تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كيف‭ ‬نصنع‭ ‬وعيًا‭ ‬ماليًا‭ ‬يحمي‭ ‬الثروة‭ ‬ويعزّز‭ ‬الاستقرار

RL33

احذر‭ ‬من‭ ‬المشاريع‭ ‬الاستثمارية‭ ‬التي‭ ‬تُغريك‭ ‬بعائدات‭ ‬مرتفعة‭ ‬وتَعِدك‭ ‬بمخاطر‭ ‬شبه‭ ‬معدومة‭. ‬فكل‭ ‬عرض‭ ‬يبدو‭ ‬جذاباً‭ ‬إلى‭ ‬حدٍّ‭ ‬لافت‭ ‬يستحق‭ ‬أن‭ ‬يُقابَل‭ ‬بقدر‭ ‬مماثل‭ ‬من‭ ‬التمحيص‭ ‬والحذر‭. ‬ضع‭ ‬نفسك‭ ‬مكان‭ ‬من‭ ‬يطلب‭ ‬التمويل‭: ‬أي‭ ‬صاحب‭ ‬مشروع‭ ‬سيسعى‭ ‬أولًا‭ ‬إلى‭ ‬مصادر‭ ‬تمويل‭ ‬منخفضة‭ ‬الكلفة‭ ‬وسهلة‭ ‬الوصول،‭ ‬مثل‭ ‬البنوك‭ ‬أو‭ ‬المؤسسات‭ ‬المالية‭ ‬المتخصصة‭ ‬التي‭ ‬تقرض‭ ‬بفوائد‭ ‬معتدلة‭ ‬بعد‭ ‬دراسة‭ ‬الجدوى‭ ‬والمخاطر‭.‬
وعندما‭ ‬يُطرح‭ ‬مشروع‭ ‬بعائدات‭ ‬كبيرة‭ ‬مع‭ ‬تأكيدات‭ ‬على‭ ‬ضآلة‭ ‬المخاطرة،‭ ‬فإن‭ ‬المنطق‭ ‬الاقتصادي‭ ‬يفرض‭ ‬سؤالًا‭ ‬مباشراً‭: ‬لماذا‭ ‬لم‭ ‬يحصل‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬على‭ ‬تمويل‭ ‬تقليدي‭ ‬أقل‭ ‬كلفة؟‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬القنوات‭ ‬المهنية‭ ‬والخبيرة‭ ‬في‭ ‬التمويل‭ ‬قد‭ ‬أحجمت‭ ‬عنه،‭ ‬فذلك‭ ‬غالبًا‭ ‬مؤشر‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬مستوى‭ ‬المخاطرة‭ ‬أعلى‭ ‬مما‭ ‬تقبله‭ ‬المؤسسات‭ ‬المعتادة‭. ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحالة،‭ ‬لا‭ ‬يكفي‭ ‬الإعجاب‭ ‬بالأرقام‭ ‬المعروضة،‭ ‬بل‭ ‬يجب‭ ‬إدراك‭ ‬أن‭ ‬الوعد‭ ‬بعائد‭ ‬مرتفع‭ ‬غالبًا‭ ‬ما‭ ‬يسير‭ ‬جنباً‭ ‬إلى‭ ‬جنب‭ ‬مع‭ ‬احتمال‭ ‬خسارة‭ ‬مرتفع‭ ‬أيضاً‭.‬
ومن‭ ‬المفيد‭ ‬التوقف‭ ‬عند‭ ‬أسلوب‭ ‬التسويق‭ ‬نفسه‭. ‬فجمع‭ ‬الأموال‭ ‬من‭ ‬مستثمرين‭ ‬أفراد‭ ‬عبر‭ ‬حملات‭ ‬واسعة‭ ‬ومكلفة‭ ‬ليس‭ ‬خياراً‭ ‬بسيطاً‭ ‬لرجل‭ ‬أعمال‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬تمويل،‭ ‬بل‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬إشارة‭ ‬إضافية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬البنوك‭ ‬والمستثمرين‭ ‬المحترفين،‭ ‬الذين‭ ‬يعتمدون‭ ‬في‭ ‬عملهم‭ ‬على‭ ‬انتقاء‭ ‬المشاريع‭ ‬ذات‭ ‬الجدوى‭ ‬الواضحة،‭ ‬لم‭ ‬يجدوا‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الاستثمار‭ ‬ما‭ ‬يكفي‭ ‬من‭ ‬عوامل‭ ‬الجذب‭ ‬أو‭ ‬الأمان،‭ ‬وعندها‭ ‬يصبح‭ ‬السؤال‭ ‬المشروع‭: ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬أهل‭ ‬الخبرة‭ ‬يترددون،‭ ‬فما‭ ‬الذي‭ ‬يدفعني‭ ‬أنا‭ ‬إلى‭ ‬المجازفة؟
أما‭ ‬زاوية‭ ‬النظر‭ ‬الأخيرة‭ ‬فتتعلق‭ ‬بما‭ ‬يسميه‭ ‬الاقتصاديون‭ ‬‮«‬قضية‭ ‬الوكيل‭ ‬الأول‮»‬،‭ ‬أي‭ ‬احتمال‭ ‬تعارض‭ ‬المصالح‭ ‬بين‭ ‬صاحب‭ ‬المال‭ ‬ومن‭ ‬يتولى‭ ‬إدارة‭ ‬هذا‭ ‬المال‭ ‬أو‭ ‬توظيفه،‭ ‬الصورة‭ ‬الأقرب‭ ‬إلى‭ ‬الواقع‭ ‬تشبه‭ ‬تجربة‭ ‬تسليم‭ ‬سيارة‭ ‬معطلة‭ ‬إلى‭ ‬ميكانيكي‭: ‬أنت‭ ‬تأمل‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬العطل‭ ‬بسيطًا‭ ‬وسريع‭ ‬الإصلاح،‭ ‬بينما‭ ‬قد‭ ‬يرى‭ ‬الميكانيكي‭ ‬في‭ ‬المشكلة‭ ‬فرصة‭ ‬لعمل‭ ‬أكبر‭ ‬وعائد‭ ‬أعلى‭. ‬هكذا‭ ‬هو‭ ‬الحال‭ ‬في‭ ‬الاستثمار‭ ‬أيضًا،‭ ‬حيث‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تتطابق‭ ‬دائمًا‭ ‬مصلحة‭ ‬المستثمر‭ ‬مع‭ ‬مصلحة‭ ‬من‭ ‬يدير‭ ‬المشروع‭ ‬أو‭ ‬يروّج‭ ‬له،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬الوعي‭ ‬بهذه‭ ‬الفجوة‭ ‬خطوة‭ ‬أساسية‭ ‬قبل‭ ‬اتخاذ‭ ‬أي‭ ‬قرار‭ ‬مالي‭.‬
وكما‭ ‬يعرف‭ ‬الميكانيكي‭ ‬تفاصيل‭ ‬سيارتك‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬تعرف‭ ‬أنت،‭ ‬يجد‭ ‬المستثمر‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬وضع‭ ‬مشابه‭ ‬عند‭ ‬الدخول‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬مشروع‭ ‬مالي‭. ‬فموقعه‭ ‬يكون‭ ‬مكشوفًا‭ ‬بطبيعته،‭ ‬لأن‭ ‬مصالح‭ ‬من‭ ‬يروّجون‭ ‬للاستثمار‭ ‬لا‭ ‬تتطابق‭ ‬غالبًا‭ ‬مع‭ ‬مصلحة‭ ‬صاحب‭ ‬المال‭. ‬بينما‭ ‬ينشغل‭ ‬المستثمر‭ ‬بالبحث‭ ‬عن‭ ‬عائد‭ ‬مرتفع‭ ‬ومستقر،‭ ‬يكون‭ ‬همّ‭ ‬الطرف‭ ‬الآخر‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬تحصيل‭ ‬عمولة‭ ‬الصفقة،‭ ‬أو‭ ‬ضمان‭ ‬دخل‭ ‬من‭ ‬إدارة‭ ‬المشروع،‭ ‬أو‭ ‬تأمين‭ ‬راتب‭ ‬مرتبط‭ ‬بالموافقة‭ ‬على‭ ‬المضي‭ ‬فيه‭. ‬وبعبارات‭ ‬واضحة،‭ ‬فإن‭ ‬الهدف‭ ‬الأول‭ ‬لديهم‭ ‬هو‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬أموالك‭.‬
