تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عصر‭ ‬جديد‭ ‬للأسهم‭.. ‬هبوط‭ ‬خاطف‭ ‬وانتعاش‭ ‬قياسي

عصر‭ ‬جديد‭ ‬للأسهم‭.. ‬هبوط‭ ‬خاطف‭ ‬وانتعاش‭ ‬قياسي

لم‭ ‬تعد‭ ‬أسواق‭ ‬الأسهم‭ ‬اليوم‭ ‬كما‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬الماضي؛‭ ‬إذ‭ ‬شهدت‭ ‬تحولات‭ ‬جذرية،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬أحجامها‭ ‬الهائلة،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬إيقاعها‭ ‬ذاته‭ ‬أيضًا،‭ ‬حيث‭ ‬أصبحت‭ ‬التقلبات‭ ‬أكثر‭ ‬كثافة،‭ ‬وأضحى‭ ‬التعافي‭ ‬أسرع‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬مضى‭.‬
رأينا،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬أسهمًا‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬تسلا‮»‬‭ ‬وحتى‭ ‬‮«‬ميتا‮»‬‭ ‬تتراجع‭ ‬بشكل‭ ‬حاد‭ ‬ثم‭ ‬تستعيد‭ ‬عافيتها‭ ‬بسرعة،‭ ‬بينما‭ ‬أصبح‭ ‬السوق‭ ‬الأمريكي‭ ‬ككل‭ ‬يشهد‭ ‬تقلبات‭ ‬متكررة،‭ ‬ولكن‭ ‬مع‭ ‬تصحيحات‭ ‬محدودة‭ ‬تستمر‭ ‬لفترات‭ ‬قصيرة‭.‬
هذا‭ ‬التغير‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬أرقام،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬انعكاس‭ ‬لتطور‭ ‬في‭ ‬نفسية‭ ‬وثقافة‭ ‬المتداولين؛‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬للخوف‭ ‬العميق،‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يطيل‭ ‬أمد‭ ‬الانهيارات‭ ‬ويحوّلها‭ ‬إلى‭ ‬كوابيس‭ ‬لا‭ ‬تنتهي‭ ‬بالنسبة‭ ‬للبعض،‭ ‬المكانة‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬أسواق‭ ‬اليوم‭.‬
لكن‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬التطور‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬والعقليات،‭ ‬هل‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يأتي‭ ‬يوم‭ ‬يربح‭ ‬فيه‭ ‬الجميع؟‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬طبيعة‭ ‬الأسواق‭ ‬تفرض‭ ‬دائمًا‭ ‬وجود‭ ‬فائز‭ ‬وخاسر؟

●‭ ‬كيف‭ ‬تغيّرت‭ ‬الأسواق؟
بالنظر‭ ‬إلى‭ ‬السوق‭ ‬الأمريكية‭ ‬مثالًا،‭ ‬نجد‭ ‬أنها‭ ‬تُظهر‭ ‬تاريخياً‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬الطويل‭ ‬أنماطًا‭ ‬دورية‭ ‬متشابهة،‭ ‬لكن‭ ‬حجم‭ ‬ومدة‭ ‬ارتفاع‭ ‬التقلبات‭ ‬قد‭ ‬تغيرا‭.‬
