صراع الطاقة العالمي تغيّر قواعد أسواق الغاز
الأسواق الإقليمية للغاز الطبيعي المسال
هناك ثلاثة أسواق إقليمية رئيسية للغاز الطبيعي وهي: أمريكا الشمالية وأوروبا، وآسيا، وينشأ التقديم الإقليمي بسبب صعوبات النقل والاختلافات في تكوين الأسعار الإقليمية والعوامل التنظيمية، ويعتبر نقل الغاز الطبيعي أكثر صعوبة من نقل النفط الخام إذا كانت المسافة طويلة جداً بحيث لا يمكن عبورها عبر خطوط الأنابيب، فيجب تحويل الغاز الطبيعي إلى غاز طبيعي مسال لأغراض النقل، وهو ما تعتبر البنية التحتية له مكلفة للغاية، وتختلف آليات تكوين الأسعار أيضاً بين المناطق، مما قد يحد من نطاق المنافسة.
وفي الواقع، ينقسم السوق إلى ثلاث مناطق استهلاك رئيسية بدلاً من سوق عالمي واحد: أميركا الشمالية، وآسيا والمحيط الهادئ وأوروبا.
منطقة أمريكا الشمالية
ففي أمريكا الشمالية، لدى الولايات المتحدة وكندا والمكسيك وصلات خطوط أنابيب قوية وتعتبر الصادرات إلى هذه البلدان عادة جزءاً من مزيج توريد متكامل، بفضل الإمدادات الكبيرة من الغاز الطبيعي ونظام خطوط الأنابيب واسع النطاق، تمكنت منطقة أمريكا الشمالية / حوض المحيط الأطلسي تاريخياً من توفير جميع احتياجاتها من الغاز الطبيعي تقريباً من مصادر محلية، وكان لسوق أميركا الشمالية حوافز مختلفة تتعلق بالواردات والصادرات طوال القرن العشرين، كان لدى الولايات المتحدة والمكسيك وكندا وفرة في خطوط الأنابيب في الإمدادات، لذلك، وحتى أزمة الطاقة في السبعينيات، كانت الدول المذكورة قادرة على تغطية جميع احتياجاتها من الغاز فيما بينها، وفي السبعينيات، بدأت الولايات المتحدة في استيردا الغاز الطبيعي المسال مؤقتاً من الجزائر، ومع ذلك، بما أن فترة الثمانينيات كانت عقداً من زيادة العرض، بدأت محطات استيراد الغاز الطبيعي المسال في الإغلاق، ومع ثورة الغاز الصخري في العقود التالية، أصبحت الولايات المتحدة مصدراً صافياً رئيسياً وتحولت المحطات التي كانت تستخدم سابقاً للواردات إلى محطات للتسييل والتصدير.
تم إنشاء أول سوق للغاز الطبيعي المسال في العالم في أوروبا خلال عام 1964 عندما تم إرسال شحنات الغاز الطبيعي المسال من الجزائر إلى المملكة المتحدة تبعتها عمليات التسليم إلى فرنسا وإسبانيا وإيطاليا بعد فترة وجيزة وبدأت دول أوروبية أخرى، مثل تركيا واليونان والبرتغال، في استيراد الغاز الطبيعي المسال في تسعينيات القرن العشرين وأوائل هذه الألفية، كما سمح اكتشاف الغاز الطبيعي في بحر الشمال للمملكة المتحدة بوقف واردات الغاز الطبيعي المسال حتى وقت قريب نسبياً عندما استلزم انخفاض احتياطيات بحر الشمال استئناف واردات الغاز الطبيعي المسال إلى المملكة المتحدة.الأسواق الإقليمية للغاز الطبيعي المسال
لا يعمل سوق الغاز الطبيعي المسال كسوق عالمي موحّد، بل ينقسم إلى ثلاثة أسواق إقليمية رئيسية تشمل أميركا الشمالية وأوروبا وآسيا. ويعود هذا التقسيم إلى تحديات النقل لمسافات بعيدة، واختلاف آليات تسعير الغاز بين المناطق، إلى جانب التباينات التنظيمية. فبخلاف النفط الخام، يتطلب نقل الغاز عبر المسافات الطويلة تسييله، وهي عملية مكلفة تعتمد على بنية تحتية معقدة، ما يحدّ من مرونة التجارة العالمية ويقلّص نطاق المنافسة بين الأسواق.
