كيف تُعيد التكنولوجيا تشكيل الدماغ والإنتاجية؟
تشير تقديرات علمية إلى أن الدماغ البشري يمتلك قدرة معالجة هائلة تُقدَّر بنحو إكسافلوب واحد، أي ما يعادل مليار عملية حسابية في الثانية، ويحقق ذلك باستهلاك طاقة لا تتجاوز طاقة مصباح خافت؛ وهي كفاءة لا تزال بعيدة المنال بالنسبة لمطوري أنظمة الذكاء الاصطناعي الحديثة، وفق ما ذكرت صحيفة فايننشال تايمز.
ورغم أن الاقتصاديين غالبًا ما يركزون على العلاقة الإيجابية بين الابتكار والنمو الاقتصادي، فإن أبحاث علم الأعصاب تكشف جانبًا آخر يتمثل في التأثيرات السلبية المحتملة للأجهزة الرقمية الحديثة على الإدراك البشري، وما قد يترتب عليها من انعكاسات اقتصادية. فعلى مدار العقدين الماضيين، أدى الانتشار الواسع للأدوات الرقمية إلى إبقائنا في حالة اتصال وترفيه وتدفق معلوماتي مستمر، كما أن تسارع إنتاج المحتوى أتاح الوصول إلى كمٍّ غير مسبوق من المحفزات خلال فترات زمنية قصيرة.
وتُظهر دراسات دولية أن متوسط الوقت اليومي الذي يقضيه الأفراد أمام الشاشات — بما في ذلك الحواسيب المكتبية والمحمولة والأجهزة اللوحية والهواتف الذكية وأجهزة التلفاز ووحدات الألعاب ارتفع بنحو ساعتين بين عامي 2012 و2019 ليصل إلى نحو 11 ساعة يوميًا، مع ترجيحات بارتفاعه أكثر في ظل انتشار العمل عن بُعد وتطور تصميمات المنصات الرقمية.
وبما أن العقل البشري لم يُصمَّم لمعالجة هذا الكم من البيانات دفعة واحدة، فإن هذه الوتيرة المتسارعة لم تُعزز الإنتاجية المعرفية بالقدر المتوقع، بل أسهمت في زيادة الإرهاق الذهني وضعف الذاكرة والتوتر ومشكلات الصحة النفسية. وفي الاقتصاد الرقمي المتقدم، أصبحت نماذج الأعمال تعتمد بدرجة كبيرة على جذب انتباه الإنسان والحفاظ عليه، ما أدى إلى ارتفاع قيمة «الانتباه» بوصفه مورداً اقتصادياً محدوداً. ويبرز ذلك في دراسة للأستاذ ثاليس تيكسيرا من جامعة كاليفورنيا في سان دييغو، التي رصدت ارتفاع تكلفة الوصول إلى ألف مشاهدة إعلانية خلال أحداث مثل مباراة السوبر بول وأوقات الذروة في الولايات المتحدة، في ظل تشتت انتباه المستهلكين عبر منصات متعددة؛ إذ بلغ متوسط تكلفة إعلان مدته 30 ثانية خلال مباراة السوبر بول هذا العام نحو 8 ملايين دولار، مقارنة بمليوني دولار في عام 2022.
تفاعل المستخدمين
وفي هذا السياق، يشير بييرلويجي ساكو، أستاذ الاقتصاد السلوكي الحيوي في جامعة كييتي-بيسكارا، إلى أن الشركات تُكيّف استراتيجياتها باستمرار للحفاظ على تفاعل المستخدمين مع ارتفاع قيمة الانتباه، موضحًا أن المحتوى الأقصر والأكثر إثارة يحقق معدلات تفاعل أعلى، وهو ما يفسر الشعبية المتزايدة لصيغة «الريلز» ومقاطع الفيديو القصيرة التي تُشغَّل تلقائيًا. وقد انعكس هذا الاتجاه حتى في صناعة السينما؛ إذ أشار الممثل مات ديمون إلى أن بعض المنصات باتت تطلب مشاهد حركة مبكرة وتكرار الحبكة لتناسب جمهورًا يشاهد الأفلام أثناء استخدام الهاتف.
ولا يقتصر التحول نحو المحتوى القصير على الترفيه فحسب، بل يمتد إلى مجالات التعليم والصحافة والكوميديا والسياسة، وهو ما يرتبط أيضًا بتغيرات عصبية محتملة في أنماط التركيز. فقد أظهر استطلاع أجرته كلية كينجز كوليدج لندن عام 2022 أن 49% من البالغين في المملكة المتحدة يشعرون بأن قدرتهم على التركيز تراجعت، بينما يرى 47% أن «التفكير العميق» أصبح أقل حضورًا. كما تشير بيانات واردة في كتاب «مدى الانتباه» للمؤلفة غلوريا مارك إلى أن متوسط مدة التركيز على مهمة واحدة انخفض منذ عام 2004 من نحو دقيقتين ونصف إلى حوالي 47 ثانية فقط.
مهام صغيرة
وتنعكس هذه الحلقة أيضًا على أنماط التعلّم؛ إذ يحذّر نيلز فان كوابيك، أستاذ القيادة في جامعة كوهن للوجستيات، من أن التكنولوجيا قد تدفع التعليم نحو نموذج يعتمد على مهام صغيرة تشبه الألعاب وسلاسل إنجازات وشارات تحفيزية، وهو نموذج عالي الكفاءة وقابل للتوسع لكنه قد يفتقر إلى العمق والمعنى. كما تُظهر ظاهرة «تأثير جوجل» التي كشفتها دراسة عام 2011 أن الأفراد يميلون إلى تذكّر مواقع المعلومات بدلًا من المعلومات نفسها، نتيجة الاعتماد المتزايد على الإنترنت كذاكرة خارجية. وتحذّر عالمة الأعصاب ميثو ستوروني من ديناميكية مشابهة مع انتشار الذكاء الاصطناعي، إذ قد يؤدي تحميله أعباء معرفية كبيرة إلى إضعاف قدرات بشرية أساسية مثل الربط السياقي والفضول الفكري.
وعلى نحو عام، تسهم التكنولوجيا في إعادة تشكيل إدراكنا بطرق معقدة؛ فهي صُممت لتعزيز الكفاءة وتسريع الوصول إلى البيانات وتحليلها، بما يُفترض أن يحرّر الإنسان للتفكير العميق. غير أن الميل البشري الفطري للحفاظ على الطاقة المعرفية والسعي وراء محفزات الدوبامين، المدعوم بديناميكيات السوق الرقمية، قد يدفع إلى الاعتماد المفرط على الأدوات الذكية. ومع تراجع «الاحتكاك الذهني»، تصبح المهارات المرتبطة بالتركيز العميق والقراءة المتأنية وبناء الحجج عرضة للضمور.
لذلك، تبدو الحاجة ملحّة إلى قدرٍ من الانضباط الذاتي في استخدام التكنولوجيا، فالعلاقة بين الإنسان وأدواته ليست أحادية الاتجاه؛ إذ نصنع أدواتنا، ثم تعود أدواتنا لتُعيد تشكيلنا.