كيف صمدت ثروات كبار المليارديرات العرب أمام التقلبات؟
شهدت ثروات أغنى عشرة مليارديرات عرب تبايناً ملحوظاً في أدائها خلال الفترة التي أعقبت تصاعد التوترات الإقليمية في الثامن والعشرين من فبراير 2026. هذا التاريخ لم يكن مجرد نقطة زمنية عابرة، بل شكل منعطفاً عكس حالة عدم اليقين الجيوسياسي على حركة الأسواق والأصول العالمية والمحلية. وقد أدى هذا المشهد إلى انقسام واضح في خارطة الثروات العربية بين رابحين استثمروا في قطاعات «الملاذ الآمن» والنمو المستقبلي، وخاسرين تأثرت محافظهم بتذبذبـات السلـع، وفئـة ثالثة حافظت على استقرار نسبي بفضل استراتيجيات التحوط والتنويع القطاعي.
وبحسب البيانات اللحظية الصادرة عن فوربس حتى الثامن من أبريل 2026، تبرز ملامح جديدة للقوة المالية في المنطقة، حيث يرتبط الصعود والهبوط بمدى الارتباط بقطاعات التكنولوجيا المتقدمة، الطاقة المستدامة، والرعاية الصحية، والعقارات الفاخرة.
الهيكل العام لقائمة الأثرياء العرب
تصدر الأمير الوليد بن طلال آل سعود القائمة بثروة بلغت 20.8 مليار دولار، محققاً قفزة نوعية في قيمتها. وحل في المرتبة الثانية عملاق العقارات الإماراتي حسين سجواني بثروة مستقرة عند 15.3 مليار دولار، وجاء في المركز الثالث رجل الأعمال السعودي سليمان الحبيب بثروة وصلت إلى 11 مليار دولار.
وتوزعت المراتب التالية لتشمل أسماء تقليدية حافظت على مكانتها رغم التحديات:
● ناصف ساويرس: 9.1 مليار دولار (مصر).
● نجيب ساويرس: 5.5 مليار دولار (مصر).
● حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني: 4.8 مليار دولار (قطر).
● عبد الله الفطيم والعائلة: 4.7 مليار دولار (الإمارات).
● عبد الله بن أحمد الغرير والعائلة: 4.3 مليار دولار (الإمارات).
● محمد منصور: 4 مليارات دولار (مصر).
● نجيب وطه ميقاتي: 3.8 مليار دولار لكل منهما (لبنان).
تفوق سعودي: الوليد بن طلال
وسليمان الحبيب في الصدارة
تكشف البيانات أن المكاسب خلال الفترة الممتدة من الأول من مارس وحتى الثامن من أبريل كانت «انتقائية للغاية»، إذ اقتصرت على مليارديرين فقط من القائمة، وكلاهما من المملكة العربية السعودية. هذا التفوق لا يعكس فقط الملاءة المالية الفردية، بل يترجم مرونة الاقتصاد السعودي (رؤية 2030) وقدرة شركاتها الكبرى على النمو في ظروف غير مستقرة.
1. الأمير الوليد بن طلال: استراتيجية «تكنولوجيا المستقبل»
تصدر الأمير الوليد قائمة الرابحين بزيادة قدرها 900 مليون دولار. يعود هذا النمو بشكل أساسي إلى الأداء القوي لشركة المملكة القابضة، التي سجل سهمها ارتفاعًا بنسبة 16.3 % ليصل إلى 2.6 دولار. لم يكن هذا الارتفاع وليد الصدفة، بل هو نتيجة لتحول استراتيجي في محفظة الشركة نحو قطاعات التكنولوجيا الفائقة:
- الاستثمار في إيلون ماسك: يمتلك مكتب الأمير استثمارات ضخمة في شركات ماسك (SpaceX, X, xAI, Starlink) تُقدّر حالياً بنحو 9.2 مليار دولار. هذه الأصول أصبحت محركاً رئيسياً للثروة مع تسارع سباق الذكاء الاصطناعي وغزو الفضاء.
● التحول الأخضر: استثمرت الشركة 68 مليون دولار في صندوق Breakthrough Energy Ventures، مما وضعها كلاعب رئيسي في استثمارات اقتصاد الكربون المنخفض، وهو قطاع يحظى بدعم مؤسسي عالمي هائل في 2026.
2. سليمان الحبيب: الرعاية الصحية
كحصن اقتصادي
حقق الدكتور سليمان الحبيب زيادة قدرها 800 مليون دولار في ثروته. يعزى ذلك إلى ارتفاع سهم مجموعة الدكتور سليمان الحبيب للخدمات الطبية بنسبة 12.3 % ليصل إلى 68.3 دولار. يثبت هذا الصعود أن قطاع الرعاية الصحية يظل قطاعاً «دفاعياً» بامتياز؛ فبغض النظر عن التوترات الجيوسياسية، يظل الطلب على الخدمات الطبية المتقدمة والرقمنة الصحية في تزايد مستمر، خاصة في ظل التوسع السكاني والمشاريع الكبرى في المملكة.
ضغوط الأسواق: انكماش ثروات الأصول التقليدية والسلع
في المقابل، واجه خمسة من كبار المليارديرات تحديات ملموسة أدت إلى تراجع ثرواتهم. هذا الانخفاض لم يكن بسبب فشل إداري، بل نتيجة الارتباط الوثيق بأسواق السلع العالمية التي تأثرت بتباطؤ الطلب أو تقلبات أسعار الطاقة.
