تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كيف‭ ‬غيّرت‭ ‬الثورة‭ ‬الإنتاجية‭ ‬مفهوم‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي

IF32

بعد‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية،‭ ‬انتقل‭ ‬مركز‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬تدريجياً‭ ‬نحو‭ ‬شرق‭ ‬آسيا،‭ ‬حيث‭ ‬برزت‭ ‬اليابان‭ ‬أولاً،‭ ‬ثم‭ ‬تبعتها‭ ‬كوريا‭ ‬الجنوبية‭ ‬وتايوان‭ ‬وهونغ‭ ‬كونغ‭ ‬وسنغافورة‭ ‬كنماذج‭ ‬تنموية‭ ‬حققت‭ ‬تقدماً‭ ‬اقتصادياً‭ ‬سريعاً‭ ‬ولافتاً‭. ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬هذا‭ ‬النجاح‭ ‬نتيجة‭ ‬استيراد‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬جاء‭ ‬أيضاً‭ ‬نتيجة‭ ‬إعادة‭ ‬تنظيم‭ ‬العمل‭ ‬وتعزيز‭ ‬كفاءة‭ ‬العنصر‭ ‬البشري‭ ‬داخل‭ ‬المؤسسات‭ ‬الإنتاجية‭.‬
وقد‭ ‬لعبت‭ ‬مبادئ‭ ‬الإدارة‭ ‬العلمية‭ ‬التي‭ ‬وضع‭ ‬أسسها‭ ‬فريدريك‭ ‬وينسلو‭ ‬تايلور‭ ‬دوراً‭ ‬مهماً‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭. ‬فقد‭ ‬ركزت‭ ‬هذه‭ ‬المقاربة‭ ‬على‭ ‬التدريب‭ ‬المنهجي،‭ ‬وتقسيم‭ ‬المهام‭ ‬بدقة،‭ ‬وقياس‭ ‬الأداء‭ ‬بصورة‭ ‬مستمرة،‭ ‬بما‭ ‬يسمح‭ ‬برفع‭ ‬مستويات‭ ‬الكفاءة‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬العمل‭. ‬وأسهم‭ ‬هذا‭ ‬الأسلوب‭ ‬في‭ ‬زيادة‭ ‬الإنتاجية‭ ‬بمعدلات‭ ‬سنوية‭ ‬تراوحت‭ ‬بين‭ ‬3.5‭ ‬و4‭ ‬في‭ ‬المئة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬عملياً‭ ‬تضاعف‭ ‬الإنتاجية‭ ‬تقريباً‭ ‬كل‭ ‬ثمانية‭ ‬عشر‭ ‬عاماً‭.‬
ومن‭ ‬هنا‭ ‬يظهر‭ ‬الفرق‭ ‬الجوهري‭ ‬بين‭ ‬مرحلتين‭ ‬اقتصاديتين‭ ‬مهمتين؛‭ ‬فالثورة‭ ‬الصناعية‭ ‬ضاعفت‭ ‬القدرة‭ ‬الإنتاجية‭ ‬بفضل‭ ‬إدخال‭ ‬الآلة‭ ‬إلى‭ ‬خطوط‭ ‬الإنتاج،‭ ‬بينما‭ ‬جاءت‭ ‬الثورة‭ ‬الإنتاجية‭ ‬لتعيد‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬الإنسان‭ ‬نفسه‭ ‬داخل‭ ‬العملية‭ ‬الإنتاجية،‭ ‬عبر‭ ‬تحسين‭ ‬تنظيم‭ ‬العمل‭ ‬واستثمار‭ ‬المعرفة‭. ‬وبذلك‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬مرتبطاً‭ ‬فقط‭ ‬بالاستثمار‭ ‬في‭ ‬المعدات‭ ‬والآلات،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬يعتمد‭ ‬بدرجة‭ ‬متزايدة‭ ‬على‭ ‬تنظيم‭ ‬المعرفة‭ ‬وتطبيقها‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬العمل‭.‬

إعادة‭ ‬تعريف‭ ‬عوامل‭ ‬الإنتاج‭…‬‭ ‬صعود‭ ‬المعلوماتية‭ ‬كأصل‭ ‬استراتيجي

على‭ ‬مدى‭ ‬القرنين‭ ‬الماضيين،‭ ‬تغيرت‭ ‬النظرة‭ ‬إلى‭ ‬المعلوماتية‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭. ‬ففي‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الكلاسيكي‭ ‬كانت‭ ‬عوامل‭ ‬الإنتاج‭ ‬الأساسية‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬والعمل‭ ‬ورأس‭ ‬المال،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬التحولات‭ ‬التكنولوجية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬دفعت‭ ‬بالمعلوماتية‭ ‬لتصبح‭ ‬عنصراً‭ ‬حاسماً‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬الميزة‭ ‬التنافسية‭ ‬للدول‭ ‬والشركات‭.‬
وفي‭ ‬مفهومها‭ ‬الحديث،‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬المعلوماتية‭ ‬مجرد‭ ‬امتلاك‭ ‬البيانات،‭ ‬بل‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تحليلها‭ ‬واستخدامها‭ ‬بكفاءة‭ ‬لتحقيق‭ ‬نتائج‭ ‬اقتصادية‭ ‬واجتماعية‭ ‬ملموسة‭. ‬فهي‭ ‬مورد‭ ‬غير‭ ‬مادي،‭ ‬لكنه‭ ‬يمثل‭ ‬أحد‭ ‬أكثر‭ ‬الموارد‭ ‬قيمة‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬المعاصر،‭ ‬إذ‭ ‬يمكن‭ ‬توظيفه‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬متعددة‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يفقد‭ ‬قيمته‭.‬
وقد‭ ‬أسهم‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬في‭ ‬بروز‭ ‬ما‭ ‬يُعرف‭ ‬باقتصاد‭ ‬المعرفة،‭ ‬حيث‭ ‬أصبحت‭ ‬الأصول‭ ‬الفكرية،‭ ‬والبحث‭ ‬والتطوير،‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬الابتكار،‭ ‬مؤشرات‭ ‬رئيسية‭ ‬لقياس‭ ‬قوة‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الحديثة‭. ‬ولم‭ ‬تعد‭ ‬الثروة‭ ‬تُقاس‭ ‬فقط‭ ‬بوفرة‭ ‬الموارد‭ ‬الطبيعية‭ ‬أو‭ ‬بعدد‭ ‬العاملين،‭ ‬بل‭ ‬بمدى‭ ‬امتلاك‭ ‬المعرفة‭ ‬وتنظيمها‭ ‬وتوظيفها‭ ‬بفعالية‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬القطاعات‭.‬

نحو‭ ‬مرحلة‭ ‬اقتصادية‭ ‬تقودها‭ ‬المعرفة

يعكس‭ ‬تطور‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬الحديثة‭ ‬منذ‭ ‬الثورة‭ ‬الصناعية‭ ‬وحتى‭ ‬العصر‭ ‬الرقمي‭ ‬مساراً‭ ‬متدرجاً‭ ‬لتحول‭ ‬دور‭ ‬المعلوماتية‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭. ‬فقد‭ ‬بدأت‭ ‬هذه‭ ‬المسيرة‭ ‬بمرحلة‭ ‬تركزت‭ ‬فيها‭ ‬الاستثمارات‭ ‬في‭ ‬المصانع‭ ‬الكبرى‭ ‬وتراكم‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬الصناعي،‭ ‬ثم‭ ‬تطورت‭ ‬لاحقاً‭ ‬نحو‭ ‬تحسين‭ ‬تنظيم‭ ‬العمل‭ ‬ورفع‭ ‬مستويات‭ ‬الإنتاجية‭.‬
ومع‭ ‬تسارع‭ ‬التطور‭ ‬التكنولوجي،‭ ‬أصبحت‭ ‬المعرفة‭ ‬نفسها‭ ‬مورداً‭ ‬استراتيجياً‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬أهمية‭ ‬عن‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬أو‭ ‬الموارد‭ ‬الطبيعية‭. ‬وبذلك‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬السؤال‭ ‬الاقتصادي‭ ‬يدور‭ ‬حول‭ ‬من‭ ‬يمتلك‭ ‬الأرض‭ ‬أو‭ ‬الآلات،‭ ‬بل‭ ‬حول‭ ‬من‭ ‬يمتلك‭ ‬المعرفة‭ ‬ومن‭ ‬يستطيع‭ ‬توظيفها‭ ‬بفعالية‭ ‬وتحويلها‭ ‬إلى‭ ‬قيمة‭ ‬اقتصادية‭ ‬مستدامة‭.‬

