تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صراع‭ ‬الطاقة‭ ‬العالمي‭ ‬تغيّر‭ ‬قواعد‭ ‬أسواق‭ ‬الغاز

EE61

الأسواق‭ ‬الإقليمية‭ ‬للغاز ‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال
هناك‭ ‬ثلاثة‭ ‬أسواق‭ ‬إقليمية‭ ‬رئيسية‭ ‬للغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬وهي‭: ‬أمريكا‭ ‬الشمالية‭ ‬وأوروبا،‭ ‬وآسيا،‭ ‬وينشأ‭ ‬التقديم‭ ‬الإقليمي‭ ‬بسبب‭ ‬صعوبات‭ ‬النقل‭ ‬والاختلافات‭ ‬في‭ ‬تكوين‭ ‬الأسعار‭ ‬الإقليمية‭ ‬والعوامل‭ ‬التنظيمية،‭ ‬ويعتبر‭ ‬نقل‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬أكثر‭ ‬صعوبة‭ ‬من‭ ‬نقل‭ ‬النفط‭ ‬الخام‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬المسافة‭ ‬طويلة‭ ‬جداً‭ ‬بحيث‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬عبورها‭ ‬عبر‭ ‬خطوط‭ ‬الأنابيب،‭ ‬فيجب‭ ‬تحويل‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬إلى‭ ‬غاز‭ ‬طبيعي‭ ‬مسال‭ ‬لأغراض‭ ‬النقل،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬تعتبر‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬له‭ ‬مكلفة‭ ‬للغاية،‭ ‬وتختلف‭ ‬آليات‭ ‬تكوين‭ ‬الأسعار‭ ‬أيضاً‭ ‬بين‭ ‬المناطق،‭ ‬مما‭ ‬قد‭ ‬يحد‭ ‬من‭ ‬نطاق‭ ‬المنافسة‭.‬
وفي‭ ‬الواقع،‭ ‬ينقسم‭ ‬السوق‭ ‬إلى‭ ‬ثلاث‭ ‬مناطق‭ ‬استهلاك‭ ‬رئيسية‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬سوق‭ ‬عالمي‭ ‬واحد‭: ‬أميركا‭ ‬الشمالية،‭ ‬وآسيا‭ ‬والمحيط‭ ‬الهادئ‭ ‬وأوروبا‭.‬

