تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كيف‭ ‬يقود‭ ‬التمويل‭ ‬الخاطئ‭ ‬إلى‭ ‬استنزاف‭ ‬الدخل‭ ‬وفقدان‭ ‬الأمان‭ ‬المالي

كيف‭ ‬يقود‭ ‬التمويل‭ ‬الخاطئ‭ ‬إلى‭ ‬استنزاف‭ ‬الدخل‭ ‬وفقدان‭ ‬الأمان‭ ‬المالي

يُعدّ‭ ‬الادخار‭ ‬حجر‭ ‬الأساس‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬بناء‭ ‬الثروة،‭ ‬سواء‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الأفراد‭ ‬أو‭ ‬الدول‭. ‬فالأمم‭ ‬لا‭ ‬تزداد‭ ‬غنىً‭ ‬إلا‭ ‬بقدرتها‭ ‬على‭ ‬الإنفاق‭ ‬أقل‭ ‬مما‭ ‬تنتج،‭ ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬تجميع‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬الذي‭ ‬يتيح‭ ‬لها‭ ‬توسيع‭ ‬دائرة‭ ‬الإنتاج‭ ‬وخلق‭ ‬قيمة‭ ‬اقتصادية‭ ‬مستدامة‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬تراكم‭ ‬الأموال‭ ‬وحده‭ ‬لا‭ ‬يكفي،‭ ‬إذ‭ ‬يتطلب‭ ‬تحقيق‭ ‬الرفاه‭ ‬الحقيقي‭ ‬توجيه‭ ‬هذه‭ ‬المدخرات‭ ‬نحو‭ ‬استثمارات‭ ‬إنتاجية‭ ‬ترفع‭ ‬من‭ ‬كفاءة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬وتلبي‭ ‬احتياجات‭ ‬المستهلكين‭ ‬بأعلى‭ ‬مستوى‭ ‬ممكن‭ ‬من‭ ‬القيمة‭.‬
وينسحب‭ ‬هذا‭ ‬المنطق‭ ‬ذاته‭ ‬على‭ ‬الأفراد،‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬نمو‭ ‬مالي‭ ‬حقيقي‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬تبني‭ ‬ثقافة‭ ‬الادخار‭ ‬والاستثمار‭ ‬الرشيد‭. ‬فالاعتماد‭ ‬على‭ ‬الحظ‭ ‬وحده‭ ‬قد‭ ‬يقود‭ ‬إلى‭ ‬الثراء‭ ‬في‭ ‬حالات‭ ‬نادرة،‭ ‬لكن‭ ‬الطريق‭ ‬الأكثر‭ ‬أماناً‭ ‬واستدامة‭ ‬يمر‭ ‬عبر‭ ‬قرارات‭ ‬مالية‭ ‬واعية‭ ‬تبدأ‭ ‬بتخصيص‭ ‬جزء‭ ‬منتظم‭ ‬من‭ ‬الدخل‭ ‬للادخار‭.‬
وغالباً‭ ‬ما‭ ‬يأتي‭ ‬الرد‭ ‬التقليدي‭ ‬على‭ ‬الدعوة‭ ‬إلى‭ ‬الادخار‭ ‬على‭ ‬النحو‭ ‬التالي‭: ‬“أدرك‭ ‬أهمية‭ ‬التوفير،‭ ‬لكن‭ ‬دخلي‭ ‬بالكاد‭ ‬يغطي‭ ‬نفقاتي‭ ‬الأساسية،‭ ‬ولا‭ ‬يوجد‭ ‬مجال‭ ‬في‭ ‬ميزانيتي‭ ‬للادخار‭ ‬حالياً”‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬المنطق‭ ‬يستحق‭ ‬إعادة‭ ‬النظر،‭ ‬إذ‭ ‬يشير‭ ‬خبراء‭ ‬الاقتصاد‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التوفير‭ ‬لا‭ ‬ترتبط‭ ‬فقط‭ ‬بحجم‭ ‬الدخل،‭ ‬بل‭ ‬أيضاً‭ ‬بنمط‭ ‬الإنفاق‭ ‬وطريقة‭ ‬ترتيب‭ ‬الأولويات‭.‬
فعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أننا‭ ‬نميل‭ ‬إلى‭ ‬الاعتقاد‭ ‬بأن‭ ‬معظم‭ ‬مشترياتنا‭ ‬ضرورية،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الواقع‭ ‬يظهر‭ ‬أننا‭ ‬نستهلك‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬نحتاج‭ ‬فعلياً‭. ‬ولهذا‭ ‬السبب‭ ‬يركز‭ ‬الاقتصاديون‭ ‬على‭ ‬“الطلب”‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬“الحاجة”،‭ ‬لأن‭ ‬جانباً‭ ‬كبيراً‭ ‬من‭ ‬قرارات‭ ‬الإنفاق‭ ‬يخضع‭ ‬للاختيار‭ ‬والتأثر‭ ‬بعوامل‭ ‬مثل‭ ‬الأسعار‭ ‬والعروض‭. ‬فعندما‭ ‬ترتفع‭ ‬تكلفة‭ ‬سلعة‭ ‬ما،‭ ‬تتراجع‭ ‬الرغبة‭ ‬في‭ ‬اقتنائها،‭ ‬بينما‭ ‬يزداد‭ ‬الإقبال‭ ‬عليها‭ ‬إذا‭ ‬انخفض‭ ‬سعرها‭ ‬أو‭ ‬تحمّل‭ ‬طرف‭ ‬آخر‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬كلفتها‭.‬
انطلاقاً‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬يصبح‭ ‬خفض‭ ‬الإنفاق‭ ‬ممكناً‭ ‬حتى‭ ‬لأصحاب‭ ‬الدخل‭ ‬المحدود‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬تكبّد‭ ‬تضحيات‭ ‬قاسية،‭ ‬وذلك‭ ‬عبر‭ ‬مراجعة‭ ‬العادات‭ ‬الاستهلاكية‭ ‬وتأجيل‭ ‬بعض‭ ‬الرغبات‭ ‬غير‭ ‬الضرورية‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬تأجيل‭ ‬قرار‭ ‬الادخار‭ ‬إلى‭ ‬حين‭ ‬تحسن‭ ‬الدخل‭ ‬يحمل‭ ‬في‭ ‬طياته‭ ‬إشكاليتين‭ ‬أساسيتين‭.‬
الأولى‭ ‬أن‭ ‬غياب‭ ‬الانضباط‭ ‬المالي‭ ‬في‭ ‬الحاضر‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬اكتسابه‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭. ‬فمن‭ ‬لا‭ ‬يعتاد‭ ‬على‭ ‬الادخار‭ ‬الآن،‭ ‬غالباً‭ ‬لن‭ ‬يجد‭ ‬الدافع‭ ‬الكافي‭ ‬للبدء‭ ‬لاحقاً‭. ‬أما‭ ‬الإشكالية‭ ‬الثانية‭ ‬فتتمثل‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬مستوى‭ ‬الطموحات‭ ‬والإنفاق‭ ‬يرتفع‭ ‬عادة‭ ‬مع‭ ‬زيادة‭ ‬الدخل،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬الفائض‭ ‬المالي‭ ‬المتوقع‭ ‬أقل‭ ‬مما‭ ‬كان‭ ‬مأمولاً‭.‬
وتشير‭ ‬التجارب‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الأشخاص‭ ‬الذين‭ ‬يتمتعون‭ ‬بمعدلات‭ ‬ادخار‭ ‬مرتفعة‭ ‬في‭ ‬مراحل‭ ‬متقدمة‭ ‬من‭ ‬حياتهم‭ ‬المهنية‭ ‬هم‭ ‬في‭ ‬الغالب‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬بدأوا‭ ‬التوفير‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬مبكر،‭ ‬عندما‭ ‬كانت‭ ‬دخولهم‭ ‬محدودة‭. ‬بل‭ ‬إن‭ ‬هذا‭ ‬السلوك‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬أحد‭ ‬العوامل‭ ‬التي‭ ‬ساهمت‭ ‬في‭ ‬تحسن‭ ‬أوضاعهم‭ ‬المالية‭ ‬لاحقاً‭.‬