النمو‭ ‬والتقدم‭ ‬التكنولوجي

مفهوم‭ ‬النمو

عند‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬مفهوم‭ ‬النمو،‭ ‬قد‭ ‬يتبادر‭ ‬إلى‭ ‬الذهن‭ ‬مباشرة‭ ‬معنى‭ ‬الثراء‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الثراء‭ ‬في‭ ‬المفهوم‭ ‬الحديث‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬امتلاك‭ ‬المال‭ ‬أو‭ ‬تراكم‭ ‬الثروة‭ ‬المادية‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬منظومة‭ ‬أوسع‭ ‬تشمل‭ ‬التعليم،‭ ‬وتراكم‭ ‬الخبرة،‭ ‬والاستفادة‭ ‬من‭ ‬التطورات‭ ‬التكنولوجية‭. ‬فالمعرفة‭ ‬اليوم‭ ‬تُعد‭ ‬الركيزة‭ ‬الأساسية‭ ‬للنمو،‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬للفرد‭ ‬أو‭ ‬للمجتمع‭ ‬تحقيق‭ ‬تقدم‭ ‬حقيقي‭ ‬دون‭ ‬فهم‭ ‬عميق‭ ‬للتكنولوجيا‭ ‬ودورها‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬الإنتاج‭ ‬والاقتصاد‭.‬
ومن‭ ‬هنا‭ ‬يتضح‭ ‬أن‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬النامي‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬تواجه‭ ‬تحديات‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال،‭ ‬إذ‭ ‬تعتمد‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬على‭ ‬استيراد‭ ‬المنتجات‭ ‬أو‭ ‬التقنيات‭ ‬من‭ ‬الخارج،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تتمكن‭ ‬من‭ ‬إنتاج‭ ‬منظومات‭ ‬صناعية‭ ‬مكتملة‭ ‬محلياً‭. ‬ويعود‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬جزء‭ ‬منه‭ ‬إلى‭ ‬محدودية‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬المعرفة‭ ‬والتكنولوجيا،‭ ‬وهما‭ ‬عنصران‭ ‬أساسيان‭ ‬لتحقيق‭ ‬نمو‭ ‬اقتصادي‭ ‬مستدام‭.‬

النمو‭ ‬وعلاقته‭ ‬بالتقدم‭ ‬التكنولوجي

يرتبط‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬في‭ ‬العادة‭ ‬بتراكم‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬وزيادة‭ ‬الاستثمارات،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬النمو‭ ‬قد‭ ‬يحدث‭ ‬أحياناً‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬تقدم‭ ‬تكنولوجي‭ ‬ملحوظ،‭ ‬مع‭ ‬مراعاة‭ ‬تأثير‭ ‬تغير‭ ‬الأسعار‭ ‬في‭ ‬السوق‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬النمو‭ ‬الأكثر‭ ‬استدامة‭ ‬وتأثيراً‭ ‬هو‭ ‬ذلك‭ ‬الذي‭ ‬يرتبط‭ ‬بالإبداع‭ ‬التكنولوجي،‭ ‬إذ‭ ‬يؤدي‭ ‬الابتكار‭ ‬إلى‭ ‬تحقيق‭ ‬زيادة‭ ‬حقيقية‭ ‬في‭ ‬الإنتاجية‭.‬
ويقوم‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬النمو‭ ‬على‭ ‬التفاعل‭ ‬بين‭ ‬الموهبة‭ ‬البشرية‭ ‬والتقدم‭ ‬التقني،‭ ‬حيث‭ ‬تسهم‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬بدور‭ ‬أساسي‭ ‬في‭ ‬تحويل‭ ‬الأفكار‭ ‬والقدرات‭ ‬الفردية‭ ‬إلى‭ ‬منتجات‭ ‬وخدمات‭ ‬ذات‭ ‬قيمة‭ ‬اقتصادية‭. ‬ولذلك‭ ‬فإن‭ ‬الاقتصادات‭ ‬التي‭ ‬تشجع‭ ‬الابتكار‭ ‬وتدعم‭ ‬البحث‭ ‬العلمي‭ ‬تكون‭ ‬أكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬نمو‭ ‬طويل‭ ‬الأمد‭.‬

