تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كيف‭ ‬تعيد‭ ‬الضرائب‭ ‬والتجارة‭ ‬رسم‭ ‬خريطة‭ ‬الاستثمار‭ ‬ومستويات‭ ‬المعيشة

SQ32

عندما‭ ‬تستحوذ‭ ‬الضرائب‭ ‬المرتفعة‭ ‬على‭ ‬جزء‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬دخل‭ ‬الأفراد،‭ ‬تتراجع‭ ‬الحوافز‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالعمل‭ ‬وتوظيف‭ ‬الموارد‭ ‬في‭ ‬أنشطة‭ ‬إنتاجية‭. ‬وتبرز‭ ‬هنا‭ ‬أهمية‭ ‬ما‭ ‬يُعرف‭ ‬بنسبة‭ ‬الضريبة‭ ‬الهامشية،‭ ‬وهي‭ ‬النسبة‭ ‬التي‭ ‬تُفرض‭ ‬على‭ ‬أي‭ ‬دخل‭ ‬إضافي‭ ‬يحققه‭ ‬الفرد‭ ‬عند‭ ‬مستوى‭ ‬معين‭ ‬من‭ ‬الدخل‭. ‬فكلما‭ ‬ارتفعت‭ ‬هذه‭ ‬النسبة،‭ ‬تقل‭ ‬الحصة‭ ‬التي‭ ‬يُسمح‭ ‬للأفراد‭ ‬بالاحتفاظ‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬مكاسبهم‭ ‬الجديدة،‭ ‬ما‭ ‬ينعكس‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬قراراتهم‭ ‬الاقتصادية‭ ‬وسلوكهم‭ ‬المهني‭.‬
ولتوضيح‭ ‬ذلك،‭ ‬يمكن‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬مثال‭ ‬من‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2003،‭ ‬حيث‭ ‬كان‭ ‬دافع‭ ‬الضرائب‭ ‬الذي‭ ‬يبلغ‭ ‬دخله‭ ‬40‭ ‬ألف‭ ‬دولار‭ ‬مطالبًا‭ ‬بدفع‭ ‬25‭ ‬دولارًا‭ ‬كضريبة‭ ‬إضافية‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬100‭ ‬دولار‭ ‬يحققها‭ ‬فوق‭ ‬هذا‭ ‬المستوى،‭ ‬أي‭ ‬بنسبة‭ ‬هامشية‭ ‬تبلغ‭ ‬25‭ ‬في‭ ‬المئة‭. ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬الاقتطاع‭ ‬يجعل‭ ‬العائد‭ ‬الصافي‭ ‬من‭ ‬الجهد‭ ‬الإضافي‭ ‬أقل‭ ‬جاذبية،‭ ‬ويؤثر‭ ‬في‭ ‬رغبة‭ ‬الأفراد‭ ‬في‭ ‬توسيع‭ ‬نشاطهم‭ ‬الاقتصادي‭ ‬أو‭ ‬زيادة‭ ‬ساعات‭ ‬عملهم‭.‬
ويُعزى‭ ‬تأثير‭ ‬الضرائب‭ ‬الهامشية‭ ‬المرتفعة‭ ‬على‭ ‬الإنتاج‭ ‬والدخل‭ ‬إلى‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬العوامل،‭ ‬في‭ ‬مقدمتها‭ ‬تراجع‭ ‬الحوافز‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالعمل‭ ‬والإنتاجية‭. ‬فعندما‭ ‬تصل‭ ‬هذه‭ ‬النسب‭ ‬إلى‭ ‬مستويات‭ ‬تتجاوز‭ ‬نصف‭ ‬الدخل‭ ‬الإضافي،‭ ‬يجد‭ ‬كثيرون‭ ‬أن‭ ‬الجهد‭ ‬المبذول‭ ‬لا‭ ‬يقابله‭ ‬عائد‭ ‬كافٍ،‭ ‬ما‭ ‬يدفع‭ ‬بعضهم‭ ‬إلى‭ ‬تقليص‭ ‬ساعات‭ ‬العمل،‭ ‬أو‭ ‬التوجه‭ ‬نحو‭ ‬التقاعد‭ ‬المبكر،‭ ‬أو‭ ‬اختيار‭ ‬وظائف‭ ‬توفر‭ ‬مزايا‭ ‬غير‭ ‬مالية‭ ‬مثل‭ ‬الإجازات‭ ‬الأطول‭ ‬أو‭ ‬القرب‭ ‬الجغرافي‭ ‬بدل‭ ‬السعي‭ ‬وراء‭ ‬زيادات‭ ‬في‭ ‬الدخل‭.‬