وبناءً على ذلك، تشكّل كل من أميركا الشمالية، وأوروبا، ومنطقة آسيا والمحيط الهادئ مراكز استهلاك مستقلة نسبياً، لكل منها خصائصها وظروفها الخاصة.
أميركا الشمالية
تتميّز منطقة أميركا الشمالية بشبكة واسعة ومترابطة من خطوط الأنابيب بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، ما جعل الغاز الطبيعي جزءاً أساسياً من مزيج الطاقة الإقليمي. وعلى مدى عقود، اعتمدت هذه الدول بشكل شبه كامل على الإنتاج المحلي لتلبية احتياجاتها، مستفيدة من وفرة الموارد والبنية التحتية المتطورة.
وخلال معظم القرن العشرين، لم تكن واردات الغاز الطبيعي المسال تشكّل عنصراً رئيسياً في السوق، باستثناء فترة قصيرة في سبعينيات القرن الماضي عندما استوردت الولايات المتحدة شحنات محدودة من الجزائر. إلا أن زيادة المعروض في الثمانينيات أدت إلى إغلاق عدد من محطات الاستيراد. ومع انطلاق ثورة الغاز الصخري في العقود اللاحقة، تحوّلت الولايات المتحدة إلى أحد أكبر المصدّرين عالمياً، وأُعيد توظيف محطات الاستيراد السابقة لتصبح مرافق للتسييل والتصدير.
أوروبا
شهدت أوروبا ولادة أول سوق للغاز الطبيعي المسال في العالم عام 1964، مع بدء تصدير الشحنات من الجزائر إلى المملكة المتحدة، قبل أن تمتد الإمدادات لاحقاً إلى فرنسا وإسبانيا وإيطاليا. وفي تسعينيات القرن الماضي ومطلع الألفية، انضمت دول أوروبية أخرى، مثل تركيا واليونان والبرتغال، إلى قائمة المستوردين.
وسمح اكتشاف الغاز في بحر الشمال للمملكة المتحدة بالاستغناء عن واردات الغاز الطبيعي المسال لفترة طويلة، إلا أن تراجع الاحتياطيات لاحقاً أعاد الحاجة إلى الاستيراد، ما عزّز مجدداً دور الغاز المسال في مزيج الطاقة الأوروبي.
هيمنة الأنابيب
وصعود الغاز المسال
حتى وقت قريب، سجّل سوق الغاز الطبيعي المسال في أوروبا نموًا محدودًا، إذ واجه منافسة مباشرة من إمدادات الغاز المنقولة عبر شبكات الأنابيب القائمة. واعتمدت القارة الأوروبية بشكل أساسي على ثلاثة مورّدين رئيسيين عبر الأنابيب، هم روسيا والجزائر والنرويج، ما عزّز نموذج التوريد التقليدي وأضعف توسّع الغاز المسال في بداياته.
وفي المقابل، كانت معظم الدول المصدّرة توجّه الجزء الأكبر من إنتاجها إلى السوق الأوروبية، حيث انتهى أكثر من 80 % من صادرات بعض المنتجين في المحطات الأوروبية، ما وضع الاتحاد الأوروبي في موقع المستهلك الواحد أمام عدد كبير من المورّدين، وهو ما يشبه نموذج «الاحتكار الأحادي».
وخلال ما عُرف بـ«معركة خطوط الأنابيب»، حافظت روسيا على موقعها كمصدر مهيمن للغاز عبر الأنابيب، مع امتداد شبكاتها إلى مساحات واسعة من أوروبا. ومع ذلك، برزت القارة الأوروبية كسوق موازنة عالمية، قادرة على استيعاب الفوائض من شحنات الغاز الطبيعي المسال. وفي عام 2019، استحوذت أوروبا على أكثر من 24 % من إجمالي واردات الغاز المسال عالميًا.
ومع اندلاع الصراع في أوكرانيا، تسارع التحول الأوروبي من الاعتماد على الغاز الروسي المنقول عبر الأنابيب إلى الغاز الطبيعي المسال، ما رفع حصته في مزيج الطاقة الأوروبي وقلّص الفجوة مع الأسواق الآسيوية، وسط توقعات بتغيّرات جوهرية في آليات تسويق الغاز المسال في السنوات المقبلة.
