فضيحة أوليمبوس.. حين أخفت الإدارة المليارات خلف الصمت
في خريف عام 2011، انكشفت واحدة من أكبر فضائح الاحتيال المالي في تاريخ الشركات اليابانية، عندما تبيّن أن شركة «أوليمبوس» التي تمتد جذورها لأكثر من 90 عاماً في صناعة الكاميرات والمعدات الطبية أخفت خسائر تُقدّر بنحو 1.7 مليار دولار على مدار نحو عقدين، في قضية هزّت أسواق المال اليابانية وفتحت الباب أمام تساؤلات واسعة بشأن الحوكمة والرقابة داخل كبرى الشركات.
بداية الأزمة
رغم أن الشركة حققت أرباحًا مبكرة في أواخر الثمانينيات، فإن مسارها المالي بدأ ينحرف سريعًا. ففي عام 1991، سجلت «أوليمبوس» خسائر بلغت 2.1 مليار ين، ومع تصاعد الشكوك في أواخر التسعينيات بشأن اتساع حجم الخسائر، لم تتجه الإدارة إلى الاعتراف بها أو معالجتها بشفافية، بل اختارت إخفاءها بمرور الوقت.
كيف أخفت «أوليمبوس» خسائرها؟
اعتمدت الشركة على سلسلة من الأساليب المحاسبية والصفقات المعقدة لإبعاد الخسائر عن قوائمها المالية. ومن بين هذه الأساليب، تسجيل بعض الأصول بالتكلفة التاريخية بدلًا من قيمتها السوقية العادلة، إلى جانب التوسع في استثمارات أكثر خطورة بدل تقليص الانكشاف عليها.
كما لجأت «أوليمبوس» إلى تنفيذ عمليات استحواذ مثيرة للريبة عبر شركات مرتبطة بملاذات ضريبية، بينها شركات في جزر كايمان، مقابل رسوم استشارية وإدارية ضخمة، في ما بدا لاحقًا أنه وسيلة لتغطية فجوات مالية متراكمة.
صفقة «جيروس».. الخيط الذي كشف المستور
من أبرز المعاملات التي أثارت الشكوك كانت صفقة استحواذ «أوليمبوس» على الشركة البريطانية «جيروس» المتخصصة في المعدات الطبية. ففي هذه الصفقة، دفعت الشركة 687 مليون دولار كرسوم استشارية إلى جهة غير معروفة نسبياً، وهو مبلغ يعادل نحو ثلث إجمالي قيمة الصفقة، ما أثار تساؤلات كبيرة داخل الأوساط المالية والمحاسبية.
وقد أبدت شركة التدقيق الخارجي «إرنست أند يونغ» مخاوفها بشأن تلك الصفقة، لكن ذلك لم يكن كافياً لوقف المسار الذي كانت تسير فيه الإدارة العليا.
ظهور «مايكل وودفورد»
في تطور غير معتاد داخل بيئة الشركات اليابانية المحافظة، تم تعيين البريطاني مايكل وودفورد مديراً تنفيذياً لـ«أوليمبوس» عام 2011، بعد أكثر من عشر سنوات قضاها في فروع الشركة الأوروبية.
في البداية، استقبلت الأسواق هذا التعيين بنوع من التفاؤل، حتى إن «جولدمان ساكس» رفع توصيته لسهم الشركة إلى «شراء»، على أمل أن يسهم المدير الجديد في خفض النفقات وتحسين الأداء. لكن هذا التفاؤل لم يدم طويلاً.
صدام مع الإدارة
بعد فترة قصيرة من توليه المنصب، بدأ وودفورد يكتشف سلسلة من المعاملات المثيرة للشبهة، وعلى رأسها صفقات الاستحواذ والرسوم غير المبررة. وعندما طالب رئيس مجلس الإدارة تسويوشي كيكوكاوا ومسؤولين تنفيذيين آخرين بتفسيرات واضحة، جاءت الردود مبهمة، ما عزز شكوكه بوجود تلاعب واسع النطاق.
وأمام هذا الصمت، قرر وودفورد الاستعانة بشركة «برايس ووترهاوس كوبرز» (PWC) لإجراء مراجعة مستقلة للمعاملات المشبوهة.
تقرير صادم.. ثم إقالة مفاجئة
أعدت «بي دبليو سي» تقريراً مقلقاً يدين الإدارة ويكشف مؤشرات خطيرة على وجود مخالفات مالية جسيمة. ونقل وودفورد التقرير إلى رئيس مجلس الإدارة، بل واقترح عليه الاستقالة باعتبارها الخطوة الأنسب لحماية الشركة واحتواء الأزمة.
كما أرسل نسخاً من التقرير إلى المدققين الخارجيين، في خطوة أدرك أنها قد تفتح الباب أمام انكشاف القضية على نطاق أوسع.
وكان وودفورد يأمل أن يشكل اجتماع مجلس الإدارة في 14 أكتوبر 2011 نقطة تحول تقود إلى الإصلاح والشفافية، لكن ما حدث كان العكس تماماً: تمت إقالته من منصبه بعد أشهر قليلة فقط من تعيينه.
الاعتراف بعد الإنكار
في البداية، أنكرت «أوليمبوس» وجود مخالفات جوهرية، لكنها اضطرت لاحقاً إلى الاعتراف بأنها أخفت خسائر بقيمة 1.7 مليار دولار على مدى نحو 20 عاماً.
وكشفت التحقيقات أن الإدارة العليا استمرت طوال تلك الفترة في محاولة التغطية على استثمارات فاشلة وخسائر متراكمة، فيما فشل المدققون الخارجيون في رصد جميع المعاملات الوهمية أو كشف عمق التلاعب في وقت مبكر.
انهيار السهم وسقوط القيادات
بعد انكشاف الفضيحة، تراجع سهم «أوليمبوس» بنحو 80 %، واستقال مجلس إدارتها، كما رفعت الشركة دعوى قضائية ضد رئيسها و18 مسؤولًا آخر.
وامتدت التحقيقات إلى خارج اليابان، حيث باشر مدعون عامون في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة واليابان مراجعة القضية، التي تحولت إلى رمز عالمي لفشل الحوكمة المؤسسية.
درس قاسٍ في الحوكمة
ورغم أن «أوليمبوس» واصلت أعمالها لاحقًا، ونجحت في إعادة هيكلة نموذجها التشغيلي وتحسين مستويات الشفافية والمساءلة، فإن فضيحتها بقيت مثالاً صارخاً على كيف يمكن لثقافة إدارية قائمة على الصمت وإخفاء الحقيقة أن تحول خسائر قابلة للاحتواء إلى كارثة ممتدة لسنوات.
فما بدأ بخسائر استثمارية كان يمكن الاعتراف بها ومعالجتها، انتهى إلى واحدة من أكثر الفضائح المالية إحراجاً في تاريخ الشركات اليابانية.