كما‭ ‬قد‭ ‬تؤثر‭ ‬هذه‭ ‬السياسات‭ ‬على‭ ‬قرارات‭ ‬الدخول‭ ‬إلى‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭ ‬أو‭ ‬الانتقال‭ ‬بين‭ ‬الوظائف،‭ ‬إذ‭ ‬يصبح‭ ‬الأفراد‭ ‬أكثر‭ ‬تحفظًا‭ ‬في‭ ‬قبول‭ ‬فرص‭ ‬جديدة‭ ‬أو‭ ‬خوض‭ ‬مشاريع‭ ‬تنطوي‭ ‬على‭ ‬قدر‭ ‬من‭ ‬المخاطرة‭. ‬وفي‭ ‬بعض‭ ‬الحالات،‭ ‬قد‭ ‬تدفع‭ ‬الضرائب‭ ‬المرتفعة‭ ‬أصحاب‭ ‬المهارات‭ ‬العالية‭ ‬إلى‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬بيئات‭ ‬عمل‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬ذات‭ ‬أنظمة‭ ‬ضريبية‭ ‬أقل‭ ‬عبئًا،‭ ‬ما‭ ‬ينعكس‭ ‬على‭ ‬حجم‭ ‬القوة‭ ‬العاملة‭ ‬وجودتها‭ ‬داخل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬المحلي‭.‬
ولا‭ ‬تظهر‭ ‬هذه‭ ‬الآثار‭ ‬دائمًا‭ ‬بشكل‭ ‬فوري،‭ ‬فالكثيرون‭ ‬يستمرون‭ ‬في‭ ‬وظائفهم‭ ‬رغم‭ ‬ارتفاع‭ ‬الضرائب،‭ ‬خاصة‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬استثمروا‭ ‬سنوات‭ ‬في‭ ‬التدريب‭ ‬وبناء‭ ‬المسار‭ ‬المهني‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬التأثير‭ ‬يكون‭ ‬أوضح‭ ‬على‭ ‬الأجيال‭ ‬الأصغر‭ ‬سنًا،‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تحجم‭ ‬عن‭ ‬دخول‭ ‬مجالات‭ ‬تتطلب‭ ‬استثمارات‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬التعليم‭ ‬والتأهيل‭ ‬إذا‭ ‬رأت‭ ‬أن‭ ‬العائد‭ ‬المستقبلي‭ ‬سيُقتطع‭ ‬جزء‭ ‬كبير‭ ‬منه‭ ‬لصالح‭ ‬الضرائب،‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬النتائج‭ ‬السلبية‭ ‬تتكشف‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬الطويل‭.‬
إلى‭ ‬جانب‭ ‬ذلك،‭ ‬تسهم‭ ‬الضرائب‭ ‬على‭ ‬الأجور‭ ‬في‭ ‬توسيع‭ ‬الفجوة‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬يدفعه‭ ‬صاحب‭ ‬العمل‭ ‬لتوظيف‭ ‬العامل‭ ‬وما‭ ‬يتقاضاه‭ ‬هذا‭ ‬الأخير‭ ‬فعليًا‭. ‬ومع‭ ‬اتساع‭ ‬هذه‭ ‬الفجوة،‭ ‬ترتفع‭ ‬كلفة‭ ‬التوظيف،‭ ‬وتتراجع‭ ‬معدلات‭ ‬الاستيعاب‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬العمل،‭ ‬وقد‭ ‬يتجه‭ ‬بعض‭ ‬العمال‭ ‬إلى‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬القطاع‭ ‬الرسمي‭ ‬أو‭ ‬الانضمام‭ ‬إلى‭ ‬أنشطة‭ ‬غير‭ ‬منظمة،‭ ‬حيث‭ ‬تقل‭ ‬الحماية‭ ‬القانونية‭ ‬ويضعف‭ ‬ضمان‭ ‬حقوق‭ ‬الملكية‭.‬
وفي‭ ‬سياق‭ ‬آخر،‭ ‬قد‭ ‬تدفع‭ ‬الضرائب‭ ‬الهامشية‭ ‬المرتفعة‭ ‬بعض‭ ‬الأفراد‭ ‬إلى‭ ‬اختيار‭ ‬أنشطة‭ ‬أقل‭ ‬إنتاجية‭ ‬لكنها‭ ‬معفاة‭ ‬من‭ ‬الضرائب‭. ‬فبدل‭ ‬الاستعانة‭ ‬بخدمات‭ ‬مهنية‭ ‬متخصصة،‭ ‬قد‭ ‬يفضل‭ ‬البعض‭ ‬القيام‭ ‬بالعمل‭ ‬بأنفسهم‭ ‬لتفادي‭ ‬الكلفة‭ ‬الضريبية،‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الكفاءة‭ ‬وجودة‭ ‬الأداء،‭ ‬ما‭ ‬يقلل‭ ‬في‭ ‬المحصلة‭ ‬من‭ ‬المكاسب‭ ‬التي‭ ‬يحققها‭ ‬الاقتصاد‭ ‬عبر‭ ‬التخصص‭ ‬وتقسيم‭ ‬العمل‭.‬
