كيف تهدد أزمة الوقود الأمن الغذائي العالمي؟
مع اتساع تداعيات الحرب في الشرق الأوسط، بدأت آثارها تتسلل إلى واحد من أكثر القطاعات حساسية في العالم: الزراعة والغذاء. فالمزارعون في قارات مختلفة باتوا يواجهون معضلة متزايدة تتمثل في نقص الوقود اللازم لتشغيل معداتهم الزراعية، ما يهدد بتعطيل مواسم الزراعة والحصاد ويثير مخاوف من ارتفاع كبير في أسعار الغذاء عالمياً.
وبحسب تقرير لوكالة بلومبيرغ، أصبحت المحاصيل الغذائية أكثر هشاشة في مواجهة اضطرابات إمدادات الطاقة، في وقت يعتمد فيه الإنتاج الزراعي الحديث بشكل كبير على الوقود، سواء لتشغيل الجرارات ومعدات الحصاد أو لضخ المياه لري الأراضي ونقل المنتجات إلى الأسواق.
فمن حقول الحبوب في أستراليا إلى مزارع الأرز في بنغلاديش، مروراً بالمزارعين في أوروبا والصيادين في الفلبين، تتكرر القصة نفسها: الديزل أصبح أكثر ندرة وأكثر كلفة، بينما يستعد المزارعون لمواسم حاسمة في إنتاج الغذاء.
الزراعة.. قطاع شديد الحساسية للطاقة
على عكس الصورة التقليدية للزراعة باعتبارها نشاطاً بسيطاً يعتمد على الأرض والمياه، فإن الزراعة الحديثة أصبحت واحدة من أكثر القطاعات استهلاكاً للطاقة. فالمزارعون يحتاجون إلى الوقود لتشغيل الجرارات والآلات الثقيلة التي تستخدم في الحرث والبذر والحصاد، كما يعتمدون عليه في تشغيل المضخات التي تضخ المياه لري المحاصيل، وفي نقل المنتجات إلى الأسواق ومصانع المعالجة.
ولهذا السبب، فإن أي اضطراب في أسواق الطاقة يمكن أن يتحول بسرعة إلى أزمة زراعية. فبدون الوقود الكافي، قد تتعطل جداول زراعية تم تطويرها عبر أجيال طويلة من الخبرة، وقد تضيع فرص إنتاجية مرتبطة بمواسم محددة لا يمكن تأجيلها.
ويحذر خبراء من أن الأزمة الحالية قد تكون مختلفة عن الأزمات السابقة، لأنها تأتي في وقت يشهد فيه العالم ضغوطاً تضخمية واسعة، إضافة إلى تغيرات مناخية تزيد من هشاشة إنتاج الغذاء.
الحرب في الشرق الأوسط
تضرب سلاسل الطاقة
جاءت الأزمة الحالية بعد أسبوعين فقط من اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران، وهي حرب تسببت في اضطرابات واسعة في أسواق الطاقة العالمية. فقد تعرضت تدفقات النفط الخام والغاز الطبيعي المسال والأسمدة إلى اضطرابات بسبب الهجمات على البنية التحتية للطاقة في الشرق الأوسط، فضلاً عن الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، الذي يعد أحد أهم ممرات الطاقة في العالم.
ويمر عبر مضيق هرمز نحو خُمس تجارة النفط العالمية، ما يعني أن أي تعطيل لحركة الملاحة فيه يمكن أن يؤدي إلى صدمة كبيرة في أسواق الطاقة. وبالفعل، ارتفعت أسعار الوقود والأسمدة بسرعة، ما انعكس مباشرة على تكاليف الإنتاج الزراعي.
كما فقد بعض المزارعين أسواقاً مهمة لتصدير منتجاتهم نتيجة اضطرابات التجارة العالمية، ما زاد من الضغوط على القطاع الزراعي.
أستراليا: موسم الزراعة تحت
تهديد نقص الوقود
في أستراليا، يستعد المزارعون لزراعة الحبوب الشتوية، وهي مرحلة حاسمة في دورة الإنتاج الزراعي. لكن المزارعين هناك بدأوا يواجهون مشكلة متزايدة في الحصول على الوقود اللازم لتشغيل معداتهم.
