فوضى السيولة والتلاعب السعري تعصف بصناديق التحوط في عام كارثي للكريبتو
بعد سنوات من الترقب، دخلت صناديق التحوط المتخصصة في العملات المشفرة عام 2025 على أمل أن يكون عام التحول الحقيقي للسوق، مدفوعة بتنظيمات جديدة وتدفقات مؤسسية ودعم سياسي غير مسبوق. غير أن ما تكشف خلال العام لم يكن نضجاً بقدر ما كان اختباراً قاسياً لبنية سوق لا تزال هشة، تتحكم بها السيولة أكثر مما تحكمها الأساسيات. وما حصل خلال أكتوبر 2024 وما تلاه، أظهر أن فقدان السيولة يظل العامل الأكثر تأثيراً في السوق، وأن التلاعبات عبر برامج ذكية للذكاء الاصطناعي بدأت تلعب دوراً ملموساً في حركة الأسعار.
حتى نهاية نوفمبر من العام الحالي، سجلت الصناديق التي تراهن على اتجاهات الأسعار تراجعاً بنحو 2.5 %، في أسوأ أداء لها منذ انهيار 2022، بينما تكبدت استراتيجيات الاستثمار طويل الأجل في العملات البديلة خسائر قاربت 23 %. وحدها الصناديق المحايدة للسوق نجحت في تسجيل مكاسب محدودة، مستفيدة من فروق تسعير صغيرة في بيئة عالية الاضطراب.
لكن خلف هذه الأرقام، برز عامل أكثر إشكالية: سحب السيولة بشكل غير متوازن، وتقلص عمق السوق بصورة مفاجئة. فرغم موجات الصعود التي قادتها بتكوين مطلع العام، جاءت التحركات السعرية في فترات سيولة ضعيفة، ما صعّب على الصناديق بناء أو تصفية مراكزها، وفتح الباب أمام تحركات حادة بدت لكثيرين غير طبيعية، خصوصاً مع ظهور أنماط شموع متساوية على معظم العملات، وهو مؤشر على تدخلات وتحكمات برمجية متقدمة باستخدام الذكاء الاصطناعي.
في الوقت نفسه، أعادت التدفقات المؤسسية عبر الصناديق المتداولة والمنتجات المهيكلة تشكيل مشهد التداول. تقلصت فرص المراجحة التي كانت تشكل العمود الفقري لاستراتيجيات عديدة، مع تضييق فروق الأسعار وانسحاب تدريجي لصناع سوق مؤثرين من بعض الأزواج، ما جعل السوق أكثر عرضة للانزلاقات السعرية وتفاقم تأثير التلاعبات.
وجاءت ذروة الاضطراب في 10 أكتوبر من العام الحالي، حين تزامن حدث سياسي مع بيئة سيولة شحيحة، لتقع واحدة من أسرع موجات التصفية في تاريخ السوق، حيث مُحيت مراكز مدينة بنحو 20 مليار دولار خلال ساعات. ورغم تحميل التصريحات السياسية مسؤولية الشرارة، أجمع مديرو صناديق على أن الانهيارات الحادة التي تجاوزت 40% في عشرات العملات لا يمكن تفسيرها بالعوامل الخارجية وحدها، وأن التلاعبات والتحكمات التقنية كانت عاملاً مساهماً في تعميق الأزمة.
الأخطر، بحسب مراقبين، كان ما رافق الانهيار من تعطل في البنية التحتية للسوق، واختفاء السيولة، وفشل أنظمة إدارة المخاطر، وتأخر تنفيذ الأوامر. ومع غياب آليات وقف التداول أو مقاصة مركزية، تحولت عمليات التصفية إلى سلسلة متلاحقة، كشفت هشاشة السوق رغم ادعاءات النضج.
كما أثارت قرارات شطب مفاجئة لعملات، بعضها يمتلك مشاريع قائمة، علامات استفهام واسعة، خصوصاً في الحالات التي تضرر فيها مستثمرون دون تعويض واضح، ما أعاد الجدل حول دور بعض المنصات في إدارة السيولة والتسعير، وحدود مسؤوليتها تجاه عملائها.
في المقابل، صمدت الاستراتيجيات المحايدة نسبياً، كما وجد بعض المستثمرين ملاذاً في التمويل اللامركزي، حيث لا تزال العوائد ممكنة بفعل التشظي وقلة الكفاءة، وإن كانت هذه الفرص محدودة السعة ومحفوفة بتحديات تقنية.
خلاصة العام كانت واضحة: سوق العملات المشفرة لا يزال أسيراً للسيولة أكثر من القيمة، وللبنية أكثر من الابتكار، ومع استمرار تأثير التلاعبات التقنية وفقدان السيولة، يبدو أن 2025 لم يكن عام التحول المنشود، بل محطة إعادة ترتيب قاسية لقواعد اللعبة، قد تحدد من يبقى في السوق… ومن يخرج منه نهائياً.