مع‭ ‬ارتفاع‭ ‬الضرائب،‭ ‬يتجه‭ ‬بعض‭ ‬الأفراد‭ ‬إلى‭ ‬العمل‭ ‬لحسابهم‭ ‬الخاص،‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬كانوا‭ ‬يفضلون‭ ‬في‭ ‬الأصل‭ ‬الوظائف‭ ‬الثابتة‭ ‬بأجر‭ ‬لدى‭ ‬الغير‭. ‬ويعود‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬سهولة‭ ‬خصم‭ ‬النفقات‭ ‬الشخصية‭ ‬باعتبارها‭ ‬تكاليف‭ ‬عمل،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬إمكانية‭ ‬تقليص‭ ‬مصادر‭ ‬الدخل‭ ‬الخاضعة‭ ‬للضريبة‭. ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬السلوكيات،‭ ‬التي‭ ‬تحفزها‭ ‬الفجوات‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬الضريبي،‭ ‬تؤدي‭ ‬في‭ ‬المحصلة‭ ‬إلى‭ ‬هدر‭ ‬الموارد‭ ‬وتراجع‭ ‬الكفاءة‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬بدل‭ ‬توجيه‭ ‬الجهود‭ ‬نحو‭ ‬أنشطة‭ ‬أكثر‭ ‬إنتاجية‭ ‬وشفافية‭.‬
ولا‭ ‬يقتصر‭ ‬أثر‭ ‬الضرائب‭ ‬المرتفعة‭ ‬على‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬إلى‭ ‬تكوين‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬ومستوى‭ ‬كفاءته‭. ‬فالضرائب‭ ‬العالية‭ ‬تنفر‭ ‬الاستثمارات‭ ‬الأجنبية،‭ ‬وتدفع‭ ‬المستثمرين‭ ‬المحليين‭ ‬إلى‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬فرص‭ ‬خارجية‭ ‬حيث‭ ‬تكون‭ ‬الأعباء‭ ‬الضريبية‭ ‬وتكاليف‭ ‬الإنتاج‭ ‬أقل‭. ‬ونتيجة‭ ‬لذلك،‭ ‬ينخفض‭ ‬حجم‭ ‬الاستثمارات‭ ‬المحلية‭ ‬ويتراجع‭ ‬توفر‭ ‬أدوات‭ ‬الإنتاج،‭ ‬وهي‭ ‬عناصر‭ ‬أساسية‭ ‬لدفع‭ ‬عجلة‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭.‬
وفي‭ ‬السياق‭ ‬نفسه،‭ ‬يميل‭ ‬المستثمرون‭ ‬المحليون‭ ‬إلى‭ ‬توجيه‭ ‬أموالهم‭ ‬نحو‭ ‬مشاريع‭ ‬تهدف‭ ‬أساسًا‭ ‬إلى‭ ‬حماية‭ ‬الدخل‭ ‬القائم‭ ‬من‭ ‬الضرائب،‭ ‬بدل‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬أنشطة‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬أكثر‭ ‬ربحية‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬الطويل‭ ‬لكنها‭ ‬أقل‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬التهرب‭ ‬من‭ ‬الأعباء‭ ‬الضريبية‭. ‬وتتحول‭ ‬هذه‭ ‬الملاذات‭ ‬الضريبية‭ ‬إلى‭ ‬وسائل‭ ‬لتحقيق‭ ‬منافع‭ ‬شخصية‭ ‬دون‭ ‬إضافة‭ ‬حقيقية‭ ‬لقيمة‭ ‬الموارد،‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬تبديد‭ ‬رأس‭ ‬مال‭ ‬محدود‭ ‬وتوجيهه‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬استخداماته‭ ‬الأكثر‭ ‬إنتاجية‭.‬