منطقة‭ ‬أمريكا‭ ‬الشمالية
ففي‭ ‬أمريكا‭ ‬الشمالية،‭ ‬لدى‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وكندا‭ ‬والمكسيك‭ ‬وصلات‭ ‬خطوط‭ ‬أنابيب‭ ‬قوية‭ ‬وتعتبر‭ ‬الصادرات‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬البلدان‭ ‬عادة‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬مزيج‭ ‬توريد‭ ‬متكامل،‭ ‬بفضل‭ ‬الإمدادات‭ ‬الكبيرة‭ ‬من‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬ونظام‭ ‬خطوط‭ ‬الأنابيب‭ ‬واسع‭ ‬النطاق،‭ ‬تمكنت‭ ‬منطقة‭ ‬أمريكا‭ ‬الشمالية‭ / ‬حوض‭ ‬المحيط‭ ‬الأطلسي‭ ‬تاريخياً‭ ‬من‭ ‬توفير‭ ‬جميع‭ ‬احتياجاتها‭ ‬من‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬تقريباً‭ ‬من‭ ‬مصادر‭ ‬محلية،‭ ‬وكان‭ ‬لسوق‭ ‬أميركا‭ ‬الشمالية‭ ‬حوافز‭ ‬مختلفة‭ ‬تتعلق‭ ‬بالواردات‭ ‬والصادرات‭ ‬طوال‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬كان‭ ‬لدى‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬والمكسيك‭ ‬وكندا‭ ‬وفرة‭ ‬في‭ ‬خطوط‭ ‬الأنابيب‭ ‬في‭ ‬الإمدادات،‭ ‬لذلك،‭ ‬وحتى‭ ‬أزمة‭ ‬الطاقة‭ ‬في‭ ‬السبعينيات،‭ ‬كانت‭ ‬الدول‭ ‬المذكورة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬تغطية‭ ‬جميع‭ ‬احتياجاتها‭ ‬من‭ ‬الغاز‭ ‬فيما‭ ‬بينها،‭ ‬وفي‭ ‬السبعينيات،‭ ‬بدأت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬استيردا‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال‭ ‬مؤقتاً‭ ‬من‭ ‬الجزائر،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬بما‭ ‬أن‭ ‬فترة‭ ‬الثمانينيات‭ ‬كانت‭ ‬عقداً‭ ‬من‭ ‬زيادة‭ ‬العرض،‭ ‬بدأت‭ ‬محطات‭ ‬استيراد‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال‭ ‬في‭ ‬الإغلاق،‭ ‬ومع‭ ‬ثورة‭ ‬الغاز‭ ‬الصخري‭ ‬في‭ ‬العقود‭ ‬التالية،‭ ‬أصبحت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬مصدراً‭ ‬صافياً‭ ‬رئيسياً‭ ‬وتحولت‭ ‬المحطات‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تستخدم‭ ‬سابقاً‭ ‬للواردات‭ ‬إلى‭ ‬محطات‭ ‬للتسييل‭ ‬والتصدير‭.‬
تم‭ ‬إنشاء‭ ‬أول‭ ‬سوق‭ ‬للغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬خلال‭ ‬عام‭ ‬1964‭ ‬عندما‭ ‬تم‭ ‬إرسال‭ ‬شحنات‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال‭ ‬من‭ ‬الجزائر‭ ‬إلى‭ ‬المملكة‭ ‬المتحدة‭ ‬تبعتها‭ ‬عمليات‭ ‬التسليم‭ ‬إلى‭ ‬فرنسا‭ ‬وإسبانيا‭ ‬وإيطاليا‭ ‬بعد‭ ‬فترة‭ ‬وجيزة‭ ‬وبدأت‭ ‬دول‭ ‬أوروبية‭ ‬أخرى،‭ ‬مثل‭ ‬تركيا‭ ‬واليونان‭ ‬والبرتغال،‭ ‬في‭ ‬استيراد‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال‭ ‬في‭ ‬تسعينيات‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬وأوائل‭ ‬هذه‭ ‬الألفية،‭ ‬كما‭ ‬سمح‭ ‬اكتشاف‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬في‭ ‬بحر‭ ‬الشمال‭ ‬للمملكة‭ ‬المتحدة‭ ‬بوقف‭ ‬واردات‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال‭ ‬حتى‭ ‬وقت‭ ‬قريب‭ ‬نسبياً‭ ‬عندما‭ ‬استلزم‭ ‬انخفاض‭ ‬احتياطيات‭ ‬بحر‭ ‬الشمال‭ ‬استئناف‭ ‬واردات‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال‭ ‬إلى‭ ‬المملكة‭ ‬المتحدة‭.‬الأسواق‭ ‬الإقليمية‭ ‬للغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال
لا‭ ‬يعمل‭ ‬سوق‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال‭ ‬كسوق‭ ‬عالمي‭ ‬موحّد،‭ ‬بل‭ ‬ينقسم‭ ‬إلى‭ ‬ثلاثة‭ ‬أسواق‭ ‬إقليمية‭ ‬رئيسية‭ ‬تشمل‭ ‬أميركا‭ ‬الشمالية‭ ‬وأوروبا‭ ‬وآسيا‭. ‬ويعود‭ ‬هذا‭ ‬التقسيم‭ ‬إلى‭ ‬تحديات‭ ‬النقل‭ ‬لمسافات‭ ‬بعيدة،‭ ‬واختلاف‭ ‬آليات‭ ‬تسعير‭ ‬الغاز‭ ‬بين‭ ‬المناطق،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬التباينات‭ ‬التنظيمية‭. ‬فبخلاف‭ ‬النفط‭ ‬الخام،‭ ‬يتطلب‭ ‬نقل‭ ‬الغاز‭ ‬عبر‭ ‬المسافات‭ ‬الطويلة‭ ‬تسييله،‭ ‬وهي‭ ‬عملية‭ ‬مكلفة‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬بنية‭ ‬تحتية‭ ‬معقدة،‭ ‬ما‭ ‬يحدّ‭ ‬من‭ ‬مرونة‭ ‬التجارة‭ ‬العالمية‭ ‬ويقلّص‭ ‬نطاق‭ ‬المنافسة‭ ‬بين‭ ‬الأسواق‭.‬
وبناءً‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬تشكّل‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬أميركا‭ ‬الشمالية،‭ ‬وأوروبا،‭ ‬ومنطقة‭ ‬آسيا‭ ‬والمحيط‭ ‬الهادئ‭ ‬مراكز‭ ‬استهلاك‭ ‬مستقلة‭ ‬نسبياً،‭ ‬لكل‭ ‬منها‭ ‬خصائصها‭ ‬وظروفها‭ ‬الخاصة‭.‬