النمو‭ ‬غير‭ ‬المستدام

في‭ ‬المقابل،‭ ‬يوجد‭ ‬نوع‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬النمو‭ ‬يمكن‭ ‬وصفه‭ ‬بالنمو‭ ‬غير‭ ‬المتوقع‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬المستدام،‭ ‬وهو‭ ‬ذلك‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يستند‭ ‬إلى‭ ‬تحسينات‭ ‬حقيقية‭ ‬في‭ ‬الإنتاجية‭ ‬أو‭ ‬إلى‭ ‬تقدم‭ ‬تقني‭ ‬وتنظيمي‭ ‬مستقر‭. ‬وغالباً‭ ‬ما‭ ‬ينشأ‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬النمو‭ ‬نتيجة‭ ‬مكاسب‭ ‬عرضية‭ ‬أو‭ ‬ظروف‭ ‬مؤقتة‭ ‬في‭ ‬السوق،‭ ‬مثل‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬موارد‭ ‬معينة‭ ‬أو‭ ‬تحقيق‭ ‬أرباح‭ ‬سريعة‭ ‬لا‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬أسس‭ ‬إنتاجية‭ ‬متينة‭.‬
ومع‭ ‬مرور‭ ‬الوقت،‭ ‬تتراجع‭ ‬هذه‭ ‬المكاسب‭ ‬بفعل‭ ‬ديناميكية‭ ‬الأسواق‭ ‬واستجابة‭ ‬المنافسين،‭ ‬حيث‭ ‬تسعى‭ ‬الشركات‭ ‬والمنتجون‭ ‬إلى‭ ‬خفض‭ ‬التكاليف‭ ‬أو‭ ‬تعويض‭ ‬عنصر‭ ‬إنتاج‭ ‬بآخر‭ ‬أقل‭ ‬تكلفة‭. ‬وقد‭ ‬يتحقق‭ ‬ذلك،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬استبدال‭ ‬المواد‭ ‬مرتفعة‭ ‬الكلفة‭ ‬بمواد‭ ‬أقل‭ ‬سعراً،‭ ‬أو‭ ‬تقليل‭ ‬استهلاك‭ ‬الطاقة‭ ‬والموارد‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬الإنتاج‭.‬
لكن‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬المكاسب‭ ‬المؤقتة‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬تفقد‭ ‬تأثيرها،‭ ‬خصوصاً‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬النمو‭ ‬قائماً‭ ‬على‭ ‬استغلال‭ ‬موارد‭ ‬قابلة‭ ‬للنضوب،‭ ‬مثل‭ ‬الثروات‭ ‬المعدنية‭. ‬وفي‭ ‬هذه‭ ‬الحالة‭ ‬يصبح‭ ‬استمرار‭ ‬النمو‭ ‬مرهوناً‭ ‬بالبحث‭ ‬عن‭ ‬بدائل‭ ‬جديدة‭ ‬أو‭ ‬تطوير‭ ‬مصادر‭ ‬أخرى‭ ‬يمكن‭ ‬الاعتماد‭ ‬عليها‭ ‬مستقبلاً‭.‬