ومن‭ ‬زاوية‭ ‬أخرى،‭ ‬تشجع‭ ‬نسب‭ ‬الضرائب‭ ‬الهامشية‭ ‬المرتفعة‭ ‬الأفراد‭ ‬على‭ ‬استهلاك‭ ‬السلع‭ ‬والخدمات‭ ‬التي‭ ‬تتمتع‭ ‬بإعفاءات‭ ‬ضريبية،‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬سلع‭ ‬أخرى‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬أكثر‭ ‬فائدة‭ ‬أو‭ ‬رغبة‭ ‬لديهم‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تحظى‭ ‬بالمعاملة‭ ‬الضريبية‭ ‬نفسها‭. ‬فعندما‭ ‬تكون‭ ‬بعض‭ ‬النفقات‭ ‬معفاة،‭ ‬لا‭ ‬يتحمل‭ ‬المستهلك‭ ‬كلفتها‭ ‬الكاملة،‭ ‬إذ‭ ‬تُترجم‭ ‬هذه‭ ‬النفقات‭ ‬إلى‭ ‬تخفيض‭ ‬في‭ ‬العبء‭ ‬الضريبي‭ ‬المستحق،‭ ‬ما‭ ‬يجعلها‭ ‬أرخص‭ ‬نسبيًا‭ ‬كلما‭ ‬ارتفعت‭ ‬نسب‭ ‬الضرائب‭ ‬الهامشية‭.‬
وخلاصة‭ ‬القول،‭ ‬تشير‭ ‬التحليلات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الضرائب‭ ‬المرتفعة‭ ‬تضعف‭ ‬النشاط‭ ‬الإنتاجي،‭ ‬وتؤخر‭ ‬عملية‭ ‬تكوين‭ ‬رأس‭ ‬المال،‭ ‬وتوسع‭ ‬نطاق‭ ‬الاستخدامات‭ ‬المهدِرة‭ ‬للموارد‭. ‬وفي‭ ‬المحصلة،‭ ‬تتحول‭ ‬هذه‭ ‬السياسات‭ ‬إلى‭ ‬عائق‭ ‬أمام‭ ‬تحقيق‭ ‬الرخاء‭ ‬الاقتصادي‭ ‬ونمو‭ ‬الدخل‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬الطويل‭.‬
تقوم‭ ‬التجارة‭ ‬الحرة،‭ ‬في‭ ‬جوهرها،‭ ‬على‭ ‬المبادئ‭ ‬نفسها‭ ‬التي‭ ‬تحكم‭ ‬أي‭ ‬تبادل‭ ‬طوعي‭ ‬بين‭ ‬الأطراف،‭ ‬سواء‭ ‬داخل‭ ‬الحدود‭ ‬أو‭ ‬عبرها‭. ‬فهي‭ ‬تتيح‭ ‬للدول‭ ‬والشعوب‭ ‬توسيع‭ ‬نطاق‭ ‬ما‭ ‬تنتجه‭ ‬وتستهلكه‭ ‬من‭ ‬سلع‭ ‬وخدمات‭ ‬إلى‭ ‬مستويات‭ ‬أعلى‭ ‬مما‭ ‬كان‭ ‬ممكنًا‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الاقتصار‭ ‬على‭ ‬الأسواق‭ ‬المحلية‭ ‬فقط،‭ ‬مستندة‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬جملة‭ ‬من‭ ‬العوامل‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الأساسية‭.‬
أولى‭ ‬هذه‭ ‬العوامل‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬استفادة‭ ‬المجتمعات‭ ‬من‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬السلع‭ ‬والخدمات‭ ‬عبر‭ ‬التجارة‭ ‬بأسعار‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬كلفة‭ ‬إنتاجها‭ ‬محليًا‭. ‬فاختلاف‭ ‬الموارد‭ ‬الطبيعية‭ ‬والظروف‭ ‬المناخية‭ ‬وتوافر‭ ‬عناصر‭ ‬الإنتاج‭ ‬بين‭ ‬البلدان‭ ‬يجعل‭ ‬بعض‭ ‬السلع‭ ‬أقل‭ ‬كلفة‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬معينة‭ ‬وأكثر‭ ‬كلفة‭ ‬في‭ ‬أخرى‭. ‬ونتيجة‭ ‬لهذا‭ ‬التباين،‭ ‬تميل‭ ‬الدول‭ ‬إلى‭ ‬التخصص‭ ‬في‭ ‬المنتجات‭ ‬التي‭ ‬تمتلك‭ ‬فيها‭ ‬ميزة‭ ‬نسبية،‭ ‬ثم‭ ‬تبادلها‭ ‬مع‭ ‬شركائها‭ ‬التجاريين‭. ‬هذا‭ ‬التخصص‭ ‬يسمح‭ ‬لكل‭ ‬طرف‭ ‬بتوجيه‭ ‬موارده‭ ‬نحو‭ ‬الأنشطة‭ ‬التي‭ ‬يتقنها‭ ‬ويحقق‭ ‬فيها‭ ‬أعلى‭ ‬كفاءة،‭ ‬ما‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬زيادة‭ ‬إجمالي‭ ‬الإنتاج‭ ‬ورفع‭ ‬مستويات‭ ‬المعيشة‭ ‬مقارنة‭ ‬بحالة‭ ‬الانعزال‭ ‬الاقتصادي‭.‬