ولا‭ ‬يعني‭ ‬ذلك‭ ‬بالضرورة‭ ‬أنهم‭ ‬يسعون‭ ‬إلى‭ ‬الاحتيال،‭ ‬فكثيرون‭ ‬منهم‭ ‬قد‭ ‬يؤمنون‭ ‬فعلًا‭ ‬بأن‭ ‬المشروع‭ ‬فرصة‭ ‬حقيقية‭ ‬وقابلة‭ ‬لتحقيق‭ ‬أرباح‭ ‬جيدة‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬اختلاف‭ ‬المصالح‭ ‬يظل‭ ‬قائماً،‭ ‬ويزداد‭ ‬تعقيداً‭ ‬بعد‭ ‬تسليم‭ ‬المال،‭ ‬إذ‭ ‬يصبح‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬على‭ ‬المستثمر‭ ‬تغيير‭ ‬المعادلة‭ ‬لصالحه‭. ‬من‭ ‬هنا‭ ‬تأتي‭ ‬أهمية‭ ‬إدراك‭ ‬هذا‭ ‬التعارض‭ ‬المحتمل،‭ ‬وفهم‭ ‬موقع‭ ‬الانكشاف‭ ‬الذي‭ ‬يقف‭ ‬فيه‭ ‬صاحب‭ ‬المال،‭ ‬والتصرف‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الأساس‭ ‬قبل‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار‭.‬
أما‭ ‬السؤال‭ ‬الجوهري‭: ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬التأكد‭ ‬مسبقاً‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬الاستثمار‭ ‬قرار‭ ‬صائب؟‭ ‬لا‭ ‬توجد‭ ‬أداة‭ ‬سحرية‭ ‬تضمن‭ ‬نتائج‭ ‬إيجابية‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مرة،‭ ‬لكن‭ ‬هناك‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬القواعد‭ ‬العملية‭ ‬التي‭ ‬تساعد‭ ‬على‭ ‬تقليل‭ ‬المخاطر‭ ‬وتجنّب‭ ‬خسائر‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬باهظة‭. ‬في‭ ‬مقدمة‭ ‬هذه‭ ‬القواعد‭ ‬أن‭ ‬العروض‭ ‬التي‭ ‬تبدو‭ ‬مغرية‭ ‬إلى‭ ‬حدّ‭ ‬لا‭ ‬يُصدّق،‭ ‬غالبًا‭ ‬ما‭ ‬تحمل‭ ‬في‭ ‬طياتها‭ ‬ما‭ ‬يستدعي‭ ‬الشك‭. ‬فليس‭ ‬من‭ ‬الغريب‭ ‬أن‭ ‬تجد‭ ‬مسوّقين‭ ‬مستعدين‭ ‬لبذل‭ ‬أي‭ ‬جهد‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬أموالك،‭ ‬لأنهم‭ ‬بمجرد‭ ‬حصولهم‭ ‬عليها‭ ‬ينتقلون‭ ‬إلى‭ ‬موقع‭ ‬القيادة،‭ ‬بينما‭ ‬يبقى‭ ‬المستثمر‭ ‬في‭ ‬موضع‭ ‬المكشوف‭.‬