أميركا‭ ‬الشمالية

تتميّز‭ ‬منطقة‭ ‬أميركا‭ ‬الشمالية‭ ‬بشبكة‭ ‬واسعة‭ ‬ومترابطة‭ ‬من‭ ‬خطوط‭ ‬الأنابيب‭ ‬بين‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وكندا‭ ‬والمكسيك،‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬جزءاً‭ ‬أساسياً‭ ‬من‭ ‬مزيج‭ ‬الطاقة‭ ‬الإقليمي‭. ‬وعلى‭ ‬مدى‭ ‬عقود،‭ ‬اعتمدت‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬بشكل‭ ‬شبه‭ ‬كامل‭ ‬على‭ ‬الإنتاج‭ ‬المحلي‭ ‬لتلبية‭ ‬احتياجاتها،‭ ‬مستفيدة‭ ‬من‭ ‬وفرة‭ ‬الموارد‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية‭ ‬المتطورة‭.‬
وخلال‭ ‬معظم‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬واردات‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال‭ ‬تشكّل‭ ‬عنصراً‭ ‬رئيسياً‭ ‬في‭ ‬السوق،‭ ‬باستثناء‭ ‬فترة‭ ‬قصيرة‭ ‬في‭ ‬سبعينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬عندما‭ ‬استوردت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬شحنات‭ ‬محدودة‭ ‬من‭ ‬الجزائر‭. ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬زيادة‭ ‬المعروض‭ ‬في‭ ‬الثمانينيات‭ ‬أدت‭ ‬إلى‭ ‬إغلاق‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬محطات‭ ‬الاستيراد‭. ‬ومع‭ ‬انطلاق‭ ‬ثورة‭ ‬الغاز‭ ‬الصخري‭ ‬في‭ ‬العقود‭ ‬اللاحقة،‭ ‬تحوّلت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬إلى‭ ‬أحد‭ ‬أكبر‭ ‬المصدّرين‭ ‬عالمياً،‭ ‬وأُعيد‭ ‬توظيف‭ ‬محطات‭ ‬الاستيراد‭ ‬السابقة‭ ‬لتصبح‭ ‬مرافق‭ ‬للتسييل‭ ‬والتصدير‭.‬

أوروبا

شهدت‭ ‬أوروبا‭ ‬ولادة‭ ‬أول‭ ‬سوق‭ ‬للغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬عام‭ ‬1964،‭ ‬مع‭ ‬بدء‭ ‬تصدير‭ ‬الشحنات‭ ‬من‭ ‬الجزائر‭ ‬إلى‭ ‬المملكة‭ ‬المتحدة،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تمتد‭ ‬الإمدادات‭ ‬لاحقاً‭ ‬إلى‭ ‬فرنسا‭ ‬وإسبانيا‭ ‬وإيطاليا‭. ‬وفي‭ ‬تسعينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬ومطلع‭ ‬الألفية،‭ ‬انضمت‭ ‬دول‭ ‬أوروبية‭ ‬أخرى،‭ ‬مثل‭ ‬تركيا‭ ‬واليونان‭ ‬والبرتغال،‭ ‬إلى‭ ‬قائمة‭ ‬المستوردين‭.‬
وسمح‭ ‬اكتشاف‭ ‬الغاز‭ ‬في‭ ‬بحر‭ ‬الشمال‭ ‬للمملكة‭ ‬المتحدة‭ ‬بالاستغناء‭ ‬عن‭ ‬واردات‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال‭ ‬لفترة‭ ‬طويلة،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬تراجع‭ ‬الاحتياطيات‭ ‬لاحقاً‭ ‬أعاد‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬الاستيراد،‭ ‬ما‭ ‬عزّز‭ ‬مجدداً‭ ‬دور‭ ‬الغاز‭ ‬المسال‭ ‬في‭ ‬مزيج‭ ‬الطاقة‭ ‬الأوروبي‭.‬

