علاوة المخاطر الجيوسياسية تدفع أسعار النفط للصعود
ارتفعت أسعار النفط خلال تعاملات أمس الثلاثاء، في ظل تقييم المتداولين لاحتمالات التوصل إلى اتفاق نووي جديد مع إيران، بالتزامن مع إشارات متباينة من الولايات المتحدة التي أكدت تفضيلها المسار الدبلوماسي، لكنها حذّرت في الوقت ذاته من تداعيات الفشل في الوصول إلى تسوية. ويعكس هذا المشهد حالة الترقب التي تهيمن على أسواق الطاقة العالمية، حيث تتفاعل الأسعار بسرعة مع أي تطورات سياسية أو عسكرية في منطقة الشرق الأوسط.
وصعد خام برنت فوق مستوى 72 دولاراً للبرميل بعد أن أنهى جلسة الإثنين على تراجع طفيف، فيما جرى تداول خام غرب تكساس الوسيط قرب 67 دولاراً، مدعوماً بعلاوة مخاطر جيوسياسية متزايدة. ويأتي هذا الارتفاع رغم استمرار التوقعات بوجود فائض في المعروض العالمي خلال الأشهر المقبلة، وهو ما يشير إلى أن العوامل السياسية باتت تلعب دوراً أكبر في توجيه حركة الأسعار مقارنة بالأساسيات التقليدية المرتبطة بالعرض والطلب.
وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب قد صرّح في منشور له بأن عدم التوصل إلى اتفاق مع إيران سيجعل الأمور «سيئة للغاية» بالنسبة لطهران، في إشارة إلى احتمال اتخاذ إجراءات أكثر صرامة. وفي المقابل، نفى التقارير التي تحدثت عن قلق داخل وزارة الدفاع الأمريكية من صعوبة إدارة حملة عسكرية طويلة الأمد، في خطوة بدت وكأنها تهدف إلى تعزيز موقف التفاوض والضغط السياسي. ومن المقرر استئناف المحادثات النووية يوم الخميس في جنيف، حيث يُتوقع أن يعقد المبعوث الأمريكي الخاص ستيف ويتكوف لقاءً جديداً مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، وسط آمال بإحراز تقدم يخفف من حدة التوترات.
علاوة مخاطر جيوسياسية
ساهمت المخاوف من تداعيات ضربة أمريكية محتملة لإيران في دفع أسعار النفط إلى الارتفاع منذ بداية العام، إذ أضافت الأسواق ما يُعرف بـ«علاوة المخاطر الجيوسياسية» إلى التسعير. ورغم التوقعات التي تشير إلى إمكانية حدوث فائض في الإمدادات نتيجة زيادة الإنتاج من بعض الدول المنتجة، فإن حالة عدم اليقين المرتبطة بالملف الإيراني دفعت المستثمرين إلى اتخاذ مراكز تحوطية.
وقد عززت واشنطن وجودها العسكري في المنطقة خلال الأيام الماضية، كما أمرت وزارة الخارجية الأمريكية بإجلاء الموظفين غير الأساسيين من سفارتها في بيروت، وهي خطوة فُسّرت على نطاق واسع باعتبارها إجراءً احترازياً في ظل تصاعد التوترات. وقال سول كافونيك، كبير محللي الطاقة لدى شركة «إم إس تي ماركي»، إن أسواق النفط تعيش حالة ترقب حذر، موضحاً أن المتعاملين ينظرون بشك إلى أي تصريحات تدعو إلى خفض التصعيد في ظل استمرار الحشد العسكري. وأضاف أن التحركات الأمريكية الأخيرة ساهمت في إضافة علاوة مخاطر تُقدَّر بنحو 10 دولارات للبرميل إلى الأسعار الحالية.
مضيق هرمز في بؤرة الاهتمام
يبقى مضيق هرمز محور القلق الأكبر بالنسبة لأسواق النفط العالمية، إذ يُعد أحد أهم الممرات الاستراتيجية لنقل الطاقة، حيث تمر عبره يومياً شحنات ضخمة من النفط الخام والغاز الطبيعي المسال باتجاه الأسواق الآسيوية والأوروبية. وفي حال تصاعد المواجهة أو اتخاذ إيران خطوات لعرقلة الملاحة، فإن ذلك قد يؤدي إلى اضطرابات كبيرة في الإمدادات العالمية وارتفاعات حادة في الأسعار.
وخلال الأسابيع الأخيرة، ساهمت مناورات عسكرية إيرانية وإغلاق أجزاء محدودة من المضيق بشكل مؤقت في ارتفاع تكاليف الشحن البحري، إذ سجلت أسعار استئجار ناقلات النفط العملاقة مستويات قياسية. ووفقاً لبيانات شركة «كلاركسونز ريسيرش سيرفيسز»، تجاوز متوسط تكلفة استئجار ناقلة نفط عملاقة جداً لمدة عام 92 ألف دولار يومياً، وهو أعلى مستوى منذ بدء تسجيل البيانات عام 1988، ما يعكس حجم القلق لدى شركات الشحن والمصافي من احتمالات تعطل الإمدادات.
توازن هش بين السياسة والأساسيات
وعلى الرغم من أن الأسواق تراقب الملف الإيراني عن كثب، فإن الصورة العامة لأسواق النفط لا تزال معقدة، إذ تتقاطع العوامل السياسية مع المؤشرات الاقتصادية العالمية. فتباطؤ النمو في بعض الاقتصادات الكبرى يضغط على توقعات الطلب، في حين تسعى منظمة «أوبك+» إلى إدارة مستويات الإنتاج للحفاظ على استقرار الأسعار. ومع ذلك، يرى محللون أن أي تصعيد مفاجئ في الشرق الأوسط قد…