فرص الإدراج للشركات الصاعدة
تسعى شركات المساهمة إلى دخول عالم البورصة لأسباب متعددة، إذ يُعد إدراج أسهم الشركة في السوق خطوة استراتيجية تعزز من سمعتها التجارية، وتزيد من قيمة علامتها، بما يدعم نشاطها ومركزها المالي وقدرتها على التسويق، ويرتفع معها معدل أرباحها. كما أن إدراج الشركة في البورصة يتيح لها إصدار المزيد من الأسهم بشكل مباشر، ما يمنحها تمويلاً إضافياً عبر زيادة رأس المال.
هذه المزايا المالية الأساسية تجعل شركات المساهمة الناشئة تطمح منذ تأسيسها إلى الإدراج في البورصة، فتضع مجالس إداراتها هذا الهدف ضمن أولويات الخطط المستقبلية، سعياً للوصول إلى السوق في أقرب وقت ممكن.
مع ذلك، لا يمكن لأي شركة ترغب بالإدراج أن تفعل ذلك دون استيفاء شروط محددة، إذ تعد البورصة أعلى سوق للأوراق المالية في الدولة، وتعكس أداء الاقتصاد المحلي، ما يستدعي فرض معايير مالية صارمة على الشركات المتقدمة للإدراج، ومن أبرزها شرط استمرار النشاط لفترة زمنية محددة.
وفقاً لقواعد التداول في بورصة الكويت (الإصدار الثاني / 2019)، فإن الشروط الزمنية للإدراج هي:
السوق الأول: يتطلب استمرار نشاط الشركة لمدة سبع سنوات مالية كاملة، مع صدور بيانات مالية سنوية عن هذه الفترة قبل تقديم طلب الإدراج، وهو أعلى مستوى في البورصة من حيث معايير القبول.
السوق الرئيسي: يشترط استمرار النشاط لمدة ثلاث سنوات مالية كاملة، مع توفر بيانات مالية سنوية عن هذه الفترة، وهو المستوى الثاني في البورصة من حيث المعايير.
وبذلك، لم تقتصر بورصة الكويت على الشروط المالية التقليدية مثل قيمة رأس المال أو حجم الأسهم المتداولة، بل أضافت شرطاً زمنياً يضمن استمرارية النشاط وصدور البيانات المالية السنوية. ويهدف هذا الشرط إلى ضمان جودة إدارة الشركة واستقرار نشاطها وحوكمتها، مما يجعلها مؤهلة للانضمام إلى أسواق البورصة وفق خبرتها المالية ومدة استمرار نشاطها.
إلا أن الأسواق التي تسعى لتحقيق نمو سريع، متجاوزةً المراحل التقليدية للتطور المالي، تبحث عن تسهيل شروط الإدراج، لا سيما الشروط الزمنية التي قد تشكل عقبة جامدة أمام الشركات التي تحقق نمواً مالياً مفاجئاً وصاعقاً.
من هذا المنطلق، أضافت بورصة الكويت إلى قواعد التداول شرطاً استثنائياً يتعلق بالإدراج في السوق الأول والرئيسي، بحيث نصّت القاعدة على أنه: «يجوز للبورصة أن توصي بإعفاء أي شركة من شرط استمرار النشاط، على أن تكون التوصية مسببة».
وتتضح الأهمية العملية لهذا الاستثناء من خلال النقاط التالية:
● قاعدة استثنائية تتعلق بالزمن: تمنح هذه القاعدة إمكانية مخالفة شرط استمرار النشاط وصدور عدد محدد من البيانات المالية السنوية للشركة الراغبة بالإدراج، ما يفتح باباً ذهبياً لدخول البورصة بسرعة عبر تجاوز المراحل الزمنية المعتادة، ويمثل فرصة للشركات الصاعدة التي حققت قفزات نمو غير متوقعة.