هيمنة‭ ‬الأنابيب‭ ‬
وصعود‭ ‬الغاز‭ ‬المسال

حتى‭ ‬وقت‭ ‬قريب،‭ ‬سجّل‭ ‬سوق‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬نموًا‭ ‬محدودًا،‭ ‬إذ‭ ‬واجه‭ ‬منافسة‭ ‬مباشرة‭ ‬من‭ ‬إمدادات‭ ‬الغاز‭ ‬المنقولة‭ ‬عبر‭ ‬شبكات‭ ‬الأنابيب‭ ‬القائمة‭. ‬واعتمدت‭ ‬القارة‭ ‬الأوروبية‭ ‬بشكل‭ ‬أساسي‭ ‬على‭ ‬ثلاثة‭ ‬مورّدين‭ ‬رئيسيين‭ ‬عبر‭ ‬الأنابيب،‭ ‬هم‭ ‬روسيا‭ ‬والجزائر‭ ‬والنرويج،‭ ‬ما‭ ‬عزّز‭ ‬نموذج‭ ‬التوريد‭ ‬التقليدي‭ ‬وأضعف‭ ‬توسّع‭ ‬الغاز‭ ‬المسال‭ ‬في‭ ‬بداياته‭.‬
وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬كانت‭ ‬معظم‭ ‬الدول‭ ‬المصدّرة‭ ‬توجّه‭ ‬الجزء‭ ‬الأكبر‭ ‬من‭ ‬إنتاجها‭ ‬إلى‭ ‬السوق‭ ‬الأوروبية،‭ ‬حيث‭ ‬انتهى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬80‭ % ‬من‭ ‬صادرات‭ ‬بعض‭ ‬المنتجين‭ ‬في‭ ‬المحطات‭ ‬الأوروبية،‭ ‬ما‭ ‬وضع‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬المستهلك‭ ‬الواحد‭ ‬أمام‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬المورّدين،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يشبه‭ ‬نموذج‭ ‬‮«‬الاحتكار‭ ‬الأحادي‮»‬‭.‬
وخلال‭ ‬ما‭ ‬عُرف‭ ‬بـ«معركة‭ ‬خطوط‭ ‬الأنابيب‮»‬،‭ ‬حافظت‭ ‬روسيا‭ ‬على‭ ‬موقعها‭ ‬كمصدر‭ ‬مهيمن‭ ‬للغاز‭ ‬عبر‭ ‬الأنابيب،‭ ‬مع‭ ‬امتداد‭ ‬شبكاتها‭ ‬إلى‭ ‬مساحات‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬أوروبا‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬برزت‭ ‬القارة‭ ‬الأوروبية‭ ‬كسوق‭ ‬موازنة‭ ‬عالمية،‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬استيعاب‭ ‬الفوائض‭ ‬من‭ ‬شحنات‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال‭. ‬وفي‭ ‬عام‭ ‬2019،‭ ‬استحوذت‭ ‬أوروبا‭ ‬على‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬24‭ % ‬من‭ ‬إجمالي‭ ‬واردات‭ ‬الغاز‭ ‬المسال‭ ‬عالميًا‭.‬
ومع‭ ‬اندلاع‭ ‬الصراع‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا،‭ ‬تسارع‭ ‬التحول‭ ‬الأوروبي‭ ‬من‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬الغاز‭ ‬الروسي‭ ‬المنقول‭ ‬عبر‭ ‬الأنابيب‭ ‬إلى‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال،‭ ‬ما‭ ‬رفع‭ ‬حصته‭ ‬في‭ ‬مزيج‭ ‬الطاقة‭ ‬الأوروبي‭ ‬وقلّص‭ ‬الفجوة‭ ‬مع‭ ‬الأسواق‭ ‬الآسيوية،‭ ‬وسط‭ ‬توقعات‭ ‬بتغيّرات‭ ‬جوهرية‭ ‬في‭ ‬آليات‭ ‬تسويق‭ ‬الغاز‭ ‬المسال‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬المقبلة‭.‬

