تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فضيحة‭ ‬أوليمبوس‭.. ‬حين‭ ‬أخفت‭ ‬الإدارة‭ ‬المليارات‭ ‬خلف‭ ‬الصمت

CB31

في‭ ‬خريف‭ ‬عام‭ ‬2011،‭ ‬انكشفت‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أكبر‭ ‬فضائح‭ ‬الاحتيال‭ ‬المالي‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬الشركات‭ ‬اليابانية،‭ ‬عندما‭ ‬تبيّن‭ ‬أن‭ ‬شركة‭ ‬‮«‬أوليمبوس‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تمتد‭ ‬جذورها‭ ‬لأكثر‭ ‬من‭ ‬90‭ ‬عاماً‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬الكاميرات‭ ‬والمعدات‭ ‬الطبية‭ ‬أخفت‭ ‬خسائر‭ ‬تُقدّر‭ ‬بنحو‭ ‬1‭.‬7‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬على‭ ‬مدار‭ ‬نحو‭ ‬عقدين،‭ ‬في‭ ‬قضية‭ ‬هزّت‭ ‬أسواق‭ ‬المال‭ ‬اليابانية‭ ‬وفتحت‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬تساؤلات‭ ‬واسعة‭ ‬بشأن‭ ‬الحوكمة‭ ‬والرقابة‭ ‬داخل‭ ‬كبرى‭ ‬الشركات‭.‬

بداية‭ ‬الأزمة

رغم‭ ‬أن‭ ‬الشركة‭ ‬حققت‭ ‬أرباحًا‭ ‬مبكرة‭ ‬في‭ ‬أواخر‭ ‬الثمانينيات،‭ ‬فإن‭ ‬مسارها‭ ‬المالي‭ ‬بدأ‭ ‬ينحرف‭ ‬سريعًا‭. ‬ففي‭ ‬عام‭ ‬1991،‭ ‬سجلت‭ ‬‮«‬أوليمبوس‮»‬‭ ‬خسائر‭ ‬بلغت‭ ‬2‭.‬1‭ ‬مليار‭ ‬ين،‭ ‬ومع‭ ‬تصاعد‭ ‬الشكوك‭ ‬في‭ ‬أواخر‭ ‬التسعينيات‭ ‬بشأن‭ ‬اتساع‭ ‬حجم‭ ‬الخسائر،‭ ‬لم‭ ‬تتجه‭ ‬الإدارة‭ ‬إلى‭ ‬الاعتراف‭ ‬بها‭ ‬أو‭ ‬معالجتها‭ ‬بشفافية،‭ ‬بل‭ ‬اختارت‭ ‬إخفاءها‭ ‬بمرور‭ ‬الوقت‭.‬

كيف‭ ‬أخفت‭ ‬‮«‬أوليمبوس‮»‬‭ ‬خسائرها؟

اعتمدت‭ ‬الشركة‭ ‬على‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬الأساليب‭ ‬المحاسبية‭ ‬والصفقات‭ ‬المعقدة‭ ‬لإبعاد‭ ‬الخسائر‭ ‬عن‭ ‬قوائمها‭ ‬المالية‭. ‬ومن‭ ‬بين‭ ‬هذه‭ ‬الأساليب،‭ ‬تسجيل‭ ‬بعض‭ ‬الأصول‭ ‬بالتكلفة‭ ‬التاريخية‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬قيمتها‭ ‬السوقية‭ ‬العادلة،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬التوسع‭ ‬في‭ ‬استثمارات‭ ‬أكثر‭ ‬خطورة‭ ‬بدل‭ ‬تقليص‭ ‬الانكشاف‭ ‬عليها‭.‬
كما‭ ‬لجأت‭ ‬‮«‬أوليمبوس‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬تنفيذ‭ ‬عمليات‭ ‬استحواذ‭ ‬مثيرة‭ ‬للريبة‭ ‬عبر‭ ‬شركات‭ ‬مرتبطة‭ ‬بملاذات‭ ‬ضريبية،‭ ‬بينها‭ ‬شركات‭ ‬في‭ ‬جزر‭ ‬كايمان،‭ ‬مقابل‭ ‬رسوم‭ ‬استشارية‭ ‬وإدارية‭ ‬ضخمة،‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬بدا‭ ‬لاحقًا‭ ‬أنه‭ ‬وسيلة‭ ‬لتغطية‭ ‬فجوات‭ ‬مالية‭ ‬متراكمة‭.‬

