كيف تبني مؤسسة قابلة للاستدامة في عالم متغير؟
تقوم عملية صياغة الاستراتيجيات الجديدة أو تحديث الاستراتيجيات القائمة على بعدين رئيسيين لا يمكن الفصل بينهما، إذ يشكلان معًا الإطار المعرفي الذي تُبنى عليه القرارات الكبرى للمؤسسات.
أولاً: البعد الداخلي
يركز هذا البعد على قراءة المؤسسة من داخلها، عموديًا وأفقيًا، بهدف تشخيص مكامن القوة ومواطن الضعف بدقة. ومن خلال هذا التحليل تتكوّن صورة واضحة عن القدرات الحقيقية والإمكانات المتاحة، سواء على مستوى الموارد البشرية أو الهيكل التنظيمي أو الكفاءة التشغيلية. هذه القراءة المتعمقة تمكّن الإدارة من صياغة استراتيجيات واقعية، منسجمة مع طموحات المؤسسة وإمكاناتها الفعلية، بعيدًا عن التقديرات غير الدقيقة أو القرارات الارتجالية.
ثانيا: البعد الخارجي
يتناول هذا البعد البيئة المحيطة بالمؤسسة، بما تتضمنه من متغيرات اقتصادية وتشريعية وتقنية وتنافسية. فهو يوضح السياق الذي تعمل فيه المؤسسة، ويكشف طبيعة الفرص المتاحة والمخاطر المحتملة، والعوامل التي قد تؤثر سلبًا أو إيجابًا في أدائها واستدامتها.
إن الجمع بين البعدين الداخلي والخارجي يوفر قاعدة بيانات ثرية ومتكاملة تُستخدم في تحليل الأعمال الحالية واستشراف مجالات التوسع المستقبلية. ولا يمكن تجاهل أي منهما عند صياغة استراتيجية يُفترض أن تمتد آثارها لسنوات مقبلة، وتوجّه مسار القرارات المحورية للمؤسسة.
ولكي تتحقق هذه الغاية بصورة منهجية قائمة على البيانات، لا بد من الاستثمار الجاد في عملية التخطيط الاستـراتيجـي، عبــر تخصيص ميزانيات مناسبة، والاستعانة بالكفاءات المتخصصة، سواء من داخل المؤسسة أو عبر مستشارين محترفين في مجال بناء الاستراتيجيات. فهذا الاستثمار، وإن بدا مكلفًا في بدايته، يُعد في جوهره استثمارًا عالي العائد، لما يحققه من قيمة مضافة واستدامة في الأداء والنمو.
البعد الداخلي – ميزات وخصائص المنظمة
وعن عناصر البعد الداخلي، التي تحدد ميزات وخصائص الشركات والمؤسسات والمنظمات، والتي سنستعرض أهمها:
● الشركات والمؤسسات والمنظمات هي كائنات حية، تعيش في أوساطنا لتنفعنا وننتفع منها وبها، تولد لتعيش أجلاً معيناً، وتعمر فينا عمراً، وتمارس نشاطاتها ومهامها في حياتها اليومية، ولذلك هي تحتاج منا الرعاية والعناية من لحظة ولادتها، حتى اختفائها أو تلاشيها من الأسواق، مروراً برحلتها اليومية، والإنجازات والإخفاقات التي تمثل الأحداث الحقيقية في عمرها، وعلينا أن نفهمها تماماً مثل ما نفهم أنفسنا، ونتواصل معها مثلما نتواصل مع الآخرين، ومهمتنا وغايتنا هي استدامتها وتطويرها وتنميتها باغتنام الفرص وبناء الخطط، وتجنب المخاطر، وتدريبها على المرونة والتكيف الذي يواجه التغييرات والتحديات الناشئة في أسواق الأعمال وتحت كل الظروف.
تبادل المنافع أساس الوجود
لا تنشأ الكيانات الاقتصادية في فراغ، بل تقوم في جوهرها على مبدأ تبادل المنافع. وكما أن الإنسان كائن اجتماعي بطبعه لا يستطيع العيش بمعزل عن الآخرين، فإن الشركات والمؤسسات لا يمكن أن ترسخ وجودها أو تستمر دون شبكة علاقات متداخلة تقوم على المصالح المشتركة.
إن بناء العلاقات مع العملاء والموردين والمستثمرين والمجتمع المحيط ليس خياراً ثانوياً، بل شرطاً لازماً للاستمرار والتأثير الإيجابي. فكل كيان اقتصادي يحمل أهدافاً ومصالح، لكنه في الوقت ذاته جزء من منظومة أوسع تؤثر فيه ويتأثر بها. ومن دون وضوح في تحديد مسؤولياته المجتمعية وتعريف موقعه ضمن بيئته، يفقد قدرته على صناعة أثر مستدام.
مراحل النمو وتحديات التحول
تمر الشركات بدورات نمو متعاقبة تشبه إلى حد بعيد دورة حياة الإنسان. فهي تبدأ صغيرة بإمكانات محدودة، وقد تحمل في الوقت ذاته طموحات بعيدة المدى. ومع مرور الوقت، تنمو عبر تطوير منتجاتها وخدماتها، وتوسيع قاعدة عملائها، والانتشار في أسواق جديدة، وبناء شبكات علاقات أكثر تعقيداً وتنوعاً.
