تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كيف‭ ‬تُعيد‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬تشكيل‭ ‬الدماغ‭ ‬والإنتاجية؟

LB30

تشير‭ ‬تقديرات‭ ‬علمية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الدماغ‭ ‬البشري‭ ‬يمتلك‭ ‬قدرة‭ ‬معالجة‭ ‬هائلة‭ ‬تُقدَّر‭ ‬بنحو‭ ‬إكسافلوب‭ ‬واحد،‭ ‬أي‭ ‬ما‭ ‬يعادل‭ ‬مليار‭ ‬عملية‭ ‬حسابية‭ ‬في‭ ‬الثانية،‭ ‬ويحقق‭ ‬ذلك‭ ‬باستهلاك‭ ‬طاقة‭ ‬لا‭ ‬تتجاوز‭ ‬طاقة‭ ‬مصباح‭ ‬خافت؛‭ ‬وهي‭ ‬كفاءة‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬بعيدة‭ ‬المنال‭ ‬بالنسبة‭ ‬لمطوري‭ ‬أنظمة‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬الحديثة،‭ ‬وفق‭ ‬ما‭ ‬ذكرت‭ ‬صحيفة‭ ‬فايننشال‭ ‬تايمز‭.‬
ورغم‭ ‬أن‭ ‬الاقتصاديين‭ ‬غالبًا‭ ‬ما‭ ‬يركزون‭ ‬على‭ ‬العلاقة‭ ‬الإيجابية‭ ‬بين‭ ‬الابتكار‭ ‬والنمو‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬فإن‭ ‬أبحاث‭ ‬علم‭ ‬الأعصاب‭ ‬تكشف‭ ‬جانبًا‭ ‬آخر‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬التأثيرات‭ ‬السلبية‭ ‬المحتملة‭ ‬للأجهزة‭ ‬الرقمية‭ ‬الحديثة‭ ‬على‭ ‬الإدراك‭ ‬البشري،‭ ‬وما‭ ‬قد‭ ‬يترتب‭ ‬عليها‭ ‬من‭ ‬انعكاسات‭ ‬اقتصادية‭. ‬فعلى‭ ‬مدار‭ ‬العقدين‭ ‬الماضيين،‭ ‬أدى‭ ‬الانتشار‭ ‬الواسع‭ ‬للأدوات‭ ‬الرقمية‭ ‬إلى‭ ‬إبقائنا‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬اتصال‭ ‬وترفيه‭ ‬وتدفق‭ ‬معلوماتي‭ ‬مستمر،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬تسارع‭ ‬إنتاج‭ ‬المحتوى‭ ‬أتاح‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬كمٍّ‭ ‬غير‭ ‬مسبوق‭ ‬من‭ ‬المحفزات‭ ‬خلال‭ ‬فترات‭ ‬زمنية‭ ‬قصيرة‭.‬
وتُظهر‭ ‬دراسات‭ ‬دولية‭ ‬أن‭ ‬متوسط‭ ‬الوقت‭ ‬اليومي‭ ‬الذي‭ ‬يقضيه‭ ‬الأفراد‭ ‬أمام‭ ‬الشاشات‭ ‬—‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الحواسيب‭ ‬المكتبية‭ ‬والمحمولة‭ ‬والأجهزة‭ ‬اللوحية‭ ‬والهواتف‭ ‬الذكية‭ ‬وأجهزة‭ ‬التلفاز‭ ‬ووحدات‭ ‬الألعاب‭ ‬ارتفع‭ ‬بنحو‭ ‬ساعتين‭ ‬بين‭ ‬عامي‭ ‬2012‭ ‬و2019‭ ‬ليصل‭ ‬إلى‭ ‬نحو‭ ‬11‭ ‬ساعة‭ ‬يوميًا،‭ ‬مع‭ ‬ترجيحات‭ ‬بارتفاعه‭ ‬أكثر‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬انتشار‭ ‬العمل‭ ‬عن‭ ‬بُعد‭ ‬وتطور‭ ‬تصميمات‭ ‬المنصات‭ ‬الرقمية‭.‬
وبما‭ ‬أن‭ ‬العقل‭ ‬البشري‭ ‬لم‭ ‬يُصمَّم‭ ‬لمعالجة‭ ‬هذا‭ ‬الكم‭ ‬من‭ ‬البيانات‭ ‬دفعة‭ ‬واحدة،‭ ‬فإن‭ ‬هذه‭ ‬الوتيرة‭ ‬المتسارعة‭ ‬لم‭ ‬تُعزز‭ ‬الإنتاجية‭ ‬المعرفية‭ ‬بالقدر‭ ‬المتوقع،‭ ‬بل‭ ‬أسهمت‭ ‬في‭ ‬زيادة‭ ‬الإرهاق‭ ‬الذهني‭ ‬وضعف‭ ‬الذاكرة‭ ‬والتوتر‭ ‬ومشكلات‭ ‬الصحة‭ ‬النفسية‭. ‬وفي‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الرقمي‭ ‬المتقدم،‭ ‬أصبحت‭ ‬نماذج‭ ‬الأعمال‭ ‬تعتمد‭ ‬بدرجة‭ ‬كبيرة‭ ‬على‭ ‬جذب‭ ‬انتباه‭ ‬الإنسان‭ ‬والحفاظ‭ ‬عليه،‭ ‬ما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬ارتفاع‭ ‬قيمة‭ ‬‮«‬الانتباه‮»‬‭ ‬بوصفه‭ ‬مورداً‭ ‬اقتصادياً‭ ‬محدوداً‭. ‬ويبرز‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬دراسة‭ ‬للأستاذ‭ ‬ثاليس‭ ‬تيكسيرا‭ ‬من‭ ‬جامعة‭ ‬كاليفورنيا‭ ‬في‭ ‬سان‭ ‬دييغو،‭ ‬التي‭ ‬رصدت‭ ‬ارتفاع‭ ‬تكلفة‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬ألف‭ ‬مشاهدة‭ ‬إعلانية‭ ‬خلال‭ ‬أحداث‭ ‬مثل‭ ‬مباراة‭ ‬السوبر‭ ‬بول‭ ‬وأوقات‭ ‬الذروة‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تشتت‭ ‬انتباه‭ ‬المستهلكين‭ ‬عبر‭ ‬منصات‭ ‬متعددة؛‭ ‬إذ‭ ‬بلغ‭ ‬متوسط‭ ‬تكلفة‭ ‬إعلان‭ ‬مدته‭ ‬30‭ ‬ثانية‭ ‬خلال‭ ‬مباراة‭ ‬السوبر‭ ‬بول‭ ‬هذا‭ ‬العام‭ ‬نحو‭ ‬8‭ ‬ملايين‭ ‬دولار،‭ ‬مقارنة‭ ‬بمليوني‭ ‬دولار‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2022‭.‬
تفاعل‭ ‬المستخدمين

