صدمة نفطية تهدِّد العالم
دخلت أسواق الطاقة العالمية مرحلة غير مسبوقة من القلق والتقلبات، مع تصاعد المخاوف من تحوّل الأزمة الجيوسياسية في الخليج إلى صدمة نفطية عالمية قد تدفع الأسعار إلى مستويات تاريخية، بالتزامن مع استنزاف سريع للمخزونات التجارية والاستراتيجية في مختلف أنحاء العالم، وتزايدت التحذيرات خلال الأسابيع الأخيرة من أن استمرار تعطل تدفقات النفط عبر الخليج العربي سيؤدي إلى اختلالات حادة في الإمدادات، ويضع الاقتصادات الكبرى والناشئة أمام تحديات تضخمية ومالية معقدة قد تمتد آثارها لسنوات.
وتعكس التقديرات الصادرة عن المؤسسات الدولية والمصارف الاستثمارية حجم القلق الذي يهيمن على الأسواق، إذ لم تعد الأزمة مرتبطة فقط بارتفاع الأسعار، بل باتت تشمل تآكل المخزونات العالمية واقتراب بعض الدول من مستويات حرجة تهدد استمرارية الإمدادات التشغيلية، خصوصاً في آسيا وأوروبا. ويشير محللون إلى أن العالم يواجه حالياً مزيجاً نادراً من المخاطر يتمثل في اضطراب الإمدادات، وتراجع الطاقة الاحتياطية، واستنزاف المخزون الاستراتيجي، بالتزامن مع استمرار حالة عدم اليقين السياسي والعسكري في المنطقة الأكثر أهمية لإنتاج وتصدير النفط عالمياً.
سيناريو الأسعار القياسية
في هذا السياق، توقع معهد كوريا لاقتصاديات الطاقة ارتفاع سعر خام دبي إلى مستوى قياسي يبلغ 179 دولاراً للبرميل خلال النصف الأول من العام الجاري إذا استمرت التوترات الحالية لفترة طويلة. واعتبر المعهد أن مضيق هرمز يمثل شرياناً حيوياً لسوق الطاقة العالمية، وأن استمرار تعطل الملاحة فيه قد يتسبب باضطرابات تفوق في آثارها أزمتي النفط الأولى والثانية.
وطرح المعهد سيناريوهين رئيسيين لمسار الأسعار خلال المرحلة المقبلة. السيناريو الأول يفترض احتواء الأزمة وعودة الإمدادات إلى طبيعتها خلال مايو، وهو ما قد يدفع الأسعار إلى ذروة قرب 160 دولاراً للبرميل في أبريل قبل أن تبدأ بالتراجع التدريجي نحو مستويات أكثر استقراراً بحلول نهاية العام، لتقترب من 83 دولاراً للبرميل. أما السيناريو الثاني، الأكثر تشاؤماً، فيفترض استمرار الأزمة حتى نهاية يونيو وتأخر عودة الملاحة الطبيعية حتى أغسطس، وهو ما قد يرفع خام دبي إلى 179 دولاراً للبرميل ويُبقي الأسعار مرتفعة لفترة أطول حتى بعد استئناف الإمدادات.
ويرى المعهد أن استمرار الأسعار المرتفعة سيترك آثاراً واسعة على الحسابات الجارية والتضخم والنمو الاقتصادي العالمي، مؤكداً أن الأزمة الحالية كشفت مجدداً هشاشة منظومة الطاقة العالمية واعتمادها الكبير على مسارات نقل محددة. كما دعا إلى مراجعة شاملة لأمن الطاقة على المديين المتوسط والطويل، ووضع خطط إضافية للتعامل مع أي أزمات ممتدة في المستقبل.
استنزاف تاريخي للمخزونات
بالتوازي مع قفزات الأسعار، تواجه الأسواق أزمة أخرى أكثر خطورة تتمثل في التراجع السريع للمخزونات العالمية. وتشير البيانات إلى أن العالم يسحب حالياً من احتياطياته النفطية بوتيرة قياسية مع تعطل تدفقات الخليج العربي، ما يقلص هامش الأمان الذي تعتمد عليه الدول والصناعات لمواجهة أي اضطرابات مفاجئة.
وقدّر مصرف مورغان ستانلي أن المخزونات العالمية انخفضت بنحو 4.8 ملايين برميل يومياً بين الأول من مارس و25 أبريل، وهو معدل يتجاوز بأشواط أي سحب فصلي سابق سجلته وكالة الطاقة الدولية. ويشمل هذا الانخفاض النفط الخام والمنتجات المكررة مثل البنزين والديزل ووقود الطائرات.
وتحذر المؤسسات المالية من أن المشكلة لا تتعلق فقط بحجم المخزون، بل بما يسمى «الحد الأدنى التشغيلي»، أي الكميات الضرورية لاستمرار عمل خطوط الأنابيب ومحطات التخزين والتصدير بشكل طبيعي. وتقول ناتاشا كانيفا، رئيسة أبحاث السلع العالمية في جي بي مورغان، إن «ليس كل برميل قابلاً للسحب»، موضحة أن المخزونات تمثل خط الدفاع الأول للنظام النفطي العالمي، لكن الوصول إلى المستويات الحرجة قد يهدد قدرة البنية التحتية نفسها على العمل بكفاءة.
