عندما تتحول الطاقة إلى أداة نفوذ وصراع دولي
تتزايد المؤشرات على أن سوق الغاز الطبيعي المسال يتجه تدريجياً نحو مزيد من السيولة والتحول إلى سوق سلعية أقرب في بنيتها إلى أسواق النفط، غير أن الخلاف لا يزال قائماً بشأن الإطار الزمني اللازم لبلوغ هذا التحول ذروته، وكذلك حول الشكل النهائي الذي ستستقر عليه السوق. وفي الوقت الراهن، تبدو سوق الغاز الطبيعي المسال عالقة بين نموذج تقليدي يتسم بالجمود، ومستقبل أكثر مرونة لم تتضح ملامحه بالكامل بعد، ما يجعل مسار التحول غير محسوم حتى الآن.
ومن شأن ارتفاع مستويات السيولة أن يسهم في تعزيز سوق فورية عالمية للغاز الطبيعي المسال، وهو ما قد يقلص تدريجياً من أهمية عقود التوريد طويلة الأجل التي لطالما شكّلت العمود الفقري لهذه الصناعة. كما أن زيادة السيولة قد تضغط على الأسعار نزولاً، بما يعزز القدرة التنافسية للغاز الطبيعي المسال مقارنة بالغاز المنقول عبر خطوط الأنابيب، والذي يعتمد في الأساس على اتفاقيات طويلة الأمد تقوم على علاقات ثقة بين المنتجين والمناطق المستقبلة.
العوامل التنظيمية المؤثرة في السوق
الولايات المتحدة
في يناير 2024، فرضت إدارة الرئيس جو بايدن تجميداً على منح تراخيص جديدة لتصدير الغاز الطبيعي المسال إلى الدول غير المرتبطة باتفاقيات تجارة حرة مع الولايات المتحدة، في خطوة بررتها الإدارة بدوافع بيئية تتعلق بمكافحة تغير المناخ. غير أن هذا القرار أثار جدلاً واسعاً داخل الأوساط السياسية والصناعية، لا سيما بعد أن ألغت بعض المحاكم الفيدرالية قرار وزارة الطاقة بتجميد الموافقات الجديدة، في ما اعتُبر انتصاراً لقطاع النفط والغاز الذي طعن في سياسة الإدارة.
ومع فوز الرئيس المنتخب دونالد ترامب، كثفت صناعة النفط والغاز الأميركية ضغوطها لإنهاء هذا التوقف المؤقت، باعتباره أحد العناوين الرئيسية لخارطة الطريق المرتقبة للسياسة الطاقوية الجديدة. وتشير التوقعات إلى أن المرشح لتولي وزارة الطاقة سيعمل على رفع القيود المفروضة على تصاريح تصدير الغاز الطبيعي المسال، إضافة إلى التراجع عن بعض السياسات الداعمة للتوسع في الطاقة المتجددة. ومع ذلك، تبقى أي زيادة كبيرة في إنتاج النفط والغاز رهينة بأساسيات السوق، ما قد يحد من أثر التحولات السياسية على المدى الفعلي.
الاتحاد الأوروبي
منذ اندلاع الأزمة الأوكرانية، تسعى أوروبا إلى إعادة صياغة سياساتها الطاقوية لمواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين، عبر تسريع وتيرة التحول في قطاع الطاقة. وفي هذا الإطار، أقر الاتحاد الأوروبي حزمة من القرارات التنظيمية، من أبرزها تطوير نظام تداول الانبعاثات.
ففي عام 2023، جرى تعديل لائحة نظام تداول الانبعاثات الأوروبي لتشمل أنشطة النقل البحري، على أن يُنفذ هذا التعديل تدريجياً بين عامي 2024 و2026. وإلى جانب ثاني أكسيد الكربون، تقرر توسيع نطاق النظام ليشمل غازَي الميثان وأكسيد النيتروز اعتباراً من عام 2026. ومن المتوقع أن يؤدي هذا التوسع إلى زيادة تكلفة شحن الغاز الطبيعي المسال إلى دول الاتحاد الأوروبي، ما سينعكس على فروق الأسعار العالمية وأنماط تدفقات تجارة الغاز.
واعتماداً على تطورات أسعار الكربون داخل نظام تداول الانبعاثات وظروف سوق الغاز الأوروبية، قد تدفع هذه التكاليف المتزايدة مصدري الغاز الطبيعي المسال، على المديين المتوسط والطويل، إلى إعادة توجيه صادراتهم نحو أسواق خارج الاتحاد الأوروبي. غير أن هذا الخيار لا يبدو سهلاً أمام بعض المنتجين الذين يعتمدون بدرجة كبيرة على السوق الأوروبية، لا سيما في إفريقيا والشرق الأوسط، إذ إن اختراق أسواق بديلة مثل آسيا يتطلب وقتاً طويلاً واستثمارات كبيرة.