آسيا والمحيط الهادئ: القلب النابض لسوق الغاز المسال
تُعد منطقة آسيا والمحيط الهادئ تاريخيًا أكبر سوق للغاز الطبيعي المسال في العالم، وأكثرها ديناميكية من حيث النمو الاقتصادي والطاقي. وأسهمت كارثة “فوكوشيما – داييتشي” في اليابان في إعادة توجيه تدفقات الغاز المسال نحو آسيا، حيث تعتمد العديد من الدول الساحلية، التي تفتقر إلى شبكات أنابيب برية، على الواردات البحرية لتأمين احتياجاتها من الغاز.
وتُجسّد اليابان هذا النموذج بوضوح، إذ تُعد أكبر مستورد للغاز الطبيعي المسال عالميًا، في حين تتصدر قطر قائمة المصدّرين. وتأتي كوريا الجنوبية وتايوان في المرتبتين التاليتين من حيث الاستيراد، وتعتمد هذه الدول الثلاث بشكل شبه كامل على الغاز المسال في ظل محدودية الموارد المحلية.
وخلال السنوات الأخيرة، برزت الصين والهند كمستوردين صاعدين للغاز الطبيعي المسال، مع توقعات بتحولهما إلى لاعبين رئيسيين في السوق العالمية على المدى المتوسط والطويل. وبوجه عام، ظلت منطقة آسيا والمحيط الهادئ المحرّك الأساسي للطلب العالمي على الغاز المسال.
ويمكن تقسيم سوق آسيا والمحيط الهادئ إلى ثلاث فئات رئيسية:
الأسواق المتقدمة والناضجة، والأسواق الناشئة وعلى رأسها الصين والهند، إضافة إلى أسواق جنوب شرق آسيا التي تشهد نمواً متسارعاً في الطلب.
تكوين الأسعار العالمية للغاز الطبيعي المسال في 2023
شكّلت واردات الغاز الطبيعي المسال خلال عام 2023 نحو 12 % من إجمالي الاستهلاك العالمي للغاز، الذي بلغ قرابة 501 مليار متر مكعب. ويعكس هذا الحجم أهمية الغاز المسال في منظومة التسعير العالمية، حيث انقسمت الواردات تقريباً بالتساوي بين آليتين رئيسيتين للتسعير: التسعير المرتبط بالنفط، الذي استحوذ على 50.3 %، وآلية تسعير منافسة الغاز بالغاز، التي بلغت نسبتها 49.7 %.
وبلغ حجم الغاز المتداول وفق آلية تسعير الغاز بالغاز نحو 249 مليار متر مكعب، وتوزع بين الأسواق المتداولة في أميركا الشمالية وعدد من الدول الأوروبية مثل المملكة المتحدة وبلجيكا وفرنسا وهولندا، حيث تعتمد هذه الأسواق على مؤشرات التسعير المحلية والمراكز التجارية. كما شملت هذه الآلية واردات الأسواق التي تعتمد بدرجة كبيرة على الشحنات الفورية وقصيرة الأجل، وهو نمط يميز غالبية الدول المستوردة للغاز المسال، وعلى رأسها اليابان، إلى جانب الصين والهند وكوريا الجنوبية وتركيا وإسبانيا، فضلًا عن دول في أميركا اللاتينية مثل الأرجنتين والبرازيل، إضافة إلى الكميات غير المتعاقد عليها في الأسواق المتداولة.
وفي أوروبا، جرى تسعير نحو 84 % من واردات الغاز الطبيعي وفق آلية منافسة الغاز بالغاز، ما يعكس التحول المتسارع نحو التسعير السوقي. في المقابل، بلغ حجم الغاز المسعّر وفق آلية الربط بأسعار النفط نحو 252 مليار متر مكعب، وتركز معظمه في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، ولا سيما في اليابان وكوريا الجنوبية وتايبيه الصينية، تلتها أسواق آسيوية أخرى مثل الصين والهند وباكستان، إضافة إلى عدد من الدول الأوروبية، أبرزها فرنسا وإسبانيا وتركيا والبرتغال وإيطاليا وبولندا.