ومن‭ ‬الحكمة‭ ‬التعامل‭ ‬فقط‭ ‬مع‭ ‬جهات‭ ‬تتمتع‭ ‬بسمعة‭ ‬راسخة‭ ‬في‭ ‬حماية‭ ‬عملائها‭. ‬فالشركات‭ ‬المستقرة‭ ‬والبيوت‭ ‬الاستثمارية‭ ‬المعروفة‭ ‬تحرص‭ ‬على‭ ‬صورتها‭ ‬في‭ ‬السوق،‭ ‬وتتجنب‭ ‬عادة‭ ‬توجيه‭ ‬المستثمرين‭ ‬نحو‭ ‬مشاريع‭ ‬عالية‭ ‬المخاطر‭ ‬بلا‭ ‬دراسة‭ ‬كافية‭. ‬والفرق‭ ‬كبير‭ ‬بين‭ ‬طرح‭ ‬تقدمه‭ ‬جهة‭ ‬مجهولة‭ ‬الحضور،‭ ‬وآخر‭ ‬يأتي‭ ‬عبر‭ ‬مؤسسة‭ ‬عريقة‭ ‬لها‭ ‬تاريخ‭ ‬طويل‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬المالية‭.‬
كما‭ ‬يُنصح‭ ‬بتجاهل‭ ‬أي‭ ‬عرض‭ ‬استثماري‭ ‬يصل‭ ‬عبر‭ ‬مكالمة‭ ‬هاتفية‭ ‬أو‭ ‬رسالة‭ ‬إلكترونية‭ ‬مفاجئة‭. ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬التسويق‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬يستهدف‭ ‬استعجال‭ ‬القرار‭ ‬واستدراج‭ ‬غير‭ ‬المتحققين‭ ‬من‭ ‬التفاصيل‭. ‬في‭ ‬السياق‭ ‬نفسه،‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬القبول‭ ‬باتخاذ‭ ‬قرار‭ ‬تحت‭ ‬الضغط‭ ‬أو‭ ‬الإلحاح،‭ ‬بل‭ ‬يجب‭ ‬منح‭ ‬النفس‭ ‬الوقت‭ ‬الكافي‭ ‬لوضع‭ ‬استراتيجية‭ ‬واضحة‭ ‬ومراجعة‭ ‬كل‭ ‬الجوانب‭ ‬قبل‭ ‬الالتزام‭.‬
ولا‭ ‬تقل‭ ‬الصداقة‭ ‬خطرًا‭ ‬عن‭ ‬الإغراءات‭ ‬التسويقية‭ ‬حين‭ ‬يتعلق‭ ‬الأمر‭ ‬بالمال‭. ‬فكثيرون‭ ‬اتخذوا‭ ‬قرارات‭ ‬استثمارية‭ ‬غير‭ ‬موفقة‭ ‬بدافع‭ ‬الثقة‭ ‬بأصدقاء‭ ‬أو‭ ‬معارف،‭ ‬ما‭ ‬أفسد‭ ‬العلاقات‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يحقق‭ ‬أي‭ ‬مكسب‭. ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬الروابط‭ ‬الإنسانية‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬أحيانًا‭ ‬في‭ ‬توجيه‭ ‬الاستثمارات‭ ‬إلى‭ ‬مسار‭ ‬آخر‭ ‬أكثر‭ ‬حيادًا‭ ‬وموضوعية‭.‬