لائحة الميثان الأوروبية وتداعياتها
على تجارة الغاز
دخلت لائحة الميثان الصادرة عن الاتحاد الأوروبي حيّز التنفيذ في أغسطس 2024، لتشكل إطاراً قانونياً جديداً ينظم قياس انبعاثات الميثان والإبلاغ عنها والتحقق منها في ما يتعلق بالنفط والغاز والفحم المستورد. ورغم أهمية هذه الخطوة، فإن عدداً من التفاصيل التنفيذية المتعلقة بكيفية تطبيق اللائحة لا يزال قيد التطوير، لا سيما في ما يخص الآليات العملية والرقابية.
وقد بدأت متطلبات الإبلاغ في مايو 2025، على أن تُستخدم البيانات الناتجة عنها في رسم خط أساس لانبعاثات الميثان. ومع دخول فترة الامتثال الرئيسية حيز التنفيذ اعتباراً من الأول من يناير 2027، سيُطلب من المستوردين التأكد من أن جميع العقود الجديدة مع موردين من خارج الاتحاد الأوروبي تتوافق مع المعايير الصارمة المتعلقة بالقياس والإبلاغ والتحقق من الانبعاثات، الأمر الذي من شأنه إعادة تشكيل ديناميكيات سلاسل التوريد بصورة جوهرية.
ورغم أن اللائحة لا تحظر صراحة واردات الطاقة غير الممتثلة، فإنها تفرض عقوبات مشددة قد تترك آثاراً بعيدة المدى على الأداء المالي للشركات المعنية. كما يُتوقع أن تكون لهذه الإجراءات تداعيات جيوسياسية ملحوظة، خصوصاً بالنسبة إلى كبار مصدري الغاز الطبيعي المسال مثل الولايات المتحدة، إضافة إلى ما يُعرف بـ«لاعبـي المحافظ»، وغيرهم من الفاعلين الرئيسيين في السوق العالمية. وفي الوقت ذاته، قد تؤدي المتطلبات الأوروبية الصارمة إلى إرباك سلاسل التوريد القائمة، بما يثير مخاوف من اضطرابات محتملة في تدفقات الإمدادات.
الآفاق المستقبلية لسوق الغاز الطبيعي
تُظهر مقارنة السيناريوهات الصادرة عن المؤسسات الدولية ومراكز الأبحاث وشركات الطاقة الكبرى تقارباً ملحوظاً في التوقعات المتعلقة بالطلب العالمي على الغاز، إذ تتفق معظم التقديرات، رغم اختلاف فرضياتها، على مسار تصاعدي للاستهلاك. ويعزز ذلك موقع الغاز ضمن مزيج طاقة أكثر استدامة، مع استمرار نمو الطلب عليه حتى عام 2050 في ظل السيناريوهات المعتمدة حالياً.
وتشير هذه التقديرات إلى إجماع شبه كامل على مواصلة ارتفاع الطلب العالمي على الغاز الطبيعي المسال، مع بروز آسيا، بمختلف أقاليمها، كمحرك رئيسي للنمو على المديين المتوسط والطويل. ويعود هذا التوجه إلى مزيج من العوامل الاقتصادية والديموغرافية والتصنيعية، في وقت يُنتظر أن تتركز القدرات الإنتاجية الجديدة بشكل أساسي في كل من قطر والولايات المتحدة، ما يعزز مكانتهما كموردين محوريين في السوق العالمية.
وفي هذا الإطار، تتكرر في التقارير الرئيسية الحجة ذاتها، والقائلة إن الطلب العالمي على الطاقة سيواصل نموه على المدى الطويل، وإن الغاز الطبيعي يتمتع بآفاق نمو إيجابية بوصفه مصدراً آمناً وموثوقاً وفعالاً. كما يُنظر إليه على أنه وقود منخفض الكربون نسبياً، لا سيما في ظل تطور مشاريع الغاز الطبيعي المسال الجديدة التي تراعي أهداف إزالة الكربون والالتزامات المناخية العالمية.
وعلى المدى البعيد، سيظل سوق الغاز الطبيعي العالمي مدفوعاً بدرجة أساسية بالطلب المتنامي في آسيا، وهو توسع يُعد تطوراً إيجابياً ليس فقط من منظور أمن الطاقة، بل أيضاً في ما يتعلق بدعم الأهداف البيئية، ولا سيما خفض تلوث الهواء وتقليص انبعاثات الكربون، في الدول الساعية إلى استبدال مصادر الطاقة الأعلى تلويثاً بخيارات أكثر نظافة.
في ظل التغيرات المتسارعة في أسواق الطاقة، تبرز قدرة الطاقة على التأثير في موازين القوة الدولية، ليس فقط من خلال التأثير على الأسعار والإمدادات، بل كأداة استراتيجية تحدد مسار العلاقات بين الدول. ومع استمرار التوترات السياسية والصراعات الإقليمية، سيظل اعتماد العالم على مصادر الطاقة المتنوعة عاملاً حاسماً في رسم الخريطة الجيوسياسية المستقبلية. ومن هذا المنطلق، فإن مراقبة تحولات الأسواق واستراتيجيات الدول في إدارة مواردها الطاقوية باتت ضرورة لا غنى عنها لفهم الديناميكيات الدولية القادمة، حيث ستشكل الطاقة محور النفوذ والصراع في العقود المقبلة.