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬يشير‭ ‬بييرلويجي‭ ‬ساكو،‭ ‬أستاذ‭ ‬الاقتصاد‭ ‬السلوكي‭ ‬الحيوي‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬كييتي‭-‬بيسكارا،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الشركات‭ ‬تُكيّف‭ ‬استراتيجياتها‭ ‬باستمرار‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬تفاعل‭ ‬المستخدمين‭ ‬مع‭ ‬ارتفاع‭ ‬قيمة‭ ‬الانتباه،‭ ‬موضحًا‭ ‬أن‭ ‬المحتوى‭ ‬الأقصر‭ ‬والأكثر‭ ‬إثارة‭ ‬يحقق‭ ‬معدلات‭ ‬تفاعل‭ ‬أعلى،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يفسر‭ ‬الشعبية‭ ‬المتزايدة‭ ‬لصيغة‭ ‬‮«‬الريلز‮»‬‭ ‬ومقاطع‭ ‬الفيديو‭ ‬القصيرة‭ ‬التي‭ ‬تُشغَّل‭ ‬تلقائيًا‭. ‬وقد‭ ‬انعكس‭ ‬هذا‭ ‬الاتجاه‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬السينما؛‭ ‬إذ‭ ‬أشار‭ ‬الممثل‭ ‬مات‭ ‬ديمون‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬المنصات‭ ‬باتت‭ ‬تطلب‭ ‬مشاهد‭ ‬حركة‭ ‬مبكرة‭ ‬وتكرار‭ ‬الحبكة‭ ‬لتناسب‭ ‬جمهورًا‭ ‬يشاهد‭ ‬الأفلام‭ ‬أثناء‭ ‬استخدام‭ ‬الهاتف‭.‬
ولا‭ ‬يقتصر‭ ‬التحول‭ ‬نحو‭ ‬المحتوى‭ ‬القصير‭ ‬على‭ ‬الترفيه‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬إلى‭ ‬مجالات‭ ‬التعليم‭ ‬والصحافة‭ ‬والكوميديا‭ ‬والسياسة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يرتبط‭ ‬أيضًا‭ ‬بتغيرات‭ ‬عصبية‭ ‬محتملة‭ ‬في‭ ‬أنماط‭ ‬التركيز‭. ‬فقد‭ ‬أظهر‭ ‬استطلاع‭ ‬أجرته‭ ‬كلية‭ ‬كينجز‭ ‬كوليدج‭ ‬لندن‭ ‬عام‭ ‬2022‭ ‬أن‭ ‬49‭% ‬من‭ ‬البالغين‭ ‬في‭ ‬المملكة‭ ‬المتحدة‭ ‬يشعرون‭ ‬بأن‭ ‬قدرتهم‭ ‬على‭ ‬التركيز‭ ‬تراجعت،‭ ‬بينما‭ ‬يرى‭ ‬47‭% ‬أن‭ ‬‮«‬التفكير‭ ‬العميق‮»‬‭ ‬أصبح‭ ‬أقل‭ ‬حضورًا‭. ‬كما‭ ‬تشير‭ ‬بيانات‭ ‬واردة‭ ‬في‭ ‬كتاب‭ ‬‮«‬مدى‭ ‬الانتباه‮»‬‭ ‬للمؤلفة‭ ‬غلوريا‭ ‬مارك‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬متوسط‭ ‬مدة‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬مهمة‭ ‬واحدة‭ ‬انخفض‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬2004‭ ‬من‭ ‬نحو‭ ‬دقيقتين‭ ‬ونصف‭ ‬إلى‭ ‬حوالي‭ ‬47‭ ‬ثانية‭ ‬فقط‭.‬