المعلوماتية‭ ‬ودورها‭ ‬في‭ ‬التغيير

لعبت‭ ‬المعلوماتية‭ ‬ونقل‭ ‬المعرفة‭ ‬دوراً‭ ‬محورياً‭ ‬في‭ ‬التحولات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬منذ‭ ‬بدايات‭ ‬الثورة‭ ‬الصناعية‭. ‬ففي‭ ‬نهاية‭ ‬القرن‭ ‬الثامن‭ ‬عشر‭ ‬وبداية‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر،‭ ‬كان‭ ‬انتقال‭ ‬المعرفة‭ ‬التقنية‭ ‬يمثل‭ ‬مصدر‭ ‬قلق‭ ‬كبير‭ ‬لبعض‭ ‬الدول‭ ‬الصناعية،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬بريطانيا،‭ ‬التي‭ ‬سعت‭ ‬إلى‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬تفوقها‭ ‬التكنولوجي‭.‬
وقد‭ ‬أدرك‭ ‬أصحاب‭ ‬الصناعات‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الفترة‭ ‬أن‭ ‬القيمة‭ ‬الحقيقية‭ ‬لا‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬الآلات‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬الخبرة‭ ‬البشرية‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬تشغيلها‭ ‬وتطويرها‭. ‬ولذلك‭ ‬حرصوا‭ ‬على‭ ‬حماية‭ ‬أسرارهم‭ ‬الصناعية‭ ‬بوسائل‭ ‬مختلفة،‭ ‬فبُنيت‭ ‬بعض‭ ‬المصانع‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬يشبه‭ ‬الحصون،‭ ‬وفرضت‭ ‬قيود‭ ‬صارمة‭ ‬على‭ ‬دخول‭ ‬الغرباء‭ ‬إليها،‭ ‬كما‭ ‬أُلزم‭ ‬العمال‭ ‬بالحفاظ‭ ‬على‭ ‬سرية‭ ‬العمليات‭ ‬الإنتاجية‭.‬
وفي‭ ‬بعض‭ ‬الحالات‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يسمح‭ ‬للزوار‭ ‬بدخول‭ ‬المصانع‭ ‬إلا‭ ‬برفقة‭ ‬موظفين‭ ‬مختصين،‭ ‬بينما‭ ‬كانت‭ ‬بعض‭ ‬المعدات‭ ‬أو‭ ‬العمليات‭ ‬تُعامل‭ ‬بدرجة‭ ‬عالية‭ ‬من‭ ‬السرية،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬تُترك‭ ‬أجزاء‭ ‬أخرى‭ ‬أقل‭ ‬حساسية‭ ‬مفتوحة‭ ‬للمعاينة‭. ‬كما‭ ‬كانت‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬الأوروبية،‭ ‬مثل‭ ‬فرنسا،‭ ‬تفرض‭ ‬على‭ ‬العمال‭ ‬إجراءات‭ ‬تنظيمية‭ ‬دقيقة‭ ‬عند‭ ‬مغادرة‭ ‬أعمالهم،‭ ‬لضمان‭ ‬حماية‭ ‬المعرفة‭ ‬الصناعية‭ ‬ومنع‭ ‬تسربها‭ ‬إلى‭ ‬المنافسين‭.‬