ورغم وجود مؤشرات على تباطؤ نسبي في وتيرة السحب خلال الأيام الأخيرة نتيجة ضعف الطلب الصيني، فإن مصرف غولدمان ساكس أكد أن المخزونات المرئية عالمياً اقتربت بالفعل من أدنى مستوياتها منذ عام 2018، ما يبقي الأسواق شديدة الحساسية لأي اضطراب إضافي.
آسيا في قلب الأزمة
تُعد آسيا المنطقة الأكثر تعرضاً للمخاطر الحالية بحكم اعتمادها الكبير على واردات النفط والغاز من الخليج. ويحذر متعاملون من أن دولاً مثل إندونيسيا وفيتنام وباكستان والفلبين قد تواجه نقصاً حاداً في الوقود خلال أسابيع إذا استمرت الأزمة الحالية، فيما تبدو الاقتصادات الأكبر مثل الصين وكوريا الجنوبية أكثر قدرة على الصمود بفضل احتياطياتها الكبيرة.
ويشير محللون إلى أن بعض الدول الآسيوية بدأت بالفعل تشهد مؤشرات ضغط على الإمدادات، خاصة في أسواق الديزل وغاز البترول المسال والنافثا المستخدمة في الصناعات البتروكيماوية. كما تواجه شركات الطيران في بعض الدول نقصاً في الوقود دفعها إلى إلغاء رحلات وتقليص العمليات التشغيلية.
وبحسب بيانات شركة «كايروس»، فإن المخزونات في اليابان والهند تراجعت إلى أدنى مستوياتها الموسمية منذ عشر سنوات على الأقـل، منخفضـة بنسبـة 50 % و10 % على التوالي منذ بدء الأزمة. كما تعرضت أسواق المنتجات المكررة في المنطقة لضغوط كبيرة نتيجة تعطل تدفقات النفط الخام والغاز من الشرق الأوسط.
ورغم أن الصين وكوريا الجنوبية ما تزالان تتمتعان بمستويات مريحة نسبياً من المخزون، فإن بقية آسيا تبدو أكثر هشاشة، خصوصاً الدول التي تمتلك طاقات تكرير محدودة وتعتمد بشكل شبه كامل على الواردات. وتشير التقديرات إلى أن مخزونات النفط في منطقة آسيا والمحيط الهادئ خارج الصين هبطت بنحو 70 مليون برميل منذ بداية الأزمة.
وقود الطائرات يضغط على أوروبا
الأزمة لم تقتصر على آسيا، بل امتدت بقوة إلى أوروبا، حيث بات وقود الطائرات يمثل نقطة الضعف الأكبر. وتشير بيانات مراكز التخزين في أمستردام وروتردام وأنتويرب إلى أن مخزونات وقود الطائرات تراجعت بمقدار الثلث منذ بداية الحرب، لتصل إلى أدنى مستوياتها خلال ست سنوات.
ويأتي هذا التراجع بالتزامن مع اقتراب موسم السفر الصيفي، ما يزيد الضغوط على شركات الطيران والمطارات الأوروبية. ويحذر محللون من أن استمرار الوضع الحالي قد يؤدي إلى جفاف المخزونات خلال خمسة أشهر فقط، خاصة في المملكة المتحدة وألمانيا وفرنسا التي تعاني ارتفاع الطلب وضعف الإنتاج المحلي.
معضلة الاحتياطيات الاستراتيجية
في مواجهة هذه التطورات، لجأت الحكومات إلى استخدام الاحتياطيات الاستراتيجية لمحاولة احتواء الأزمة. وقد تعهدت الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية بالإفراج عن نحو 400 مليون برميل من النفط في خطوة طارئة تهدف إلى تهدئة الأسواق وتخفيف الضغط على الإمدادات.
لكن هذه الخطوة تضع الحكومات أمام معضلة معقدة، إذ إن السحب المستمر من الاحتياطيات يساهم في تهدئة الأسعار على المدى القصير، لكنه يقلص هامش الأمان المتاح لمواجهة أي أزمات مستقبلية. وتواجه الولايات المتحدة على وجه الخصوص ضغوطاً متزايدة بعد انخفاض احتياطياتها إلى مستويات تاريخية متدنية مع ارتفاع الصادرات والسحب المستمر من المخزون الاستراتيجي.
تضخم وركود محتمل
أدى ارتفاع أسعار النفط بالفعل إلى موجة جديدة من الضغوط التضخمية في مختلف الاقتصادات. فقد ارتفعت تكاليف الوقود والنقل والشحن، فيما بدأت أسعار البنزين والديزل تقفز في الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا، الأمر الذي يهدد بإبطاء النمو الاقتصادي العالمي وزيادة مخاطر الركود.
ويحذر محللون من أن استمرار تراجع المخزونات قد يدفع الأسعار إلى مستويات أعلى بكثير، ليس فقط بسبب نقص الإمدادات، بل لأن السوق ستضطر إلى «تدمير الطلب» عبر ارتفاع الأسعار إلى مستويات تقلص الاستهلاك بشكل حاد لإعادة التوازن. وتشير تقديرات إلى أن العالم قد يحتاج إلى خفض الطلب بنحو 5.6 ملايين برميل يومياً خلال الأشهر المقبلة إذا استمرت الأزمة.