وإذا‭ ‬اقترن‭ ‬العرض‭ ‬بأساليب‭ ‬ضغط‭ ‬مكثفة،‭ ‬فذلك‭ ‬في‭ ‬حد‭ ‬ذاته‭ ‬إشارة‭ ‬تحذير‭. ‬فالاستثمارات‭ ‬الجيدة‭ ‬يمكن‭ ‬تسويقها‭ ‬دون‭ ‬استعجال‭ ‬أو‭ ‬تهديد‭ ‬بضياع‭ ‬الفرصة‭. ‬وفي‭ ‬حال‭ ‬امتلاك‭ ‬محفظة‭ ‬كبيرة،‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬هناك‭ ‬مجال‭ ‬محدود‭ ‬لاستثمارات‭ ‬عالية‭ ‬المخاطرة،‭ ‬مثل‭ ‬بعض‭ ‬الأسهم‭ ‬المضاربية‭ ‬أو‭ ‬المعادن‭ ‬الثمينة،‭ ‬لكن‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬أموال‭ ‬يمكن‭ ‬تحمّل‭ ‬خسارتها‭. ‬أما‭ ‬من‭ ‬يسعى‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬ثروة‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬الطويل،‭ ‬فالأجدر‭ ‬به‭ ‬توجيه‭ ‬الجزء‭ ‬الأكبر‭ ‬من‭ ‬أمواله‭ ‬نحو‭ ‬مشاريع‭ ‬واضحة‭ ‬المعالم،‭ ‬منخفضة‭ ‬المخاطر،‭ ‬وقابلة‭ ‬للنمو‭ ‬المستدام‭.‬
وفي‭ ‬سياق‭ ‬أوسع،‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬المال‭ ‬على‭ ‬الحاضر‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬إلى‭ ‬الأجيال‭ ‬القادمة‭. ‬فتعليم‭ ‬الأطفال‭ ‬كيف‭ ‬يكسبون‭ ‬المال‭ ‬وكيف‭ ‬ينفقونه‭ ‬بحكمة‭ ‬يمثل‭ ‬استثماراً‭ ‬طويل‭ ‬الأمد‭ ‬في‭ ‬نجاحهم‭ ‬العام‭ ‬والمالي‭ ‬معاً،‭ ‬تنمية‭ ‬عادات‭ ‬مثل‭ ‬العمل‭ ‬المثابر،‭ ‬ووضع‭ ‬الأهداف،‭ ‬وتأجيل‭ ‬الإشباع‭ ‬الفوري‭ ‬لصالح‭ ‬نتائج‭ ‬مستقبلية‭ ‬أفضل،‭ ‬تسهم‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬شخصيات‭ ‬أكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬النجاح‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬جوانب‭ ‬الحياة‭. ‬ومن‭ ‬بين‭ ‬الوسائل‭ ‬العملية‭ ‬لغرس‭ ‬هذه‭ ‬القيم،‭ ‬تشجيع‭ ‬الأبناء‭ ‬على‭ ‬البدء‭ ‬في‭ ‬برامج‭ ‬بسيطة‭ ‬للكسب‭ ‬والادخار‭ ‬منذ‭ ‬سن‭ ‬مبكرة،‭ ‬ليكبروا‭ ‬وهم‭ ‬يدركون‭ ‬قيمة‭ ‬المال‭ ‬وكيفية‭ ‬إدارته‭ ‬بوعي‭ ‬ومسؤولية‭.‬
من‭ ‬أبرز‭ ‬الأساليب‭ ‬لغرس‭ ‬حسّ‭ ‬المسؤولية‭ ‬لدى‭ ‬الأطفال‭ ‬أن‭ ‬يدركوا‭ ‬منذ‭ ‬الصغر‭ ‬أن‭ ‬المال‭ ‬يُكتسب‭ ‬ولا‭ ‬يهبط‭ ‬من‭ ‬السماء‭. ‬فبدل‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬المكافآت‭ ‬مجرد‭ ‬مقابل‭ ‬للإنجاز‭ ‬الدراسي،‭ ‬يمكن‭ ‬ربطها‭ ‬بفكرة‭ ‬أعمق‭: ‬أن‭ ‬المال‭ ‬انعكاس‭ ‬لقيمة‭ ‬ما‭ ‬يقدمه‭ ‬الإنسان‭ ‬للآخرين،‭ ‬وأن‭ ‬أفضل‭ ‬طرق‭ ‬الكسب‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬ابتكار‭ ‬وسائل‭ ‬أفضل‭ ‬لخدمة‭ ‬الناس‭ ‬وتلبية‭ ‬احتياجاتهم‭.‬
وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬المال‭ ‬مجرد‭ ‬أداة‭ ‬لاقتناء‭ ‬ما‭ ‬نرغب‭ ‬فيه،‭ ‬بل‭ ‬مقياسًا‭ ‬للمساهمة‭ ‬في‭ ‬تمكين‭ ‬الآخرين‭ ‬من‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يسعون‭ ‬إليه‭. ‬هذا‭ ‬الفهم‭ ‬المبكر‭ ‬يمنح‭ ‬الأبناء‭ ‬رصيدًا‭ ‬فكريًا‭ ‬وسلوكيًا‭ ‬يرافقهم‭ ‬حين‭ ‬يدخلون‭ ‬الحياة‭ ‬العملية،‭ ‬بصرف‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬المجال‭ ‬الذي‭ ‬يختارونه‭ ‬مستقبلاً‭.‬
وبطبيعة‭ ‬الحال،‭ ‬سيظل‭ ‬الآباء‭ ‬يشترون‭ ‬لأبنائهم‭ ‬كثيرًا‭ ‬من‭ ‬احتياجاتهم‭ ‬دون‭ ‬مطالبتهم‭ ‬بتغطية‭ ‬تكلفتها‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬يمكن‭ ‬تحويل‭ ‬هذه‭ ‬المواقف‭ ‬اليومية‭ ‬إلى‭ ‬دروس‭ ‬عملية‭ ‬في‭ ‬فهم‭ ‬الكلفة‭ ‬والمقايضة‭ ‬بين‭ ‬الرغبات‭ ‬والإمكانات‭. ‬فعندما‭ ‬يفضّل‭ ‬الأطفال‭ ‬أحيانًا‭ ‬اقتناء‭ ‬علامات‭ ‬تجارية‭ ‬مرتفعة‭ ‬الثمن،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬البدائل‭ ‬تؤدي‭ ‬الغرض‭ ‬نفسه،‭ ‬يصبح‭ ‬من‭ ‬المفيد‭ ‬إتاحة‭ ‬خيار‭ ‬واعٍ‭ ‬لهم‭: ‬إما‭ ‬إنفاق‭ ‬المبلغ‭ ‬كاملًا‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أغلى،‭ ‬أو‭ ‬اختيار‭ ‬الأرخص‭ ‬والاحتفاظ‭ ‬بالفارق‭ ‬لاستخدامه‭ ‬لاحقًا‭ ‬فيما‭ ‬يرغبون‭ ‬به‭.‬
في‭ ‬هذه‭ ‬التجربة‭ ‬البسيطة‭ ‬يتعلم‭ ‬الطفل‭ ‬أن‭ ‬لكل‭ ‬قرار‭ ‬ثمناً،‭ ‬وأن‭ ‬الادخار‭ ‬ليس‭ ‬حرمانًا‭ ‬بل‭ ‬فرصة‭ ‬لخيارات‭ ‬أوسع‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭. ‬وهكذا‭ ‬يختبر‭ ‬بشكل‭ ‬عملي‭ ‬ما‭ ‬يعيشه‭ ‬المستهلك‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬اليومي‭: ‬موازنة‭ ‬بين‭ ‬الرغبات‭ ‬والموارد،‭ ‬وتحمل‭ ‬نتائج‭ ‬الاختيارات،‭ ‬وجني‭ ‬ثمار‭ ‬التوفير‭ ‬عندما‭ ‬يقرر‭ ‬الاقتصاد‭ ‬في‭ ‬الإنفاق‭.‬

رجوع لأعلى