ناصف ساويرس وتقلبات الأسمدة
كان ناصف ساويرس الأكثر تأثرًا بخسارة بلغت 500 مليون دولار. يرتبط هذا التراجع بشكل مباشر بشركة OCI العاملة في قطاع الأسمدة النيتروجينية. مع تذبذب تكاليف الغاز الطبيعي (المدخل الأساسي للأسمدة) وتغير خريطة الصادرات العالمية نتيجة التوترات في أوروبا والشرق الأوسط، شهدت هوامش الربح في هذا القطاع ضغوطًا انعكست على القيمة السوقية للشركة.
نجيب ساويرس ومفاجأة الذهب
سجل نجيب ساويرس تراجعاً طفيفاً بنحو 100 مليون دولار. المثير للاهتمام هنا هو علاقة ثروته بالذهب، حيث يُعد من أكبر المستثمرين في هذا المعدن. تشير البيانات إلى أن أسعار الذهب تراجعت بنسبة 10.6 %، من 5,278.9 دولار للأونصة في نهاية فبراير إلى 4,719.2 دولار في الثامن من أبريل 2026. هذا التراجع في أسعار المعدن النفيس، الذي قد يبدو غريباً في أوقات الأزمات، يُعزى أحياناً إلى قوة الدولار أو لجوء المستثمرين لتسييل الأصول لتغطية مراكز في قطاعات أخرى، مما أثر على التقييم اللحظي لاستثمارات ساويرس المنجمية.
تراجعات أخرى
● حمد بن جاسم آل ثاني: انخفضت ثروته بمقدار 400 مليون دولار، تأثراً بالمحافظ الاستثمارية الدولية التي تدير أصولًا في أسواق المال العالمية التي شهدت تصحيحات سعرية.
● عبد الله بن أحمد الغرير: فقدت ثروة العائلة 200 مليون دولار، بالتزامن مع تراجع سهم بنك المشرق بنسبة 12.3 %، وهو ما يعكس حساسية القطاع المصرفي لأسعار الفائدة والسيولة المحلية خلال فترات التوتر.
الاستقرار الاستراتيجي: العقارات والاتصالات كركائز توازن
على النقيض من الحركة الحادة صعوداً وهبوطًا، حافظ أربعة مليارديرات على ثبات لافت في ثرواتهم، مما يعكس نماذج أعمال قائمة على عقود طويلة الأجل أو خدمات أساسية لا تتأثر بالتقلبات اليومية.
● حسين سجواني (15.3 مليار دولار): استقراره في المرتبة الثانية يعكس قوة سوق العقارات الفاخرة في دبي. شركة داماك والتحول نحو العقارات «العلامة التجارية» (Branded Residences) ضمنا تدفقات نقدية مستقرة، حيث يميل أثرياء العالم في أوقات الأزمات إلى التحوط بالعقارات في مدن مستقرة ومتقدمة تقنيًا.
● محمد منصور (4 مليارات دولار): بفضل تنوع «مجموعة منصور» في قطاعات التوزيع (سيارات جنرال موتورز) والخدمات المالية والتكنولوجيا، تمكنت المجموعة من موازنة الخسائر في قطاع مقابل المكاسب في آخر، مما حافظ على قيمة الثروة الإجمالية.
● الشقيقان ميقاتي (3.8 مليار دولار لكل منهما): يمثل قطاع الاتصالات الذي يستثمران فيه عبر مجموعة «M1» ركيزة الاستقرار، فالاتصالات والبيانات أصبحت اليوم «سلعة أساسية» لا تقل أهمية عن الماء والكهرباء، مما يوفر حماية طبيعية ضد الانكماش الاقتصادي.
التوقعات المستقبلية: خريطة
الثروة في عالم متغير
بينما نتحرك نحو النصف الثاني من عام 2026، من المتوقع أن تظل ثروات كبار المليارديرات العرب عرضة لموجات جديدة من التقلبات. ومع ذلك، يبرز اتجاه واضح نحو «تكنولوجية الثروة»؛ حيث لم يعد كافيًا امتلاك أصول مادية (أراضٍ، مصانع، مناجم)، بـل أصبـح التقييم السـوقـي يعتمد بشكل متزايد على «الأصول غير الملموسة» مثل براءات الاختراع، حصص شركات التكنولوجيا الحيوية، والمنصات الرقمية.
كما أن التحول نحو الاقتصاد الأخضر سيخلق فجوة جديدة؛ فالمستثمرون الذين بدأوا مبكرًا في تمويل مشاريع الهيدروجين الأخضر والطاقة الشمسية (مثل تحركات المملكة القابضة وبعض المجموعات الإماراتية) سيجدون أنفسهم في موقع الصدارة مع تشديد القوانين البيئية العالمية.
في الختام، يظل المشهد الحالي لثروات المليارديرات العرب مرآة لواقع اقتصادي جديد، حيث لا يضمن الحجم الضخم للثروة استمراريتها ما لم تكن مدعومة بمرونة في إدارة المخاطر، ورؤية استشرافية تقتنص الفرص من قلب الأزمات الجيوسياسية. إن التباين الذي شهدناه بين فبراير وأبريل 2026 ليس إلا مقدمة لإعـادة تشكيـل شاملة لمراكز القوى الماليـة فـي المنطقة العربية.