويات‭ ‬مريحة‭ ‬نسبياً‭ ‬من‭ ‬المخزون،‭ ‬فإن‭ ‬بقية‭ ‬آسيا‭ ‬تبدو‭ ‬أكثر‭ ‬هشاشة،‭ ‬خصوصاً‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تمتلك‭ ‬طاقات‭ ‬تكرير‭ ‬محدودة‭ ‬وتعتمد‭ ‬بشكل‭ ‬شبه‭ ‬كامل‭ ‬على‭ ‬الواردات‭. ‬وتشير‭ ‬التقديرات‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬مخزونات‭ ‬النفط‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬آسيا‭ ‬والمحيط‭ ‬الهادئ‭ ‬خارج‭ ‬الصين‭ ‬هبطت‭ ‬بنحو‭ ‬70‭ ‬مليون‭ ‬برميل‭ ‬منذ‭ ‬بداية‭ ‬الأزمة‭.‬

وقود‭ ‬الطائرات‭ ‬يضغط‭ ‬على‭ ‬أوروبا

الأزمة‭ ‬لم‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬آسيا،‭ ‬بل‭ ‬امتدت‭ ‬بقوة‭ ‬إلى‭ ‬أوروبا،‭ ‬حيث‭ ‬بات‭ ‬وقود‭ ‬الطائرات‭ ‬يمثل‭ ‬نقطة‭ ‬الضعف‭ ‬الأكبر‭. ‬وتشير‭ ‬بيانات‭ ‬مراكز‭ ‬التخزين‭ ‬في‭ ‬أمستردام‭ ‬وروتردام‭ ‬وأنتويرب‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬مخزونات‭ ‬وقود‭ ‬الطائرات‭ ‬تراجعت‭ ‬بمقدار‭ ‬الثلث‭ ‬منذ‭ ‬بداية‭ ‬الحرب،‭ ‬لتصل‭ ‬إلى‭ ‬أدنى‭ ‬مستوياتها‭ ‬خلال‭ ‬ست‭ ‬سنوات‭.‬
ويأتي‭ ‬هذا‭ ‬التراجع‭ ‬بالتزامن‭ ‬مع‭ ‬اقتراب‭ ‬موسم‭ ‬السفر‭ ‬الصيفي،‭ ‬ما‭ ‬يزيد‭ ‬الضغوط‭ ‬على‭ ‬شركات‭ ‬الطيران‭ ‬والمطارات‭ ‬الأوروبية‭. ‬ويحذر‭ ‬محللون‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬استمرار‭ ‬الوضع‭ ‬الحالي‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬جفاف‭ ‬المخزونات‭ ‬خلال‭ ‬خمسة‭ ‬أشهر‭ ‬فقط،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬المملكة‭ ‬المتحدة‭ ‬وألمانيا‭ ‬وفرنسا‭ ‬التي‭ ‬تعاني‭ ‬ارتفاع‭ ‬الطلب‭ ‬وضعف‭ ‬الإنتاج‭ ‬المحلي‭.‬

معضلة‭ ‬الاحتياطيات‭ ‬الاستراتيجية

في‭ ‬مواجهة‭ ‬هذه‭ ‬التطورات،‭ ‬لجأت‭ ‬الحكومات‭ ‬إلى‭ ‬استخدام‭ ‬الاحتياطيات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬لمحاولة‭ ‬احتواء‭ ‬الأزمة‭. ‬وقد‭ ‬تعهدت‭ ‬الدول‭ ‬الأعضاء‭ ‬في‭ ‬وكالة‭ ‬الطاقة‭ ‬الدولية‭ ‬بالإفراج‭ ‬عن‭ ‬نحو‭ ‬400‭ ‬مليون‭ ‬برميل‭ ‬من‭ ‬النفط‭ ‬في‭ ‬خطوة‭ ‬طارئة‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬تهدئة‭ ‬الأسواق‭ ‬وتخفيف‭ ‬الضغط‭ ‬على‭ ‬الإمدادات‭.‬
لكن‭ ‬هذه‭ ‬الخطوة‭ ‬تضع‭ ‬الحكومات‭ ‬أمام‭ ‬معضلة‭ ‬معقدة،‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬السحب‭ ‬المستمر‭ ‬من‭ ‬الاحتياطيات‭ ‬يساهم‭ ‬في‭ ‬تهدئة‭ ‬الأسعار‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬القصير،‭ ‬لكنه‭ ‬يقلص‭ ‬هامش‭ ‬الأمان‭ ‬المتاح‭ ‬لمواجهة‭ ‬أي‭ ‬أزمات‭ ‬مستقبلية‭. ‬وتواجه‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬الخصوص‭ ‬ضغوطاً‭ ‬متزايدة‭ ‬بعد‭ ‬انخفاض‭ ‬احتياطياتها‭ ‬إلى‭ ‬مستويات‭ ‬تاريخية‭ ‬متدنية‭ ‬مع‭ ‬ارتفاع‭ ‬الصادرات‭ ‬والسحب‭ ‬المستمر‭ ‬من‭ ‬المخزون‭ ‬الاستراتيجي‭.‬

تضخم‭ ‬وركود‭ ‬محتمل

أدى‭ ‬ارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬بالفعل‭ ‬إلى‭ ‬موجة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬الضغوط‭ ‬التضخمية‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬الاقتصادات‭. ‬فقد‭ ‬ارتفعت‭ ‬تكاليف‭ ‬الوقود‭ ‬والنقل‭ ‬والشحن،‭ ‬فيما‭ ‬بدأت‭ ‬أسعار‭ ‬البنزين‭ ‬والديزل‭ ‬تقفز‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وأوروبا‭ ‬وآسيا،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يهدد‭ ‬بإبطاء‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬العالمي‭ ‬وزيادة‭ ‬مخاطر‭ ‬الركود‭.‬
ويحذر‭ ‬محللون‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬استمرار‭ ‬تراجع‭ ‬المخزونات‭ ‬قد‭ ‬يدفع‭ ‬الأسعار‭ ‬إلى‭ ‬مستويات‭ ‬أعلى‭ ‬بكثير،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬بسبب‭ ‬نقص‭ ‬الإمدادات،‭ ‬بل‭ ‬لأن‭ ‬السوق‭ ‬ستضطر‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬تدمير‭ ‬الطلب‮»‬‭ ‬عبر‭ ‬ارتفاع‭ ‬الأسعار‭ ‬إلى‭ ‬مستويات‭ ‬تقلص‭ ‬الاستهلاك‭ ‬بشكل‭ ‬حاد‭ ‬لإعادة‭ ‬التوازن‭. ‬وتشير‭ ‬تقديرات‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬العالم‭ ‬قد‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬خفض‭ ‬الطلب‭ ‬بنحو‭ ‬5‭.‬6‭ ‬ملايين‭ ‬برميل‭ ‬يومياً‭ ‬خلال‭ ‬الأشهر‭ ‬المقبلة‭ ‬إذا‭ ‬استمرت‭ ‬الأزمة‭.‬

رجوع لأعلى