خلال‭ ‬انهيار‭ ‬أكتوبر‭ ‬1929‭ ‬المرتبط‭ ‬بالكساد‭ ‬العظيم،‭ ‬بلغ‭ ‬التقلب‭ ‬الفعلي‭ ‬على‭ ‬مدار‭ ‬أسبوعين‭ ‬مستوى‭ ‬قياسيًا‭ ‬قدره‭ ‬127‭ %‬،‭ ‬ثم‭ ‬سجل‭ ‬130‭ % ‬خلال‭ ‬انهيار‭ ‬‮«‬الإثنين‭ ‬الأسود‮»‬‭ ‬عام‭ ‬1987‭.‬
بلغ‭ ‬هذا‭ ‬المؤشر‭ ‬97‭ % ‬خلال‭ ‬ذروة‭ ‬الأزمة‭ ‬المالية‭ ‬العالمية،‭ ‬فيما‭ ‬قفز‭ ‬مؤشر‭ ‬‮«‬فيكس‮»‬‭ (‬الذي‭ ‬أُطلق‭ ‬عام‭ ‬1993‭ ‬ويقيس‭ ‬التقلبات‭ ‬المتوقعة‭ ‬ويتابعه‭ ‬المستثمرون‭ ‬عن‭ ‬كثب‭ ‬اليوم‭) ‬إلى‭ ‬80‭ ‬نقطة‭ ‬من‭ ‬36‭ ‬نقطة،‭ ‬ثم‭ ‬بلغ‭ ‬83‭ ‬نقطة‭ ‬خلال‭ ‬انهيار‭ ‬جائحة‭ ‬كورونا‭.‬
تشير‭ ‬هذه‭ ‬الأرقام‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الارتفاعات‭ ‬الحادة‭ ‬في‭ ‬التقلبات‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تحدث،‭ ‬لكن‭ ‬الانهيارات‭ ‬الحديثة‭ (‬2008‭ ‬و2020‭) ‬كانت‭ ‬أقصر‭ ‬وأقل‭ ‬حدة‭ ‬نسبيًا،‭ ‬كما‭ ‬تقلصت‭ ‬فترات‭ ‬التعافي‭ ‬في‭ ‬العقود‭ ‬الأخيرة‭.‬
في‭ ‬فترة‭ ‬الكساد‭ ‬العظيم،‭ ‬انخفض‭ ‬مؤشر‭ ‬‮«‬داو‭ ‬جونز‮»‬‭ ‬على‭ ‬مدار‭ ‬سنوات‭ ‬وفقد‭ ‬نحو‭ ‬90‭ % ‬من‭ ‬قيمته،‭ ‬ولم‭ ‬يستعد‭ ‬ذروته‭ ‬التي‭ ‬بلغها‭ ‬عام‭ ‬1929‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬نوفمبر‭ ‬1954،‭ ‬أي‭ ‬بعد‭ ‬25‭ ‬عاماً‭.‬
أما‭ ‬بعد‭ ‬الأزمة‭ ‬المالية،‭ ‬فلم‭ ‬يستغرق‭ ‬مؤشر‭ ‬‮«‬إس‭ ‬آند‭ ‬بي‭ ‬500‮»‬‭ ‬سوى‭ ‬نحو‭ ‬أربع‭ ‬سنوات‭ ‬لاستعادة‭ ‬مستوياته‭ ‬التي‭ ‬سجلها‭ ‬في‭ ‬أكتوبر‭ ‬2007،‭ ‬بينما‭ ‬كان‭ ‬انهيار‭ ‬الجائحة‭ ‬والتعافي‭ ‬اللاحق‭ ‬أسرع‭ ‬بكثير؛‭ ‬إذ‭ ‬انخفض‭ ‬المؤشر‭ ‬34‭ % ‬بين‭ ‬فبراير‭ ‬وأواخر‭ ‬مارس‭ ‬2020،‭ ‬لكنه‭ ‬وصل‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬قياسي‭ ‬جديد‭ ‬بحلول‭ ‬أغسطس‭ ‬من‭ ‬العام‭ ‬نفسه‭.‬
هذه‭ ‬التقلبات‭ ‬السريعة‭ ‬تضرب‭ ‬بعض‭ ‬الأسهم‭ ‬منفردة‭ ‬أحيانًا؛‭ ‬فمثلًا‭ ‬انخفض‭ ‬‮«‬ميتا‮»‬‭ ‬من‭ ‬قرابة‭ ‬340‭ ‬دولارًا‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬دون‭ ‬90‭ ‬دولاراً‭ (-‬74‭ %) ‬خلال‭ ‬الأشهر‭ ‬العشرة‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬عام‭ ‬2022،‭ ‬لكنه‭ ‬عوض‭ ‬جميع‭ ‬خسائره‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬التالي‭ ‬وأغلق‭ ‬فوق‭ ‬350‭ ‬دولاراً‭.‬