العامل‭ ‬الثاني‭ ‬يرتبط‭ ‬بما‭ ‬يعرف‭ ‬باقتصاديات‭ ‬الحجم،‭ ‬إذ‭ ‬تتيح‭ ‬التجارة‭ ‬الدولية‭ ‬للمنتجين‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬نطاق‭ ‬أوسع‭ ‬وتوسيع‭ ‬أسواقهم‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬وراء‭ ‬الحدود‭ ‬المحلية‭. ‬ويكتسب‭ ‬هذا‭ ‬البعد‭ ‬أهمية‭ ‬خاصة‭ ‬بالنسبة‭ ‬للاقتصادات‭ ‬الصغيرة،‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يوفر‭ ‬لها‭ ‬الطلب‭ ‬الداخلي‭ ‬وحده‭ ‬حجمًا‭ ‬كافيًا‭ ‬لتشغيل‭ ‬المشاريع‭ ‬الكبرى‭ ‬بكفاءة‭. ‬ومع‭ ‬اتساع‭ ‬قاعدة‭ ‬المستهلكين،‭ ‬تنخفض‭ ‬كلفة‭ ‬الوحدة‭ ‬المنتجة،‭ ‬وتتحسن‭ ‬القدرة‭ ‬التنافسية‭ ‬للمنتجات‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬المختلفة‭.‬
أما‭ ‬العامل‭ ‬الثالث‭ ‬فيكمن‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬المنافسة‭ ‬داخل‭ ‬الأسواق‭ ‬المحلية‭ ‬وتوسيع‭ ‬خيارات‭ ‬المستهلكين‭. ‬فدخول‭ ‬السلع‭ ‬الأجنبية‭ ‬يفرض‭ ‬على‭ ‬المنتجين‭ ‬المحليين‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬جودة‭ ‬منتجاتهم‭ ‬وضبط‭ ‬تكاليفهم،‭ ‬خشية‭ ‬فقدان‭ ‬حصتهم‭ ‬السوقية‭. ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬يتيح‭ ‬هذا‭ ‬التنوع‭ ‬للمستهلكين‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬تشكيلة‭ ‬أوسع‭ ‬من‭ ‬السلع‭ ‬والخدمات‭ ‬بأسعار‭ ‬أكثر‭ ‬ملاءمة،‭ ‬مقارنة‭ ‬بما‭ ‬قد‭ ‬يتوافر‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬غياب‭ ‬التجارة‭ ‬عبر‭ ‬الحدود‭.‬
وفي‭ ‬المحصلة،‭ ‬يسهم‭ ‬الانفتاح‭ ‬التجاري‭ ‬في‭ ‬رفع‭ ‬كفاءة‭ ‬تخصيص‭ ‬الموارد‭ ‬وتحقيق‭ ‬قيمة‭ ‬أعلى‭ ‬لما‭ ‬ينفقه‭ ‬المستهلكون‭ ‬من‭ ‬أموال،‭ ‬كما‭ ‬يمنح‭ ‬المنتجين‭ ‬فرصًا‭ ‬لبيع‭ ‬سلعهم‭ ‬وخدماتهم‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬التي‭ ‬تحقق‭ ‬أفضل‭ ‬العوائد‭. ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬هذا‭ ‬التوسع‭ ‬في‭ ‬الإنتاج‭ ‬والاستهلاك،‭ ‬تتشكل‭ ‬قاعدة‭ ‬أوسع‭ ‬لنمو‭ ‬الدخل‭ ‬وتحسن‭ ‬مستويات‭ ‬المعيشة،‭ ‬بما‭ ‬يعزز‭ ‬مسار‭ ‬الرخاء‭ ‬الاقتصادي‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬الطويل‭.‬

رجوع لأعلى