● قاعدة جوازية: هذا الاستثناء يظل من صلاحية البورصة وحدها، أي أن الشركة مهما حققت من نمو مذهل، لا يمكنها إلزام البورصة بتطبيق هذه القاعدة.
● قاعدة مرتبطة بتوصية البورصة: للحصول على هذا الإعفاء، يجب على الشركة الراغبة في القفز فوق المراحل الزمنية التقليدية أن تُقنع البورصة بأدائها المالي المتميز، بحيث تدفع البورصة إلى إصدار توصية رسمية بهذا الشأن ورفعها إلى هيئة أسواق المال.
لكن، هنا تظهر إشكالية واقعية تتعلق بتعارض المصالح؛ فقد يمتلك بعض الأشخاص النافذين في إدارة البورصة مصالح شخصية في الشركات الراغبة بالإدراج، ما قد يؤدي إلى كتابة التوصية خدمةً لهذه المصالح دون استحقاق الشركة فعلياً. وفي المقابل، قد تكون هناك شركات مستحقة للاستثناء، لكنها لا تحصل عليه نتيجة وجود مصالح تجارية متعارضة مع مصالحها داخل إدارة البورصة. وتزداد احتمالات تعارض المصالح هذه بعد خصخصة بورصة الكويت وتحولها إلى شركة مساهمة من القطاع الخاص.
● قاعدة استثنائية تتطلب التسبيب: يجب أن تكون توصية البورصة مبررة ومدعومة بالأرقام، فلا يجوز أن تحمل توصيةً إنشائية أو عامة، بل يجب أن تُظهر الحقائق المالية التي تثبت أحقية الشركة في الاستثناء من شرط استمرار النشاط، استناداً إلى أدائها المالي الاستثنائي.
والأمر العملي هنا هو أن العديد من الشركات تحقق نجاحات مالية سريعة، وقد يمكن كتابة توصية مبررة لاستثنائها، لكن ذلك لا يعني بالضرورة استحقاقها الفعلي للاستثناء من شرط استمرار النشاط، إذ يتفاوت النجاح ويختلف بين شركة وأخرى، فلا يجوز للبورصة الاعتماد على بيانات غير مكتملة أو مجرد تقديرات.
قاعدة خاضعة لقرار هيئة أسواق المال: لا يحق للبورصة أن تقرر بشكل غير مركزي أحقية أي شركة في التغاضي عن شرط استمرار النشاط، بل يكون القرار النهائي مركزياً وتقديرياً لدى الهيئة، ولا تُلزم الهيئة بتوصية البورصة (م / 7-2-1 بند 4 من قواعد بورصة الكويت).
هنا تبرز مخاطر عدة، من بينها اتكال الهيئة على توصية البورصة وتمرير الاستثناء دون دراسة متأنية لمكوناته، أو التأخير في البت بطلب الاستثناء نتيجة الإجراءات الروتينية لإعادة التدقيق، بالنظر إلى مركزية القرار لدى جهة أخرى.
بناءً عليه، نقترح ما يلي:
1 – حصر الاستثناء الزمني في نطاق محدد: يُقصر شرط الاستثناء في السوق الأول على استمرار النشاط لمدة خمس سنوات مالية فقط لطلبات الإدراج، مع السماح بالاستثناء الكامل في السوق الرئيسي فقط.
2 – إصدار نموذج موحد من هيئة أسواق المال لتوصية البورصة: يجب أن يتضمن النموذج بنوداً محددة لما ترغب الهيئة معرفته عن الشركة الراغبة في الاستثناء، بما يوضح الأسس المالية التي تميز الشركة وتجعلها تستحق الاستثناء دون غيرها.
3 – تحديد مدة زمنية لإصدار القرار النهائي للهيئة: يجب أن يكون هناك إطار زمني محدد لصدور قرار الهيئة النهائي بشأن قبول الاستثناء، استناداً إلى توصية البورصة أو عدمها، مع وجوب أن يكون القرار مسبباً أيضاً.