غير أن هذا النمو لا يسير في خط مستقيم؛ فهو محكوم بعوامل شدّ ودفع وضغط. هناك فرص تُغتنم، ومخاطر تُدار، وتحديات تتطلب مرونة في التكيف وكفاءة في إدارة التغيير. وسرعة النمو واتجاهه يتحددان وفق محصلة هذه القوى مجتمعة، تماماً كما يتحدد مسار أي جسم متحرك وفق القوى المؤثرة عليه.
وعادة ما تمر الكيانات الاقتصادية بثلاث مراحل رئيسية:
مرحلة الصعود: تبدأ منذ التأسيس وحتى تثبيت موطئ قدم في السوق وإثبات القدرة على المنافسة.
مرحلة الازدهار: تتسم بتحقيق أرباح مستقرة أو مرتفعة، وبناء سمعة قوية، واتساع شبكة العلاقات، وزيادة الإقبال من العملاء.
مرحلة الأفول: تظهر عندما تعجز الشركة عن مواكبة متغيرات السوق، أو تتراجع قدرتها على تحقيق الأرباح، أو تتقلص قاعدة عملائها لصالح المنافسين.
والوعي بهذه المراحل لا يعني الاستسلام لها، بل إدراك طبيعتها والاستعداد لها. فاستدامة الكيان الاقتصادي تتطلب يقظة دائمة، واستثماراً مستمراً في المعرفة والخبرة والقدرة على التكيف، حتى يطيل أمد ازدهاره ويتجنب الانحدار المبكر.
الهوية المؤسسية… البوصلة التي توجه المسار
لا يمكن لأي كيان اقتصادي أن يستمر دون منظومة فكرية واضحة تشكل هويته وتحدد ملامحه. فالعقيدة المؤسسية، والثقافة التنظيمية، والرؤية المستقبلية، والرسالة المحددة، والأهداف القابلة للقياس؛ جميعها تمثل الإطار الذي تنطلق منه الأعمال وتُدار من خلاله القرارات.
العقيدة تمنح الكيان ثباته وانتماءه، والثقافة تصوغ سلوك أفراده وتحدد أسلوب العمل داخله، أما الرؤية فترسم الصورة التي يسعى إلى بلوغها، بينما تعكس الرسالة سبب وجوده وقيمته المضافة، وتترجم الأهداف تلك المفاهيم إلى نتائج عملية. وغياب أي من هذه العناصر يجعل المسار ضبابياً، ويضعف القدرة على مواجهة التحديات والمخاطر.
وضوح هذه المرتكزات لا يعزز فقط تماسك العاملين وانتماءهم، بل يرفع مستوى ثقة العملاء، ويعمّق علاقة الشركاء والموردين والمستثمرين بالكيان. فعندما تكون الهوية واضحة، يعرف الجميع من أين يبدأون، وإلى أين يتجهون، وما المعايير الأخلاقية والمهنية التي تحكم الأداء.
إن شخصية الشركة تنبع من هذه المنظومة المتكاملة؛ من القيم التي تتبناها، والثقافة التي ترسخها، والرؤية التي تعلنها، والأهداف التي تخطط لها. وكلما كانت هذه العناصر واضحة ومتجذرة، تميزت بهوية مستقلة يسهل التعرف عليها في سوق تتشابه فيه المنتجات وتتنافس فيه الرسائل.
العمل المنظم والمعرفة… وقود النمو المستدام
النمـو الـحـقـيـقـي لا يتحقـق بالعشوائية أو الحماس المؤقت، بل بالعمل المنظم المبني على معرفة عميقة وخبرة متراكمة. فالمؤسسات الطموحة لا تكتفي بما لديها من مهارات، بل تستثمر باستمرار في تطوير قدراتها، وتحديث أدواتها، وتعزيز كفاءة فرقها.
اكتساب المعرفة، وتبني أفضل الممارسات، والاستفادة من الدراسات والتجارب، كلها عناصر تسهم في بناء بيئة عمل واعية قادرة على الابتكار والتكيف. كما أن وضع نظم واضحة للإجراءات، وتحديد المسؤوليات بدقة، واختيار الكفاءات المناسبة، يشكل أساساً لعمل مؤسسي منضبط وفعّال.
البرامج والمبادرات الناجحة ليست مجرد أنشطة شكلية، بل أدوات مدروسة تنسجم مع العقيدة والرؤية والرسالة والأهداف. وهي تُصمم لتعزيز القدرة التنافسية، وتحقيق جودة عالية في المنتجات والخدمات، وضمان استدامة الإنجاز.
وعندما يتكامل وضوح الهوية مع صرامة المنهجية في العمل، تتشكل مؤسسة قادرة على مواجهة المتغيرات بثقة، وتحويل التحديات إلى فرص، وصناعة موقع متقدم بين منافسيها. فأساس الاستدامة يكمن في العمل الدؤوب، المنظم، القائم على معرفة متجددة لا تتوقف عند حد.