في‭ ‬الماضي،‭ ‬كان‭ ‬انهيار‭ ‬مماثل‭ ‬يعني‭ ‬‮«‬حكمًا‭ ‬بالسجن‭ ‬المؤبد‮»‬‭ ‬للمستثمر‭ ‬داخل‭ ‬السهم،‭ ‬أي‭ ‬الاستسلام‭ ‬لحقيقة‭ ‬أنه‭ ‬لن‭ ‬يعوض‭ ‬خسائره‭ ‬قبل‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة،‭ ‬وربما‭ ‬عقود،‭ ‬أو‭ ‬الخروج‭ ‬منه‭ ‬مع‭ ‬قبول‭ ‬الخسارة،‭ ‬وربما‭ ‬حتى‭ ‬تركه‭ ‬للورثة‭ ‬ليفصلوا‭ ‬في‭ ‬شأنه‭.‬

●‭ ‬ما‭ ‬وراء‭ ‬هذا‭ ‬التغير؟
يبدو‭ ‬أن‭ ‬الأسواق‭ ‬الحديثة،‭ ‬المدعومة‭ ‬بالتجارة‭ ‬العالمية‭ ‬والظروف‭ ‬السياسية،‭ ‬أصبحت‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬استيعاب‭ ‬الصدمات‭ ‬بسرعة‭ ‬أكبر‭ ‬مقارنة‭ ‬بانهيارات‭ ‬الماضي‭ ‬المطولة،‭ ‬كما‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬عقلية‭ ‬المستثمرين‭ ‬تطورت‭ ‬كثيرًا‭ ‬عما‭ ‬كانت‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭.‬
في‭ ‬عام‭ ‬1971،‭ ‬أصبحت‭ ‬‮«‬ناسداك‮»‬‭ ‬أول‭ ‬بورصة‭ ‬إلكترونية‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬إذ‭ ‬ربطت‭ ‬المتعاملين‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬عبر‭ ‬الحاسوب،‭ ‬مما‭ ‬ألغى‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬متخصصي‭ ‬قاعة‭ ‬التداول‭.‬
اليوم،‭ ‬تُعد‭ ‬جميع‭ ‬البورصات‭ ‬الرئيسية‭ ‬تقريبًا‭ ‬أنظمة‭ ‬إلكترونية‭ ‬أو‭ ‬‮«‬هجينة‮»‬،‭ ‬حيث‭ ‬تُوجَّه‭ ‬الطلبات‭ ‬تلقائياً‭ ‬مع‭ ‬وصول‭ ‬عالمي‭ ‬على‭ ‬مدار‭ ‬الساعة،‭ ‬وتنفذ‭ ‬الخوارزميات‭ ‬معظم‭ ‬الصفقات‭.‬
ضاعفت‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬والعولمة‭ ‬السرعة‭ ‬والحجم‭ ‬وتدفق‭ ‬المعلومات؛‭ ‬فأصبحت‭ ‬أسعار‭ ‬الأسهم‭ ‬تتفاعل‭ ‬مع‭ ‬الأخبار‭ ‬فورًا‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم،‭ ‬وأضحى‭ ‬التداول‭ ‬أرخص‭ ‬وأكثر‭ ‬شفافية‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬مضى،‭ ‬بينما‭ ‬تتدفق‭ ‬رؤوس‭ ‬الأموال‭ ‬بسلاسة‭ ‬عبر‭ ‬الحدود‭.‬
كما‭ ‬أن‭ ‬أسواق‭ ‬الأسهم‭ ‬اليوم‭ ‬تشهد‭ ‬‮«‬أعلى‭ ‬مستوى‭ ‬من‭ ‬التكامل‮»‬‭ ‬في‭ ‬التاريخ؛‭ ‬وعمليًا،‭ ‬يعني‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬الانهيار‭ ‬أو‭ ‬الازدهار‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬ينتشر‭ ‬عالمياً‭ ‬بسرعة‭ ‬كبيرة،‭ ‬كما‭ ‬حدث‭ ‬خلال‭ ‬الأزمة‭ ‬المالية‭ ‬وهلع‭ ‬الجائحة،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬كانت‭ ‬الأسواق‭ ‬قبل‭ ‬قرن‭ ‬من‭ ‬الزمان‭ ‬محلية‭ ‬النطاق‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬كبير‭.‬
وفي‭ ‬مثال‭ ‬على‭ ‬تطور‭ ‬أدوات‭ ‬إدارة‭ ‬السوق،‭ ‬فعّلت‭ ‬الجهات‭ ‬التنظيمية‭ ‬الأمريكية‭ ‬آليات‭ ‬وقف‭ ‬التداول‭ ‬خلال‭ ‬انهيار‭ ‬مارس‭ ‬2020،‭ ‬وهو‭ ‬إجراء‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬موجودًا‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1929،‭ ‬وكانت‭ ‬النتيجة‭ ‬أن‭ ‬الخوف‭ ‬غالبًا‭ ‬ما‭ ‬يبلغ‭ ‬ذروته‭ ‬ثم‭ ‬ينحسر‭ ‬بسرعة‭.‬

●‭ ‬هل‭ ‬تغيّر‭ ‬المستثمرون‭ ‬أنفسهم؟
أدى‭ ‬تسارع‭ ‬وتيرة‭ ‬الانهيارات‭ ‬الحديثة‭ ‬وتدفق‭ ‬المعلومات‭ ‬إلى‭ ‬تغيير‭ ‬سيكولوجية‭ ‬السوق؛‭ ‬فسرعة‭ ‬انتشار‭ ‬الأخبار،‭ ‬والتداول‭ ‬عالي‭ ‬التردد،‭ ‬وآليات‭ ‬وقف‭ ‬التداول‭ ‬تُسهم‭ ‬في‭ ‬تقليص‭ ‬فترات‭ ‬الذعر‭.‬
يعود‭ ‬المستثمرون‭ ‬اليوم‭ ‬عمومًا‭ ‬إلى‭ ‬شراء‭ ‬الأسهم‭ ‬التي‭ ‬خسروها‭ ‬بسرعة‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬السابق،‭ ‬مما‭ ‬يعكس‭ ‬عقلية‭ ‬صقلتها‭ ‬المعرفة‭ ‬المتاحة‭ ‬للجميع‭ ‬بفضل‭ ‬الإنترنت‭ ‬والتكنولوجيا،‭ ‬وذاكرة‭ ‬جماعية‭ ‬تتوق‭ ‬إلى‭ ‬الانتعاش‭ ‬السريع‭.‬
ساهمت‭ ‬سرعة‭ ‬نقل‭ ‬الأخبار،‭ ‬والتكامل‭ ‬العالمي،‭ ‬والاستجابات‭ ‬السياسية‭ ‬واسعة‭ ‬النطاق‭ ‬في‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬المخاوف؛‭ ‬ونتيجة‭ ‬لذلك،‭ ‬انعكست‭ ‬عمليات‭ ‬التصحيح‭ ‬التي‭ ‬تخللها‭ ‬شعور‭ ‬بالهلع‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ (‬2018‭ ‬و2020‭ ‬و2022‭) ‬في‭ ‬غضون‭ ‬أسابيع‭ ‬أو‭ ‬أشهر،‭ ‬لا‭ ‬سنوات‭.‬
تقول‭ ‬‮«‬إنفيسكو‮»‬‭: ‬‮«‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬تحدث‭ ‬أفضل‭ ‬الأيام‭ ‬بالقرب‭ ‬من‭ ‬أسوأ‭ ‬الأيام،‭ ‬فقد‭ ‬شهدنا‭ ‬24‭ ‬يوماً‭ ‬من‭ ‬أقوى‭ ‬30‭ ‬يومًا‭ ‬لمؤشر‭ ‬‮«‬إس‭ ‬آند‭ ‬بي‭ ‬500‮»‬‭ ‬خلال‭ ‬الثلاثين‭ ‬عامًا‭ ‬الماضية‭ ‬أثناء‭ ‬انفجار‭ ‬فقاعة‭ ‬الإنترنت‭ ‬والأزمة‭ ‬المالية‭ ‬العالمية‭ ‬وانهيار‭ ‬الجائحة‮»‬‭. ‬ويعكس‭ ‬ذلك‭ ‬وعيًا‭ ‬متزايدًا‭ ‬بأهمية‭ ‬الفرصة‭ ‬التي‭ ‬تأتي‭ ‬بعد‭ ‬الانهيار‭.‬

●‭ ‬لماذا‭ ‬لا‭ ‬يربح‭ ‬الجميع‭ ‬إذن؟