صفقة‭ ‬‮«‬جيروس‮»‬‭.. ‬الخيط‭ ‬الذي‭ ‬كشف‭ ‬المستور

من‭ ‬أبرز‭ ‬المعاملات‭ ‬التي‭ ‬أثارت‭ ‬الشكوك‭ ‬كانت‭ ‬صفقة‭ ‬استحواذ‭ ‬‮«‬أوليمبوس‮»‬‭ ‬على‭ ‬الشركة‭ ‬البريطانية‭ ‬‮«‬جيروس‮»‬‭ ‬المتخصصة‭ ‬في‭ ‬المعدات‭ ‬الطبية‭. ‬ففي‭ ‬هذه‭ ‬الصفقة،‭ ‬دفعت‭ ‬الشركة‭ ‬687‭ ‬مليون‭ ‬دولار‭ ‬كرسوم‭ ‬استشارية‭ ‬إلى‭ ‬جهة‭ ‬غير‭ ‬معروفة‭ ‬نسبياً،‭ ‬وهو‭ ‬مبلغ‭ ‬يعادل‭ ‬نحو‭ ‬ثلث‭ ‬إجمالي‭ ‬قيمة‭ ‬الصفقة،‭ ‬ما‭ ‬أثار‭ ‬تساؤلات‭ ‬كبيرة‭ ‬داخل‭ ‬الأوساط‭ ‬المالية‭ ‬والمحاسبية‭.‬
وقد‭ ‬أبدت‭ ‬شركة‭ ‬التدقيق‭ ‬الخارجي‭ ‬‮«‬إرنست‭ ‬أند‭ ‬يونغ‮»‬‭ ‬مخاوفها‭ ‬بشأن‭ ‬تلك‭ ‬الصفقة،‭ ‬لكن‭ ‬ذلك‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬كافياً‭ ‬لوقف‭ ‬المسار‭ ‬الذي‭ ‬كانت‭ ‬تسير‭ ‬فيه‭ ‬الإدارة‭ ‬العليا‭.‬

ظهور‭ ‬‮«‬مايكل‭ ‬وودفورد‮»‬

في‭ ‬تطور‭ ‬غير‭ ‬معتاد‭ ‬داخل‭ ‬بيئة‭ ‬الشركات‭ ‬اليابانية‭ ‬المحافظة،‭ ‬تم‭ ‬تعيين‭ ‬البريطاني‭ ‬مايكل‭ ‬وودفورد‭ ‬مديراً‭ ‬تنفيذياً‭ ‬لـ«أوليمبوس‮»‬‭ ‬عام‭ ‬2011،‭ ‬بعد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عشر‭ ‬سنوات‭ ‬قضاها‭ ‬في‭ ‬فروع‭ ‬الشركة‭ ‬الأوروبية‭.‬
في‭ ‬البداية،‭ ‬استقبلت‭ ‬الأسواق‭ ‬هذا‭ ‬التعيين‭ ‬بنوع‭ ‬من‭ ‬التفاؤل،‭ ‬حتى‭ ‬إن‭ ‬‮«‬جولدمان‭ ‬ساكس‮»‬‭ ‬رفع‭ ‬توصيته‭ ‬لسهم‭ ‬الشركة‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬شراء‮»‬،‭ ‬على‭ ‬أمل‭ ‬أن‭ ‬يسهم‭ ‬المدير‭ ‬الجديد‭ ‬في‭ ‬خفض‭ ‬النفقات‭ ‬وتحسين‭ ‬الأداء‭. ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬التفاؤل‭ ‬لم‭ ‬يدم‭ ‬طويلاً‭.‬