التنظيم‭ ‬الصناعي‭ ‬وبدايات‭ ‬
نقل‭ ‬التكنولوجيا

مع‭ ‬نهاية‭ ‬القرن‭ ‬الثامن‭ ‬عشر،‭ ‬بدأت‭ ‬بعض‭ ‬الحكومات‭ ‬الأوروبية‭ ‬تدرك‭ ‬أهمية‭ ‬تطوير‭ ‬أساليب‭ ‬الإنتاج‭ ‬لمواكبة‭ ‬المنافسة‭ ‬الصناعية‭ ‬المتصاعدة‭. ‬ففي‭ ‬فرنسا،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬شجّعت‭ ‬الحكومة‭ ‬المصنّعين‭ ‬على‭ ‬ابتكار‭ ‬نماذج‭ ‬إنتاج‭ ‬جديدة‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬فكرة‭ ‬الأجزاء‭ ‬القابلة‭ ‬للاستبدال،‭ ‬بهدف‭ ‬تعزيز‭ ‬القدرة‭ ‬التنافسية‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الصناعات‭ ‬المتقدمة،‭ ‬مثل‭ ‬صناعة‭ ‬الساعات‭ ‬في‭ ‬جنيف‭. ‬وقد‭ ‬أدى‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬اعتماد‭ ‬تقسيم‭ ‬دقيق‭ ‬للعمل‭ ‬داخل‭ ‬المصانع،‭ ‬بحيث‭ ‬يتخصص‭ ‬كل‭ ‬عامل‭ ‬في‭ ‬جزء‭ ‬محدد‭ ‬من‭ ‬العملية‭ ‬الإنتاجية،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬حدّ‭ ‬من‭ ‬إمكانية‭ ‬الإلمام‭ ‬بجميع‭ ‬مراحل‭ ‬التصنيع‭ ‬أو‭ ‬نقلها‭ ‬بسهولة‭ ‬إلى‭ ‬جهات‭ ‬أخرى‭.‬
ومع‭ ‬مرور‭ ‬الوقت،‭ ‬بدأت‭ ‬القيود‭ ‬المفروضة‭ ‬على‭ ‬انتقال‭ ‬العمالة‭ ‬الماهرة‭ ‬وتصدير‭ ‬الآلات‭ ‬تخف‭ ‬تدريجياً،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬ساهم‭ ‬في‭ ‬تسريع‭ ‬انتشار‭ ‬المعرفة‭ ‬التقنية‭ ‬بين‭ ‬الدول‭. ‬وقد‭ ‬وجد‭ ‬الصناعيون‭ ‬البريطانيون‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬فرصة‭ ‬لتوسيع‭ ‬نشاطهم،‭ ‬فشرعوا‭ ‬في‭ ‬تصدير‭ ‬معدات‭ ‬النسيج‭ ‬إلى‭ ‬الخارج،‭ ‬وغالباً‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬المعدات‭ ‬تُرافق‭ ‬بفنيين‭ ‬متخصصين‭ ‬يتولون‭ ‬تشغيلها‭ ‬وتدريب‭ ‬العمال‭ ‬المحليين‭ ‬عليها‭.‬

النمو‭ ‬ورأس‭ ‬المال‭ ‬البشري

تشير‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدراسات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الدول‭ ‬الفقيرة‭ ‬قد‭ ‬تحقق‭ ‬معدلات‭ ‬نمو‭ ‬أسرع‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬الغنية‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المراحل،‭ ‬ويرتبط‭ ‬ذلك‭ ‬غالباً‭ ‬بما‭ ‬يُعرف‭ ‬بتناقص‭ ‬العائد‭ ‬على‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬في‭ ‬الاقتصادات‭ ‬المتقدمة‭. ‬ومع‭ ‬توسع‭ ‬حركة‭ ‬انتقال‭ ‬رؤوس‭ ‬الأموال‭ ‬والعمالة‭ ‬بين‭ ‬الدول،‭ ‬ازدادت‭ ‬فرص‭ ‬الدول‭ ‬الأقل‭ ‬تطوراً‭ ‬في‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬الموارد‭ ‬والخبرات‭ ‬الخارجية‭ ‬لتحقيق‭ ‬معدلات‭ ‬نمو‭ ‬أعلى‭.‬
وقد‭ ‬تناول‭ ‬بعض‭ ‬المفكرين‭ ‬الاقتصاديين‭ ‬هذه‭ ‬الفكرة‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬ما‭ ‬يعرف‭ ‬بنظريات‭ ‬التقارب‭ ‬الاقتصادي‭. ‬ومن‭ ‬بين‭ ‬هؤلاء‭ ‬الاقتصادي‭ ‬ألكسندر‭ ‬غيرشنكرون،‭ ‬الذي‭ ‬ربط‭ ‬عملية‭ ‬التنمية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬بدرجة‭ ‬التأخر‭ ‬النسبي‭ ‬للدول،‭ ‬معتبراً‭ ‬أن‭ ‬الدول‭ ‬المتأخرة‭ ‬يمكنها‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الحالات‭ ‬تحقيق‭ ‬نمو‭ ‬سريع‭ ‬إذا‭ ‬تمكنت‭ ‬من‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬المعرفة‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬المتراكمة‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬المتقدمة‭. ‬ووفق‭ ‬هذا‭ ‬التصور،‭ ‬فإن‭ ‬التأخر‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬بالضرورة‭ ‬ضعفاً‭ ‬دائماً،‭ ‬بل‭ ‬قد‭ ‬يشكل‭ ‬فرصة‭ ‬لتسريع‭ ‬التنمية‭ ‬عبر‭ ‬تبني‭ ‬التقنيات‭ ‬الحديثة‭ ‬بصورة‭ ‬مباشرة‭.‬
لكن‭ ‬هذا‭ ‬الطرح‭ ‬لا‭ ‬يخلو‭ ‬من‭ ‬التحديات،‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬نقل‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬وتوظيفها‭ ‬تختلف‭ ‬من‭ ‬دولة‭ ‬إلى‭ ‬أخرى،‭ ‬ويرتبط‭ ‬ذلك‭ ‬بدرجة‭ ‬كبيرة‭ ‬بمستوى‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬البشري،‭ ‬أي‭ ‬مستوى‭ ‬التعليم‭ ‬والتدريب‭ ‬والخبرة‭ ‬لدى‭ ‬القوى‭ ‬العاملة‭. ‬فكلما‭ ‬كان‭ ‬المجتمع‭ ‬أكثر‭ ‬تأهيلاً‭ ‬علمياً‭ ‬وتقنياً،‭ ‬ازدادت‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬استيعاب‭ ‬الابتكارات‭ ‬وتحويلها‭ ‬إلى‭ ‬أدوات‭ ‬إنتاج‭ ‬فعّالة‭.‬