تخيّل‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬مستثمر‭ ‬يفهم‭ ‬‮«‬سر‭ ‬التوقيت‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬الأسهم‮»‬،‭ ‬فيشتري‭ ‬دائمًا‭ ‬عند‭ ‬أدنى‭ ‬سعر‭ ‬ويبيع‭ ‬عند‭ ‬أعلى‭ ‬سعر؛‭ ‬في‭ ‬الواقع،‭ ‬إذا‭ ‬حاول‭ ‬الجميع‭ ‬استغلال‭ ‬فرصة‭ ‬انخفاض‭ ‬السوق،‭ ‬فلا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬يبيع‭ ‬عند‭ ‬ذلك‭ ‬الانخفاض‭.‬
إذا‭ ‬فكر‭ ‬الجميع‭ ‬بالطريقة‭ ‬نفسها،‭ ‬فلن‭ ‬يوجد‭ ‬متداول‭ ‬مستعد‭ ‬للبيع‭ ‬عند‭ ‬أدنى‭ ‬سعر‭ ‬‭(‬ولا‭ ‬مشترٍ‭ ‬عند‭ ‬أعلى‭ ‬سعر‭)‬،‭ ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السيناريو‭ ‬الافتراضي‭ ‬ستتكيف‭ ‬الأسعار‭ ‬بسرعة‭ ‬لاستيعاب‭ ‬التحركات‭ ‬المستقبلية‭ ‬المعروفة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يبدو‭ ‬متسقًا‭ ‬مع‭ ‬نظرية‭ ‬كفاءة‭ ‬السوق،‭ ‬مما‭ ‬لا‭ ‬يترك‭ ‬مجالًا‭ ‬للربح‭ ‬السهل‭.‬
عمليًا،‭ ‬سيؤدي‭ ‬التداول‭ ‬المتزامن‭ ‬تمامًا‭ ‬إلى‭ ‬تراجع‭ ‬التقلبات؛‭ ‬فبدون‭ ‬بائعين‭ ‬يفتقرون‭ ‬إلى‭ ‬المعلومات‭ ‬المؤثرة،‭ ‬ستصبح‭ ‬الأسعار‭ ‬أقل‭ ‬تقلبًا‭ ‬نظرًا‭ ‬لتطابق‭ ‬المعلومات‭ ‬المتاحة‭ ‬لدى‭ ‬المشترين‭ ‬والبائعين،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬ستظهر‭ ‬مفارقات‭ ‬جديدة‭.‬
إذا‭ ‬توقع‭ ‬الجميع‭ ‬‮«‬القاع‮»‬،‭ ‬سيرفع‭ ‬ضغط‭ ‬الشراء‭ ‬الأسعار‭ ‬قبل‭ ‬ارتفاع‭ ‬القيم‭ ‬الأساسية‭ ‬الفعلية،‭ ‬مما‭ ‬يخلق‭ ‬فقاعات؛‭ ‬أما‭ ‬إذا‭ ‬عُرفت‭ ‬الذروة‭ ‬الوشيكة،‭ ‬فسيبيع‭ ‬الجميع‭ ‬مسبقًا،‭ ‬وبالتالي‭ ‬لن‭ ‬تتشكل‭ ‬ذروة‭. ‬لكن‭ ‬الأهم‭: ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬لدى‭ ‬الجميع‭ ‬المستوى‭ ‬نفسه‭ ‬من‭ ‬الفهم‭ ‬العميق‭ ‬للسوق،‭ ‬فمن‭ ‬سيبيع‭ ‬ومن‭ ‬سيشتري؟

●‭ ‬هل‭ ‬يحدث‭ ‬ذلك‭ ‬مستقبلًا؟
إن‭ ‬فهم‭ ‬الجميع‭ ‬لأمور‭ ‬مثل‭ ‬التوقيت‭ ‬الصحيح‭ ‬سيؤدي‭ ‬إلى‭ ‬القضاء‭ ‬على‭ ‬تقلبات‭ ‬السوق‭ ‬الطبيعية،‭ ‬والأخطر‭ ‬أن‭ ‬الأسعار‭ ‬ربما‭ ‬لن‭ ‬ترتفع‭ ‬إلا‭ ‬بدخول‭ ‬مستثمرين‭ ‬جدد،‭ ‬مما‭ ‬قد‭ ‬يتسبب‭ ‬في‭ ‬نقص‭ ‬السيولة‭ ‬أو‭ ‬تشوهات‭ ‬سعرية‭ ‬حادة‭.‬
بالتالي،‭ ‬قد‭ ‬تتحول‭ ‬الأسواق‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يشبه‭ ‬حالة‭ ‬استقرار‭ ‬دائم‭ ‬أو‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬اليقين‭ ‬المستمر؛‭ ‬ولن‭ ‬تحدث‭ ‬حالات‭ ‬الذعر‭ ‬والنشوة‭ ‬الدورية‭ ‬المعتادة،‭ ‬لأن‭ ‬فرضية‭ ‬سوء‭ ‬التسعير‭ ‬ستزول‭ ‬تمامًا،‭ ‬وستتلاشى‭ ‬الميزة‭ ‬الاستثنائية‭ ‬للأسهم‭ ‬التي‭ ‬تتيح‭ ‬للبعض‭ ‬بناء‭ ‬الثروات‭ ‬بسرعة‭.‬