صدام‭ ‬مع‭ ‬الإدارة

بعد‭ ‬فترة‭ ‬قصيرة‭ ‬من‭ ‬توليه‭ ‬المنصب،‭ ‬بدأ‭ ‬وودفورد‭ ‬يكتشف‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬المعاملات‭ ‬المثيرة‭ ‬للشبهة،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬صفقات‭ ‬الاستحواذ‭ ‬والرسوم‭ ‬غير‭ ‬المبررة‭. ‬وعندما‭ ‬طالب‭ ‬رئيس‭ ‬مجلس‭ ‬الإدارة‭ ‬تسويوشي‭ ‬كيكوكاوا‭ ‬ومسؤولين‭ ‬تنفيذيين‭ ‬آخرين‭ ‬بتفسيرات‭ ‬واضحة،‭ ‬جاءت‭ ‬الردود‭ ‬مبهمة،‭ ‬ما‭ ‬عزز‭ ‬شكوكه‭ ‬بوجود‭ ‬تلاعب‭ ‬واسع‭ ‬النطاق‭.‬
وأمام‭ ‬هذا‭ ‬الصمت،‭ ‬قرر‭ ‬وودفورد‭ ‬الاستعانة‭ ‬بشركة‭ ‬‮«‬برايس‭ ‬ووترهاوس‭ ‬كوبرز‮»‬‭ (‬PWC‭) ‬لإجراء‭ ‬مراجعة‭ ‬مستقلة‭ ‬للمعاملات‭ ‬المشبوهة‭.‬

تقرير‭ ‬صادم‭.. ‬ثم‭ ‬إقالة‭ ‬مفاجئة

أعدت‭ ‬‮«‬بي‭ ‬دبليو‭ ‬سي‮»‬‭ ‬تقريراً‭ ‬مقلقاً‭ ‬يدين‭ ‬الإدارة‭ ‬ويكشف‭ ‬مؤشرات‭ ‬خطيرة‭ ‬على‭ ‬وجود‭ ‬مخالفات‭ ‬مالية‭ ‬جسيمة‭. ‬ونقل‭ ‬وودفورد‭ ‬التقرير‭ ‬إلى‭ ‬رئيس‭ ‬مجلس‭ ‬الإدارة،‭ ‬بل‭ ‬واقترح‭ ‬عليه‭ ‬الاستقالة‭ ‬باعتبارها‭ ‬الخطوة‭ ‬الأنسب‭ ‬لحماية‭ ‬الشركة‭ ‬واحتواء‭ ‬الأزمة‭.‬
كما‭ ‬أرسل‭ ‬نسخاً‭ ‬من‭ ‬التقرير‭ ‬إلى‭ ‬المدققين‭ ‬الخارجيين،‭ ‬في‭ ‬خطوة‭ ‬أدرك‭ ‬أنها‭ ‬قد‭ ‬تفتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬انكشاف‭ ‬القضية‭ ‬على‭ ‬نطاق‭ ‬أوسع‭.‬
وكان‭ ‬وودفورد‭ ‬يأمل‭ ‬أن‭ ‬يشكل‭ ‬اجتماع‭ ‬مجلس‭ ‬الإدارة‭ ‬في‭ ‬14‭ ‬أكتوبر‭ ‬2011‭ ‬نقطة‭ ‬تحول‭ ‬تقود‭ ‬إلى‭ ‬الإصلاح‭ ‬والشفافية،‭ ‬لكن‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬كان‭ ‬العكس‭ ‬تماماً‭: ‬تمت‭ ‬إقالته‭ ‬من‭ ‬منصبه‭ ‬بعد‭ ‬أشهر‭ ‬قليلة‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬تعيينه‭.‬
الاعتراف‭ ‬بعد‭ ‬الإنكار

