كيف تصنع الشركات العائلية توازنها بين الروابط العائلية ومتطلبات الإدارة الحديثة
يشكّل العاملون في الشركات العائلية من غير أفراد العائلة عنصرًا أساسيًا في استقرار الأداء اليومي واستمرارية النجاح، إلا أنهم يعملون في بيئة تتسم بحساسية خاصة وتعقيدات متشابكة. فهؤلاء الموظفون يجدون أنفسهم في كثير من الأحيان وسط تيارات عائلية متنافسة، وتدخلات متكررة في تفاصيل العمل، ما يفرض عليهم تحديات نفسية ومهنية مضاعفة لإثبات مكانتهم والحفاظ على توازنهم داخل المؤسسة.
ويواجه الإداريون من خارج العائلة واقعاً قد تُمنح فيه بعض المناصب استناداً إلى الروابط العائلية أكثر من الكفاءة المهنية، الأمر الذي يولد لديهم شعوراً بأن جهودهم لا تحظى دائمًا بالتقدير المستحق، رغم كونهم من المحركات الأساسية لعملية التشغيل والإنجاز. ومع ذلك، تبقى قدرتهم على التكيف والالتزام المهني عاملًا مهمًا في الحفاظ على استقرار المؤسسة ونموها.
ورغم اختلاف توجهات أفراد العائلة وتباين مستويات ارتباطهم العاطفي بالشركة، تلعب ثقافة العائلة دورًا محوريًا في صياغة موقف مشترك تجاه مستقبل المؤسسة. ويبرز هنا دور المالك أو القيادة العليا في تحقيق توازن دقيق بين شخصيات أفراد العائلة والمسؤوليات الموكلة إليهم، بما يضمن شعور الجميع بالرضا ويحد من الصراعات الداخلية التي قد تهدد استمرارية الشركة.
الديناميات العائلية
حين تتقاطع العلاقات مع الإدارة
تتكون العائلة المنخرطة في إدارة الشركة من أفراد ذوي شخصيات متباينة وتوقعات مختلفة لما ينبغي أن تكون عليه المؤسسة. ولكل منهم اهتماماته الخاصة ومستوى ارتباطه بالشركة، ما يجعل وحدة الرؤية والتفاهم بين أفراد العائلة شرطًا أساسياً لنجاح الشركة واستدامة نموها.
وفي بعض الحالات، تظهر فجوة بين ما تتوقعه الشركة من انضمام أحد أفراد العائلة إلى العمل، وبين ما يرغب هذا الفرد في تقديمه أو ما يستطيع تحقيقه فعليًا، الأمر الذي قد ينعكس على الأداء العام ويؤثر في توازن العلاقات داخل المؤسسة.
وتبرز ثقافة العائلة وقيمها كعامل رئيسي في تشكيل موقف جماعي تجاه الشركة، ما يفرض على مجالس العائلة ومؤسساتها عند التخطيط لمستقبل الشركة أن توازن بين احتياجات الأفراد ومتطلبات العائلة ككل، وفي الوقت نفسه تضع في الاعتبار حاجات الشركة وأولوياتها لضمان استمرارها وتطورها.
العلاقات العائلية
بين الانسجام وتفجر الخلافات
يبرز فهم أثر العلاقات العائلية والنزاعات الفردية كأحد المحاور الأساسية في نجاح الشركات العائلية أو تعثرها. فكثيرًا ما تغفل العائلات عن أن الخلافات داخل المؤسسة تعكس في جوهرها محدودية مشاركة بعض الأفراد في العمل، وندرة الفرص التي تتيح للأسرة التعرف بشكل بنّاء إلى الفروقات في القيم والأهداف والرؤى بين أعضائها.
وتتفاقم التحديات في العائلات التي يعمل أفرادها على مقربة شديدة من بعضهم البعض، حيث يخشى المسؤولون أحيانًا أن يؤدي تشجيع المشاركة الأوسع إلى كشف خلافات كانت كامنة تحت السطح. وبدلًا من مواجهة الواقع عبر حوار صريح قد يكون مؤلمًا، يُفضّل البعض تجنّب التواصل بدافع الحفاظ على انسجام العائلة.
غير أن الخبراء يرون أن النزاع والتغيير، عندما يُداران بوعي، يشكلان عنصراً حيوياً لنمو العلاقات داخل العائلة وتطور الشركة في آن واحد. فالتقارب المفرط بين المديرين وأفراد العائلة قد يسمح للخلافات الشخصية بأن تطغى على العمل المهني، حتى وإن استمرت أنشطة الشركة في مسارها الطبيعي ظاهرياً.