مهام‭ ‬صغيرة

وتنعكس‭ ‬هذه‭ ‬الحلقة‭ ‬أيضًا‭ ‬على‭ ‬أنماط‭ ‬التعلّم؛‭ ‬إذ‭ ‬يحذّر‭ ‬نيلز‭ ‬فان‭ ‬كوابيك،‭ ‬أستاذ‭ ‬القيادة‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬كوهن‭ ‬للوجستيات،‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬قد‭ ‬تدفع‭ ‬التعليم‭ ‬نحو‭ ‬نموذج‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬مهام‭ ‬صغيرة‭ ‬تشبه‭ ‬الألعاب‭ ‬وسلاسل‭ ‬إنجازات‭ ‬وشارات‭ ‬تحفيزية،‭ ‬وهو‭ ‬نموذج‭ ‬عالي‭ ‬الكفاءة‭ ‬وقابل‭ ‬للتوسع‭ ‬لكنه‭ ‬قد‭ ‬يفتقر‭ ‬إلى‭ ‬العمق‭ ‬والمعنى‭. ‬كما‭ ‬تُظهر‭ ‬ظاهرة‭ ‬‮«‬تأثير‭ ‬جوجل‮»‬‭ ‬التي‭ ‬كشفتها‭ ‬دراسة‭ ‬عام‭ ‬2011‭ ‬أن‭ ‬الأفراد‭ ‬يميلون‭ ‬إلى‭ ‬تذكّر‭ ‬مواقع‭ ‬المعلومات‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬المعلومات‭ ‬نفسها،‭ ‬نتيجة‭ ‬الاعتماد‭ ‬المتزايد‭ ‬على‭ ‬الإنترنت‭ ‬كذاكرة‭ ‬خارجية‭. ‬وتحذّر‭ ‬عالمة‭ ‬الأعصاب‭ ‬ميثو‭ ‬ستوروني‭ ‬من‭ ‬ديناميكية‭ ‬مشابهة‭ ‬مع‭ ‬انتشار‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬إذ‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬تحميله‭ ‬أعباء‭ ‬معرفية‭ ‬كبيرة‭ ‬إلى‭ ‬إضعاف‭ ‬قدرات‭ ‬بشرية‭ ‬أساسية‭ ‬مثل‭ ‬الربط‭ ‬السياقي‭ ‬والفضول‭ ‬الفكري‭.‬
وعلى‭ ‬نحو‭ ‬عام،‭ ‬تسهم‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬إدراكنا‭ ‬بطرق‭ ‬معقدة؛‭ ‬فهي‭ ‬صُممت‭ ‬لتعزيز‭ ‬الكفاءة‭ ‬وتسريع‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬البيانات‭ ‬وتحليلها،‭ ‬بما‭ ‬يُفترض‭ ‬أن‭ ‬يحرّر‭ ‬الإنسان‭ ‬للتفكير‭ ‬العميق‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الميل‭ ‬البشري‭ ‬الفطري‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬الطاقة‭ ‬المعرفية‭ ‬والسعي‭ ‬وراء‭ ‬محفزات‭ ‬الدوبامين،‭ ‬المدعوم‭ ‬بديناميكيات‭ ‬السوق‭ ‬الرقمية،‭ ‬قد‭ ‬يدفع‭ ‬إلى‭ ‬الاعتماد‭ ‬المفرط‭ ‬على‭ ‬الأدوات‭ ‬الذكية‭. ‬ومع‭ ‬تراجع‭ ‬‮«‬الاحتكاك‭ ‬الذهني‮»‬،‭ ‬تصبح‭ ‬المهارات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالتركيز‭ ‬العميق‭ ‬والقراءة‭ ‬المتأنية‭ ‬وبناء‭ ‬الحجج‭ ‬عرضة‭ ‬للضمور‭.‬
لذلك،‭ ‬تبدو‭ ‬الحاجة‭ ‬ملحّة‭ ‬إلى‭ ‬قدرٍ‭ ‬من‭ ‬الانضباط‭ ‬الذاتي‭ ‬في‭ ‬استخدام‭ ‬التكنولوجيا،‭ ‬فالعلاقة‭ ‬بين‭ ‬الإنسان‭ ‬وأدواته‭ ‬ليست‭ ‬أحادية‭ ‬الاتجاه؛‭ ‬إذ‭ ‬نصنع‭ ‬أدواتنا،‭ ‬ثم‭ ‬تعود‭ ‬أدواتنا‭ ‬لتُعيد‭ ‬تشكيلنا‭.‬

رجوع لأعلى