آسيا‭ ‬والمحيط‭ ‬الهادئ‭: ‬القلب‭ ‬النابض‭ ‬لسوق‭ ‬الغاز‭ ‬المسال

تُعد‭ ‬منطقة‭ ‬آسيا‭ ‬والمحيط‭ ‬الهادئ‭ ‬تاريخيًا‭ ‬أكبر‭ ‬سوق‭ ‬للغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬وأكثرها‭ ‬ديناميكية‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والطاقي‭. ‬وأسهمت‭ ‬كارثة‭ ‬“فوكوشيما‭ ‬–‭ ‬داييتشي”‭ ‬في‭ ‬اليابان‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬توجيه‭ ‬تدفقات‭ ‬الغاز‭ ‬المسال‭ ‬نحو‭ ‬آسيا،‭ ‬حيث‭ ‬تعتمد‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬الساحلية،‭ ‬التي‭ ‬تفتقر‭ ‬إلى‭ ‬شبكات‭ ‬أنابيب‭ ‬برية،‭ ‬على‭ ‬الواردات‭ ‬البحرية‭ ‬لتأمين‭ ‬احتياجاتها‭ ‬من‭ ‬الغاز‭.‬
وتُجسّد‭ ‬اليابان‭ ‬هذا‭ ‬النموذج‭ ‬بوضوح،‭ ‬إذ‭ ‬تُعد‭ ‬أكبر‭ ‬مستورد‭ ‬للغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال‭ ‬عالميًا،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬تتصدر‭ ‬قطر‭ ‬قائمة‭ ‬المصدّرين‭. ‬وتأتي‭ ‬كوريا‭ ‬الجنوبية‭ ‬وتايوان‭ ‬في‭ ‬المرتبتين‭ ‬التاليتين‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الاستيراد،‭ ‬وتعتمد‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬الثلاث‭ ‬بشكل‭ ‬شبه‭ ‬كامل‭ ‬على‭ ‬الغاز‭ ‬المسال‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬محدودية‭ ‬الموارد‭ ‬المحلية‭.‬
وخلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة،‭ ‬برزت‭ ‬الصين‭ ‬والهند‭ ‬كمستوردين‭ ‬صاعدين‭ ‬للغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال،‭ ‬مع‭ ‬توقعات‭ ‬بتحولهما‭ ‬إلى‭ ‬لاعبين‭ ‬رئيسيين‭ ‬في‭ ‬السوق‭ ‬العالمية‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬المتوسط‭ ‬والطويل‭. ‬وبوجه‭ ‬عام،‭ ‬ظلت‭ ‬منطقة‭ ‬آسيا‭ ‬والمحيط‭ ‬الهادئ‭ ‬المحرّك‭ ‬الأساسي‭ ‬للطلب‭ ‬العالمي‭ ‬على‭ ‬الغاز‭ ‬المسال‭.‬

ويمكن‭ ‬تقسيم‭ ‬سوق‭ ‬آسيا‭ ‬والمحيط‭ ‬الهادئ‭ ‬إلى‭ ‬ثلاث‭ ‬فئات‭ ‬رئيسية‭:‬

الأسواق‭ ‬المتقدمة‭ ‬والناضجة،‭ ‬والأسواق‭ ‬الناشئة‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬الصين‭ ‬والهند،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬أسواق‭ ‬جنوب‭ ‬شرق‭ ‬آسيا‭ ‬التي‭ ‬تشهد‭ ‬نمواً‭ ‬متسارعاً‭ ‬في‭ ‬الطلب‭.‬
تكوين‭ ‬الأسعار‭ ‬العالمية‭ ‬للغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال‭ ‬في‭ ‬2023