استمرارية شركة العائلة
تحدي البقاء عبر الأجيال
تُعد استمرارية الشركة العائلية من أصعب التحديات التي تواجه الإدارات، إذ تشير الدراسات إلى أن نسبة الشركات التي تنجح في الوصول إلى الجيل الثالث لا تتجاوز حدودًا ضيقة. فحوالي ثلث الشركات العائلية فقط يستمر حتى الجيل الثاني، بينما يقل عدد من يبلغ الجيل الثالث إلى أقل من ذلك بكثير، ما يعكس هشاشة هذا النوع من الكيانات أمام تقلبات الزمن والتحولات الداخلية.
وتكشف أبحاث حديثة شملت مئات الشركات أن غالبية هذه المؤسسات إما بيعت، أو انتقلت ملكيتها، أو شهدت تراجعًا حادًا في مبيعاتها خلال العقود الأربعة الماضية، في مقابل عدد محدود فقط حافظ على استقلاله واستقراره.
ولفهم أعمق للعلاقة بين العائلة وشركتها، يشدد المختصون على ضرورة النظر إلى الطرفين كنظامين مختلفين بطبيعتهما، لكل منهما منطق عمله ومتطلباته، ما يستدعي إدارة واعية قادرة على تحقيق التوازن بين الروابط العائلية ومقتضيات العمل المؤسسي.
حين يكون الخطر من الداخل
أسباب تعثر الشركات العائلية
ترصد الدراسات مجموعة من العوامل التي تقف خلف تعثر الشركات العائلية، في مقدمتها التحولات السريعة في التكنولوجيا، وتغير طبيعة الصناعات بفعل المنافسة والموردين، إضافة إلى تقليد المنافسين للاستراتيجيات الناجحة، ونقص الموارد المالية، وندرة الكفاءات الإدارية والعمالة الماهرة.
غير أن استبعاد هذه العوامل الخارجية يكشف حقيقة أكثر حساسية، مفادها أن العائلة نفسها غالبًا ما تكون العامل الأبرز في انهيار الشركة. فوطأة العمل المشترك تضاعف حدة التنافس بين الإخوة وأبناء العمومة، كما تعمّق الفجوة بين الجيل المؤسس والجيل الصاعد. وتظهر دراسات عدة توافقًا لافتًا بين متوسط عمر الشركة العائلية ومتوسط الفترة التي يحتفظ فيها المؤسس بدوره القيادي الفاعل، ما يسلط الضوء على أهمية مسألة الخلافة الإدارية. وفي هذا السياق، تشير أبحاث إلى أن نسبة معتبرة من الشركات التي بيعت أو فقدت استقلالها تعثرت بسبب ضعف الإدارة أو غياب الخليفة المناسب للمؤسس.
نظامان متوازيان
العائلة والشركة
لفهم طبيعة العلاقة المعقدة بين العائلة وشركتها، ينظر المختصون إلى الطرفين بوصفهما نظامين مختلفين في الجوهر. فالعائلة تقوم على منظومة محافظة تسعى إلى تقليل التغيير حفاظًا على التماسك والاستقرار، وتستمد قوتها من الروابط العاطفية العميقة بين أفرادها، بما تحمله من ولاء ورعاية وتلاحم، إضافة إلى دوافع نفسية كامنة تؤثر في أنماط السلوك والعلاقات داخل الأسرة.
في المقابل، تعمل الشركة ضمن نظام تعاقدي قائم على المهام والأداء والنتائج، حيث تُحدد المسؤوليات مقابل مكافآت واضحة، ويتجه الجهد نحو إنتاج السلع أو تقديم الخدمات التي يحتاجها السوق. وعلى عكس نظام العائلة، يحتاج نظام الشركة إلى التغيير المستمر والتكيف مع المتغيرات لضمان البقاء والنمو.
وعندما تتقاطع هاتان المنظومتان داخل إطار الشركة العائلية، تنشأ بطبيعة الحال توترات واحتكاكات نابعة من اختلاف المقاصد والأولويات. ويشعر بهذه الضغوط المؤسس وأفراد الأسرة على حد سواء، خاصة عند نقاط التلاقي بين متطلبات الروابط العائلية وضرورات العمل المؤسسي.
جذور الخلاف
تفاصيل صغيرة بتأثير كبير
وعلى الرغم من كثرة النزاعات ومشكلات التواصل التي تبرز في الشركات العائلية، فإن جذورها غالبًا ما تعود إلى قضايا محدودة ومترابطة، تتمحور حول العلاقات الثنائية بين الأفراد، بوصفهم في الوقت نفسه أعضاء في العائلة وحملة لمسؤوليات مهنية داخل الشركة. ومن هنا، يصبح التعامل الواعي مع هذه التفاصيل الصغيرة مفتاحًا أساسيًا للحفاظ على التوازن بين الانتماء العائلي ومتطلبات الإدارة الحديثة.