عزوف عن المخاطر يهز الأسواق العالمية
شهدت الأسواق المالية العالمية موجة جديدة من التراجعات، الخميس، مع تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، ما دفع المستثمرين إلى تقليص تعرضهم للأصول عالية المخاطر والتوجه نحو مراكز أكثر تحفظاً. ويأتي هذا التحول في ظل مخاوف متزايدة من تداعيات اقتصادية واسعة للحرب، خصوصاً مع استمرار ارتفاع أسعار الطاقة واحتمالات تعطل الإمدادات.
أوروبا: ضغوط متزايدة
على الأسهم الصناعية والمالية
في أوروبا، تراجعت الأسهم بشكل ملحوظ، حيث انخفض مؤشر ستوكس 600 الأوروبي بنسبة 1.3 % ليصل إلى نحو 590 نقطة، متأثراً بخسائر واسعة في قطاعات رئيسية، خاصة التصنيع والخدمات المالية. كما تراجع مؤشر فايننشال تايمز البريطاني (FTSE 100) بنحو 1 %، في إشارة إلى اتساع نطاق الضغوط لتشمل مختلف الأسواق الأوروبية.
وجاءت أسهم شركات التصنيع في مقدمة الخاسرين، في ظل مخاوف من ارتفاع تكاليف الإنتاج نتيجة صعود أسعار الطاقة، وهو ما يهدد هوامش الربحية ويزيد من احتمالات تباطؤ النشاط الصناعي في القارة. وتُعد أوروبا من أكثر المناطق حساسية لأي صدمات في سوق الطاقة، نظراً لاعتمادها الكبير على الواردات، ما يجعل الشركات الصناعية عرضة لتقلبات الأسعار العالمية.
من جهة أخرى، تكبدت أسهم شركات التعدين خسائر تقارب 3 %، متأثرة بتراجع أسعار الذهب خلال الجلسة، رغم استمرار الطلب عليه كملاذ آمن على المدى المتوسط. ويعكس هذا التراجع عمليات جني أرباح قصيرة الأجل بعد موجة ارتفاعات سابقة، إضافة إلى إعادة تموضع المستثمرين في ظل التقلبات الحالية.
كما تعرض القطاع المالي لضغوط إضافية، مع تراجع أسهم بعض البنوك الكبرى، وسط مخاوف من تأثير ارتفاع أسعار الفائدة وتباطؤ الاقتصاد على جودة الأصول والائتمان.
توترات جيوسياسية تهز ثقة المستثمرين
تأتي هذه التراجعات في سياق اضطرابات أوسع تشهدها الأسواق العالمية، بعد تصاعد الحرب المرتبطة بإيران، والتي دخلت مرحلة أكثر حساسية عقب اتهامات طهران لكيان الاحتلال بشن هجوم على منشآت حيوية في حقل بارس الجنوبي للغاز، أحد أكبر حقول الغاز في العالم.
هذا التطور عزز المخاوف من توسع نطاق الصراع ليشمل البنية التحتية للطاقة، وهو ما قد يؤدي إلى اضطرابات حادة في الإمدادات العالمية، ويدفع الأسعار إلى مستويات أعلى، مع ما يحمله ذلك من آثار تضخمية على الاقتصاد العالمي.
وعادة ما تؤدي مثل هذه الأزمات إلى ارتفاع ما يُعرف بـ»علاوة المخاطر الجيوسياسية»، حيث يطالب المستثمرون بعوائد أعلى مقابل الاحتفاظ بالأصول، أو يلجؤون إلى تقليل انكشافهم على الأسواق الأكثر تقلباً.
استثناء محدود: لوجيتك تسبح عكس التيار
في خضم هذا التراجع العام، برز سهم شركة لوجيتك السويسرية كأحد الاستثناءات، حيث ارتفع بنحو 2.4 %، بعد إعلان الشركة عن برنامج لإعادة شراء أسهم بقيمة 1.4 مليار دولار.
ويُنظر إلى برامج إعادة شراء الأسهم عادة على أنها إشارة إيجابية تعكس ثقة الإدارة في الأداء المستقبلي للشركة، كما تسهم في دعم سعر السهم عبر تقليل عدد الأسهم المتداولة في السوق.
اليابان: الأسواق تتراجع
وسط ضغوط مزدوجة
لم تكن الأسواق الآسيوية بمنأى عن هذه الضغوط، حيث تراجعت الأسهم اليابانية بشكل حاد، متأثرة بمزيج من العوامل الخارجية والداخلية، في مقدمتها التوترات الجيوسياسية وقرارات السياسة النقدية.
هبوط حاد في مؤشرات الأسهم
أغلق مؤشر نيكاي الياباني على انخفاض بنسبة 3.4 % ليصل إلى نحو 53,372 نقطة، فيما تراجع مؤشر توبكس الأوسع نطاقاً بنحو 3 %، ما يعكس موجة بيع واسعة النطاق شملت معظم القطاعات.
وكانت أسهم شركات التكنولوجيا، وخاصة المرتبطة بصناعة الرقائق والذكاء الاصطناعي، من أبرز الخاسرين، حيث انخفض سهم شركة أدفانتست بنسبة 4.6 %، فيما تراجع سهم طوكيو إلكترون بنسبة 2.4 %. كما هبط سهم مجموعة سوفت بنك بنسبة 5.1 %، في ظل حساسية هذه الشركات لارتفاع العوائد وتباطؤ النمو العالمي.
سياسة نقدية حذرة وتأثيرات
على العملة والسندات
على صعيد السياسة النقدية، قرر بنك اليابان الإبقاء على سعر الفائدة دون تغيير، وهو قرار كان متوقعاً على نطاق واسع، لكنه لم ينجح في تهدئة الأسواق، في ظل استمرار حالة عدم اليقين.
وارتفع العائد على سندات الحكومة اليابانية لأجل 10 سنوات بمقدار 4.5 نقاط أساس ليصل إلى 2.26 %، ما يعكس ضغوطاً على سوق السندات، في حين ظل الين الياباني قريباً من أدنى مستوياته في نحو 20 شهراً مقابل الدولار، وهو ما يزيد من تكلفة الواردات، خاصة الطاقة.
حذر قبل عطلة طويلة
وتطورات سياسية مرتقبة
زاد من حذر المستثمرين اقتراب عطلة نهاية أسبوع طويلة في اليابان، ما دفع العديد منهم إلى تقليص مراكزهم لتفادي المخاطر خلال فترة الإغلاق. كما يترقب السوق اجتماعاً مرتقباً بين رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وهو ما يضيف بعداً سياسياً إضافياً لحالة الترقب.
وفي هذا السياق، قال شويتشي أريساوا، المدير العام لقسم أبحاث الاستثمار في شركة «إيواي كوزمو»، إن المستثمرين يفضلون تقليص المخاطر في ظل حالة عدم اليقين المرتفعة، خاصة مع استمرار التوترات في الشرق الأوسط.
موجة بيع واسعة تشمل جميع القطاعات
اللافت في أداء السوق اليابانية أن جميع مؤشرات القطاعات الفرعية البالغ عددها 33 قطاعاً سجلت تراجعاً، وهو ما يعكس شمولية موجة البيع، وعدم اقتصارها على قطاع بعينه.
وتشير هذه الظاهرة إلى أن المستثمرين لا يقومون فقط بإعادة توزيع استثماراتهم بين القطاعات، بل يتجهون إلى تقليل انكشافهم على السوق ككل، وهو سلوك شائع في فترات الأزمات.