أهمية‭ ‬المعرفة‭ ‬في‭ ‬تقليص‭ ‬
الفجوة‭ ‬التنموية

يبرز‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬البشري‭ ‬كعامل‭ ‬حاسم‭ ‬في‭ ‬تفسير‭ ‬الفوارق‭ ‬الاقتصادية‭ ‬بين‭ ‬الدول‭. ‬فحتى‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬توافر‭ ‬التكنولوجيا،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تحقيق‭ ‬الاستفادة‭ ‬الكاملة‭ ‬منها‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬وجود‭ ‬قاعدة‭ ‬تعليمية‭ ‬ومعرفية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬استيعابها‭ ‬وتطويرها‭. ‬ولهذا‭ ‬السبب‭ ‬تواجه‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬صعوبة‭ ‬في‭ ‬اللحاق‭ ‬بركب‭ ‬الاقتصادات‭ ‬المتقدمة،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬بسبب‭ ‬محدودية‭ ‬الموارد،‭ ‬بل‭ ‬أيضاً‭ ‬بسبب‭ ‬ضعف‭ ‬البنية‭ ‬التعليمية‭ ‬والتقنية‭ ‬التي‭ ‬تسمح‭ ‬بتوظيف‭ ‬المعرفة‭ ‬الحديثة‭.‬
وفي‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الحالات،‭ ‬يصبح‭ ‬الخيار‭ ‬المتاح‭ ‬أمام‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬هو‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬استيراد‭ ‬المشاريع‭ ‬الأجنبية‭ ‬أو‭ ‬إرسال‭ ‬الطلاب‭ ‬إلى‭ ‬الخارج‭ ‬لاكتساب‭ ‬الخبرات‭ ‬العلمية‭ ‬والتقنية‭. ‬وعند‭ ‬عودتهم،‭ ‬يمكن‭ ‬لهؤلاء‭ ‬أن‭ ‬يسهموا‭ ‬في‭ ‬نقل‭ ‬المعرفة‭ ‬وتطوير‭ ‬القطاعات‭ ‬الإنتاجية‭ ‬المحلية،‭ ‬بما‭ ‬يساعد‭ ‬على‭ ‬تعزيز‭ ‬القدرات‭ ‬الوطنية‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬العلم‭ ‬والتكنولوجيا‭.‬
وبذلك‭ ‬يتضح‭ ‬أن‭ ‬التنمية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬في‭ ‬العصر‭ ‬الحديث‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مرتبطة‭ ‬فقط‭ ‬بتوافر‭ ‬الموارد‭ ‬الطبيعية‭ ‬أو‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬المادي،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬تعتمد‭ ‬بدرجة‭ ‬متزايدة‭ ‬على‭ ‬المعرفة‭ ‬ورأس‭ ‬المال‭ ‬البشري،‭ ‬بوصفهما‭ ‬الأساس‭ ‬الحقيقي‭ ‬لبناء‭ ‬اقتصاد‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬الابتكار‭ ‬والمنافسة‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬سريع‭ ‬التغير‭.‬

رجوع لأعلى