إن‭ ‬سوقًا‭ ‬بلا‭ ‬انهيارات‭ ‬يعني‭ ‬سوقًا‭ ‬بلا‭ ‬فرص‭ ‬قوية؛‭ ‬إذ‭ ‬يشير‭ ‬تحليل‭ ‬لشركة‭ ‬إدارة‭ ‬الأصول‭ ‬‮«‬هارتفورد‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬78‭ % ‬من‭ ‬أفضل‭ ‬أيام‭ ‬مؤشر‭ ‬‮«‬إس‭ ‬آند‭ ‬بي‭ ‬500‮»‬‭ ‬كانت‭ ‬خلال‭ ‬فترات‭ ‬انخفاض‭ ‬السوق،‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬تجنب‭ ‬أوقات‭ ‬الانهيار‭ ‬يترتب‭ ‬عليه‭ ‬تفويت‭ ‬أفضل‭ ‬فترات‭ ‬الصعود‭.‬
ولو‭ ‬تجاهل‭ ‬المستثمرون‭ ‬أفضل‭ ‬عشرة‭ ‬أيام‭ ‬تداول‭ ‬في‭ ‬السوق‭ ‬الأمريكية‭ ‬خلال‭ ‬الثلاثين‭ ‬عامًا‭ ‬الماضية،‭ ‬لانخفضت‭ ‬عوائدهم‭ ‬الإجمالية‭ ‬إلى‭ ‬النصف‭ ‬تقريبًا،‭ ‬ولو‭ ‬تجاهلوا‭ ‬أفضل‭ ‬ثلاثين‭ ‬يوماً‭ ‬لانخفضت‭ ‬عوائدهم‭ ‬بنحو‭ ‬83‭ %.‬
سوق‭ ‬الأسهم‭ ‬ذات‭ ‬محصلة‭ ‬إيجابية‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬الطويل،‭ ‬إذ‭ ‬تحقق‭ ‬الشركات‭ ‬قيمة‭ ‬حقيقية‭ ‬عبر‭ ‬الأرباح‭ ‬وتوزيعاتها‭ ‬والنمو‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬مما‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬نمو‭ ‬السوق‭ ‬ككل؛‭ ‬لكن‭ ‬التفوق‭ ‬على‭ ‬السوق‭ ‬مسألة‭ ‬نسبية،‭ ‬فمكاسب‭ ‬بعض‭ ‬المستثمرين‭ ‬تعني‭ ‬أداءً‭ ‬أقل‭ ‬لآخرين‭ ‬مقارنة‭ ‬بالمؤشر‭.‬
تحتاج‭ ‬الأسواق‭ ‬إلى‭ ‬آراء‭ ‬ومعلومات‭ ‬وصفقات‭ ‬متباينة‭ ‬لكي‭ ‬تعمل؛‭ ‬فبيع‭ ‬أحد‭ ‬المتداولين‭ ‬هو‭ ‬شراء‭ ‬لآخر،‭ ‬وعملياً‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬لعالم‭ ‬يربح‭ ‬فيه‭ ‬الجميع‭ ‬أن‭ ‬يستمر‭ ‬دون‭ ‬خلل‭ ‬دائم‭ ‬في‭ ‬التسعير‭ ‬أو‭ ‬فقاعات‭ ‬مزمنة‭.‬
وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬طرح‭ ‬سؤال‭ ‬‮«‬ماذا‭ ‬لو؟‮»‬‭ ‬مفيد‭ ‬فكرياً،‭ ‬فإن‭ ‬الواقع‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الأسواق‭ ‬تعمل‭ ‬بالخسائر‭ ‬كما‭ ‬تعمل‭ ‬بالمكاسب؛‭ ‬فتكبد‭ ‬البعض‭ ‬للخسائر‭ ‬يتيح‭ ‬مكاسب‭ ‬للآخرين،‭ ‬وهذا‭ ‬المد‭ ‬والجزر‭ ‬لا‭ ‬الفوز‭ ‬الدائم‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يدعم‭ ‬النمو‭ ‬طويل‭ ‬الأجل‭ ‬لأسواق‭ ‬رأس‭ ‬المال‭.‬

رجوع لأعلى