في‭ ‬البداية،‭ ‬أنكرت‭ ‬‮«‬أوليمبوس‮»‬‭ ‬وجود‭ ‬مخالفات‭ ‬جوهرية،‭ ‬لكنها‭ ‬اضطرت‭ ‬لاحقاً‭ ‬إلى‭ ‬الاعتراف‭ ‬بأنها‭ ‬أخفت‭ ‬خسائر‭ ‬بقيمة‭ ‬1‭.‬7‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬نحو‭ ‬20‭ ‬عاماً‭.‬
وكشفت‭ ‬التحقيقات‭ ‬أن‭ ‬الإدارة‭ ‬العليا‭ ‬استمرت‭ ‬طوال‭ ‬تلك‭ ‬الفترة‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬التغطية‭ ‬على‭ ‬استثمارات‭ ‬فاشلة‭ ‬وخسائر‭ ‬متراكمة،‭ ‬فيما‭ ‬فشل‭ ‬المدققون‭ ‬الخارجيون‭ ‬في‭ ‬رصد‭ ‬جميع‭ ‬المعاملات‭ ‬الوهمية‭ ‬أو‭ ‬كشف‭ ‬عمق‭ ‬التلاعب‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬مبكر‭.‬

انهيار‭ ‬السهم‭ ‬وسقوط‭ ‬القيادات

بعد‭ ‬انكشاف‭ ‬الفضيحة،‭ ‬تراجع‭ ‬سهم‭ ‬‮«‬أوليمبوس‮»‬‭ ‬بنحو‭ ‬80‭ %‬،‭ ‬واستقال‭ ‬مجلس‭ ‬إدارتها،‭ ‬كما‭ ‬رفعت‭ ‬الشركة‭ ‬دعوى‭ ‬قضائية‭ ‬ضد‭ ‬رئيسها‭ ‬و18‭ ‬مسؤولًا‭ ‬آخر‭.‬
وامتدت‭ ‬التحقيقات‭ ‬إلى‭ ‬خارج‭ ‬اليابان،‭ ‬حيث‭ ‬باشر‭ ‬مدعون‭ ‬عامون‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬والمملكة‭ ‬المتحدة‭ ‬واليابان‭ ‬مراجعة‭ ‬القضية،‭ ‬التي‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬رمز‭ ‬عالمي‭ ‬لفشل‭ ‬الحوكمة‭ ‬المؤسسية‭.‬

درس‭ ‬قاسٍ‭ ‬في‭ ‬الحوكمة

ورغم‭ ‬أن‭ ‬‮«‬أوليمبوس‮»‬‭ ‬واصلت‭ ‬أعمالها‭ ‬لاحقًا،‭ ‬ونجحت‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬هيكلة‭ ‬نموذجها‭ ‬التشغيلي‭ ‬وتحسين‭ ‬مستويات‭ ‬الشفافية‭ ‬والمساءلة،‭ ‬فإن‭ ‬فضيحتها‭ ‬بقيت‭ ‬مثالاً‭ ‬صارخاً‭ ‬على‭ ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬لثقافة‭ ‬إدارية‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬الصمت‭ ‬وإخفاء‭ ‬الحقيقة‭ ‬أن‭ ‬تحول‭ ‬خسائر‭ ‬قابلة‭ ‬للاحتواء‭ ‬إلى‭ ‬كارثة‭ ‬ممتدة‭ ‬لسنوات‭.‬
فما‭ ‬بدأ‭ ‬بخسائر‭ ‬استثمارية‭ ‬كان‭ ‬يمكن‭ ‬الاعتراف‭ ‬بها‭ ‬ومعالجتها،‭ ‬انتهى‭ ‬إلى‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬الفضائح‭ ‬المالية‭ ‬إحراجاً‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬الشركات‭ ‬اليابانية‭.‬

رجوع لأعلى