شكّلت‭ ‬واردات‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال‭ ‬خلال‭ ‬عام‭ ‬2023‭ ‬نحو‭ ‬12‭ % ‬من‭ ‬إجمالي‭ ‬الاستهلاك‭ ‬العالمي‭ ‬للغاز،‭ ‬الذي‭ ‬بلغ‭ ‬قرابة‭ ‬501‭ ‬مليار‭ ‬متر‭ ‬مكعب‭. ‬ويعكس‭ ‬هذا‭ ‬الحجم‭ ‬أهمية‭ ‬الغاز‭ ‬المسال‭ ‬في‭ ‬منظومة‭ ‬التسعير‭ ‬العالمية،‭ ‬حيث‭ ‬انقسمت‭ ‬الواردات‭ ‬تقريباً‭ ‬بالتساوي‭ ‬بين‭ ‬آليتين‭ ‬رئيسيتين‭ ‬للتسعير‭: ‬التسعير‭ ‬المرتبط‭ ‬بالنفط،‭ ‬الذي‭ ‬استحوذ‭ ‬على‭ ‬50‭.‬3‭ %‬،‭ ‬وآلية‭ ‬تسعير‭ ‬منافسة‭ ‬الغاز‭ ‬بالغاز،‭ ‬التي‭ ‬بلغت‭ ‬نسبتها‭ ‬49‭.‬7‭ %.‬
وبلغ‭ ‬حجم‭ ‬الغاز‭ ‬المتداول‭ ‬وفق‭ ‬آلية‭ ‬تسعير‭ ‬الغاز‭ ‬بالغاز‭ ‬نحو‭ ‬249‭ ‬مليار‭ ‬متر‭ ‬مكعب،‭ ‬وتوزع‭ ‬بين‭ ‬الأسواق‭ ‬المتداولة‭ ‬في‭ ‬أميركا‭ ‬الشمالية‭ ‬وعدد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬الأوروبية‭ ‬مثل‭ ‬المملكة‭ ‬المتحدة‭ ‬وبلجيكا‭ ‬وفرنسا‭ ‬وهولندا،‭ ‬حيث‭ ‬تعتمد‭ ‬هذه‭ ‬الأسواق‭ ‬على‭ ‬مؤشرات‭ ‬التسعير‭ ‬المحلية‭ ‬والمراكز‭ ‬التجارية‭. ‬كما‭ ‬شملت‭ ‬هذه‭ ‬الآلية‭ ‬واردات‭ ‬الأسواق‭ ‬التي‭ ‬تعتمد‭ ‬بدرجة‭ ‬كبيرة‭ ‬على‭ ‬الشحنات‭ ‬الفورية‭ ‬وقصيرة‭ ‬الأجل،‭ ‬وهو‭ ‬نمط‭ ‬يميز‭ ‬غالبية‭ ‬الدول‭ ‬المستوردة‭ ‬للغاز‭ ‬المسال،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬اليابان،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الصين‭ ‬والهند‭ ‬وكوريا‭ ‬الجنوبية‭ ‬وتركيا‭ ‬وإسبانيا،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬دول‭ ‬في‭ ‬أميركا‭ ‬اللاتينية‭ ‬مثل‭ ‬الأرجنتين‭ ‬والبرازيل،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬الكميات‭ ‬غير‭ ‬المتعاقد‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬المتداولة‭.‬
وفي‭ ‬أوروبا،‭ ‬جرى‭ ‬تسعير‭ ‬نحو‭ ‬84‭ % ‬من‭ ‬واردات‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬وفق‭ ‬آلية‭ ‬منافسة‭ ‬الغاز‭ ‬بالغاز،‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬التحول‭ ‬المتسارع‭ ‬نحو‭ ‬التسعير‭ ‬السوقي‭. ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬بلغ‭ ‬حجم‭ ‬الغاز‭ ‬المسعّر‭ ‬وفق‭ ‬آلية‭ ‬الربط‭ ‬بأسعار‭ ‬النفط‭ ‬نحو‭ ‬252‭ ‬مليار‭ ‬متر‭ ‬مكعب،‭ ‬وتركز‭ ‬معظمه‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬آسيا‭ ‬والمحيط‭ ‬الهادئ،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬اليابان‭ ‬وكوريا‭ ‬الجنوبية‭ ‬وتايبيه‭ ‬الصينية،‭ ‬تلتها‭ ‬أسواق‭ ‬آسيوية‭ ‬أخرى‭ ‬مثل‭ ‬الصين‭ ‬والهند‭ ‬وباكستان،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬الأوروبية،‭ ‬أبرزها‭ ‬فرنسا‭ ‬وإسبانيا‭ ‬وتركيا‭ ‬والبرتغال‭ ‬وإيطاليا‭ ‬وبولندا‭.‬

رجوع لأعلى