ويقول ريس تورتون، المزارع ورئيس مجموعة صناعة الحبوب «غرين غروورز»، إن بعض موردي الوقود بدأوا بالفعل في تسليم كميات أقل من المتفق عليها، في محاولة لتقنين الإمدادات وتوزيعها على أكبر عدد ممكن من المزارعين.
ويضيف: «الكثير من الموردين يحاولون إدارة الكميات المتاحة بعناية حتى لا ينفد الوقود بالكامل. لكن إذا استمرت الأزمة لأكثر من بضعة أسابيع، فقد نجد أنفسنا أمام مشكلة حقيقية مع بدء موسم الزراعة».
وفي غرب أستراليا، التي تعد أكبر منطقة لزراعة الحبوب وتصديرها في البلاد، يخشى المزارعون من أن يؤدي نقص الوقود إلى تقليص المساحات المزروعة أو تأخير عمليات البذر، وهو ما قد ينعكس لاحقاً على الإنتاج العالمي للحبوب.
كما يعاني مربو الماشية أيضاً من الضغوط نفسها، إذ يعتمدون على الوقود لنقل الأعلاف إلى القطعان أو لإيصال الحليب إلى الأسواق بشكل منتظم.
أوروبا: ارتفاع تكاليف التشغيل يضغط على المزارعين
الوضع ليس أفضل في أوروبا، حيث بدأت أسعار الوقود ترتفع بشكل ملحوظ منذ اندلاع الحرب.
ففي ألمانيا، يتحمل المزارعون تكلفة إضافية تبلغ نحو 30 يورو لكل 100 لتر من الوقود، وفقاً لهنريك فيندورف، رئيس اتحاد مزارعي ولاية براندنبورغ. ويشير إلى أن الجرارات الكبيرة يمكن أن تستهلك نحو 250 لتراً من الديزل خلال يوم واحد فقط في ذروة موسم العمل خلال الربيع.
أما في رومانيا، فقد ارتفعت أسعار الديزل الزراعي بنحو 25% منذ اندلاع الحرب، بحسب غابرييل رازي، المحلل لدى شركة الاستشارات الزراعية «أغروبراين».
ويقول خبراء إن استمرار هذه الزيادات قد يدفع بعض المزارعين إلى تقليص الإنتاج أو تأجيل بعض العمليات الزراعية، ما قد يؤثر في إنتاج الحبوب في القارة الأوروبية.
بريطانيا: مخاوف من نقص الإمدادات
في المملكة المتحدة، يعبر المزارعون عن قلق متزايد من احتمال عدم توافر الوقود بالكميات المطلوبة خلال موسم الزراعة.
ويقول ريتشارد هيدي، المزارع في مقاطعة باكينغهامشير:
«بمجرد أن ننطلق في العمل، ستدور كل الجرارات والمعدات دون توقف، مستهلكة كميات كبيرة من الديزل».
ويضيف: «بحلول منتصف الربيع سنكون قد استنفدنا مخزوننا، وسنضطر إلى شراء الوقود بالسعر السائد في السوق إذا تمكنا من الحصول عليه أساساً».
وكان هيدي قد قام بتخزين كمية من الديزل العام الماضي، لكنه يتوقع أن يضطر إلى شراء المزيد خلال نحو شهر. إلا أن القلق الأكبر، بحسب قوله، لا يتعلق فقط بالأسعار المرتفعة، بل بإمكانية عدم توفر الوقود أصلاً.
ويحذر قائلاً: «إذا لم نحصل على الوقود اللازم لتغذية المحاصيل وحمايتها من الأمراض، فقد تتلف المحاصيل بالكامل، ما يعني خسائر مالية كبيرة».
بنغلاديش: أزمة الري
تهدد محصول الأرز
في آسيا، تبدو الأزمة أكثر حدة في بعض الدول التي تعتمد بشكل كبير على الوقود في عمليات الري.
ففي بنغلاديش، تعمل معظم معدات الري الضرورية لمحصول الأرز بمحركات ديزل تسحب المياه الجوفية. لكن الحكومة بدأت في تقييد الإمدادات اليومية من الوقود إلى نحو لترين لكل فرد، في محاولة لإدارة الأزمة.
ويقول هاربروساد روي، وهو مزارع في منطقة رانغبور الشمالية، إن أرضه البالغة مساحتها فدانين تحتاج إلى ثلاثة لترات من الديزل يومياً على الأقل.
ويضيف: «في كثير من الأحيان أغادر نقطة توزيع الوقود ومعي لتر واحد فقط».
ويمثل هذا الوضع تهديداً كبيراً لمحصول «أرز بورو»، وهو أكبر محصول للأرز في بنغلاديش، خاصة مع اقتراب موسم الحصاد.
كما أن التحول إلى استخدام محركات كهربائية لضخ المياه ليس خياراً سريعاً، إذ يتطلب الحصول على تصاريح حكومية وإجراءات بيروقراطية قد تستغرق وقتاً طويلاً.
ويقول روي بمرارة: «لا أحد يمد يد العون للمزارعين».
الفلبين: المزارعون والصيادون
تحت الضغط
في الفلبين، يتوقع المزارعون أيضاً أن ترتفع تكاليف الإنتاج بسبب زيادة أسعار الديزل.
ويقول مزارع الأرز جيسفر فيليغاس إنه اعتاد استئجار آلة حصاد مع بدء الموسم مقابل نحو عُشر محصوله. لكن مع ارتفاع أسعار الوقود، يتوقع أن يرفع أصحاب هذه الآلات أسعار خدماتهم.
ويضيف: «هذا يعني أن الكمية التي سأتمكن من بيعها ستقل، بينما لا تزال لدي نفقات تعليم أطفالي الثلاثة».
وتعد الفلبين أكبر مستورد للأرز في العالم، رغم أنها تنتج محصولين سنوياً، ما يجعل أي اضطراب في الإنتاج المحلي مسألة حساسة للأمن الغذائي.
ولا تقتصر الأزمة على المزارعين فقط، بل تمتد أيضاً إلى الصيادين. فقد أفاد جايسون كاينغليت، المدير التنفيذي لمجموعة المزارعين «سيناغ»، بأن الصيادين في الفلبين يتكبدون خسائر يومية تبلغ نحو 500 بيزو بسبب ارتفاع أسعار الديزل.
وأوضح خلال جلسة استماع في مجلس الشيوخ أن الحديث يدور عن تقديم دعم حكومي خلال نحو أسبوعين، لكن كثيراً من الصيادين قد يضطرون إلى التوقف عن العمل قبل ذلك.
تايلند: خطر فقدان الجدوى الاقتصادية
في تايلند، يخشى بعض المزارعين أن تؤدي أسعار الوقود المرتفعة إلى جعل حصاد بعض المحاصيل غير مجدٍ اقتصادياً.
ويقول أبهي أغاروال، الشريك المؤسس لشركة «ليفينغ روتس» الزراعية في شيانغ ماي، إن بعض المزارعين بدأوا بالفعل في حساب تكاليف الحصاد والنقل، وقد يقررون ترك بعض المحاصيل في الحقول إذا كانت تكلفة جنيها ونقلها أعلى من قيمتها في السوق.
ويمثل هذا السيناريو كابوساً لأسواق الغذاء العالمية، إذ قد يؤدي إلى تراجع المعروض في وقت يشهد فيه الطلب العالمي على الغذاء ارتفاعاً مستمراً.
موجة تضخم غذائي تلوح في الأفق
يحذر خبراء من أن الأزمة الحالية قد تؤدي إلى موجة تضخم غذائي عالمية إذا استمرت لفترة طويلة.
ويقول بول جولز، محلل مدخلات الإنتاج الزراعي لدى «رابوبنك» في سيدني:
«لا نعتقد أن الأمر مجرد أزمة عابرة. ستظهر تداعيات تضخمية أطول أمداً على جانب المدخلات الزراعية، ومن الواضح أنه يمكن في النهاية تمرير هذه التكاليف إلى المستهلك».
وتعتمد منطقة آسيا والمحيط الهادئ بدرجة كبيرة على السلع الواردة من الشرق الأوسط، سواء من حيث الطاقة أو الأسمدة، ما يجعلها أكثر عرضة لتقلبات السوق.
ومع اندفاع المستهلكين إلى شراء الوقود وتخزينه، بدأت بعض الحكومات في فرض سقوف سعرية أو تقنين الاستهلاك، لكن هذه الإجراءات غالباً ما تترك قطاعات مثل الزراعة في مواجهة نقص الإمدادات.