في‭ ‬المحصلة،‭ ‬لا‭ ‬يرتبط‭ ‬الادخار‭ ‬بوفرة‭ ‬المال‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يرتبط‭ ‬بوضوح‭ ‬الرؤية‭ ‬والانضباط‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬الموارد‭. ‬والرسالة‭ ‬الأبرز‭ ‬تبقى‭ ‬واحدة‭: ‬البداية‭ ‬المبكرة،‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬متواضعة،‭ ‬هي‭ ‬الخطوة‭ ‬الأهم‭ ‬نحو‭ ‬بناء‭ ‬مستقبل‭ ‬مالي‭ ‬أكثر‭ ‬استقراراً‭.‬

‭ ‬كلفة‭ ‬التأجيل‭ ‬وثمن‭ ‬الفرص‭ ‬الضائعة

تتجلى‭ ‬الإشكالية‭ ‬الثانية‭ ‬في‭ ‬تأجيل‭ ‬برنامج‭ ‬الادخار‭ ‬في‭ ‬الكلفة‭ ‬الباهظة‭ ‬التي‭ ‬يدفعها‭ ‬الفرد‭ ‬لاحقاً‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الدخل‭ ‬المتاح‭ ‬عند‭ ‬بلوغ‭ ‬سن‭ ‬التقاعد‭. ‬فكلما‭ ‬جاءت‭ ‬البداية‭ ‬أبكر،‭ ‬زادت‭ ‬فرص‭ ‬بناء‭ ‬رصيد‭ ‬مالي‭ ‬أكثر‭ ‬متانة،‭ ‬فيما‭ ‬يمكن‭ ‬حتى‭ ‬للمبالغ‭ ‬الصغيرة‭ ‬التي‭ ‬تُقتطع‭ ‬اليوم‭ ‬أن‭ ‬تُحدث‭ ‬فارقاً‭ ‬واسعاً‭ ‬في‭ ‬حجم‭ ‬الثروة‭ ‬المستقبلية‭ ‬بمرور‭ ‬الزمن‭.‬
ويوضح‭ ‬خبراء‭ ‬المال‭ ‬أن‭ ‬الأثر‭ ‬التراكمي‭ ‬للادخار‭ ‬المبكر‭ ‬يتجاوز‭ ‬ما‭ ‬يبدو‭ ‬للوهلة‭ ‬الأولى‭. ‬فالتردد‭ ‬أو‭ ‬التأخير‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬فقط‭ ‬تفويت‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬التراكم،‭ ‬بل‭ ‬خسارة‭ ‬العوائد‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬أن‭ ‬تتولد‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬المدخرات‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬طويل‭. ‬ولهذا‭ ‬يُنظر‭ ‬إلى‭ ‬عامل‭ ‬الزمن‭ ‬بوصفه‭ ‬أحد‭ ‬أقوى‭ ‬الحلفاء‭ ‬في‭ ‬رحلة‭ ‬بناء‭ ‬الأمان‭ ‬المالي‭.‬
وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬أسهمت‭ ‬بعض‭ ‬السياسات‭ ‬المالية،‭ ‬مثل‭ ‬السماح‭ ‬بالادخار‭ ‬قبل‭ ‬اقتطاع‭ ‬الضرائب،‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬جاذبية‭ ‬برامج‭ ‬التوفير‭ ‬طويلة‭ ‬الأجل‭. ‬إذ‭ ‬يتيح‭ ‬هذا‭ ‬النظام‭ ‬خفض‭ ‬الدخل‭ ‬الخاضع‭ ‬للضريبة،‭ ‬ما‭ ‬يقلل‭ ‬العبء‭ ‬الضريبي‭ ‬الحالي،‭ ‬بينما‭ ‬تُؤجل‭ ‬الضرائب‭ ‬على‭ ‬العوائد‭ ‬المتحققة‭ ‬إلى‭ ‬حين‭ ‬سحب‭ ‬الأموال‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬التقاعد،‭ ‬حيث‭ ‬يكون‭ ‬الفرد‭ ‬غالباً‭ ‬ضمن‭ ‬شريحة‭ ‬ضريبية‭ ‬أقل‭.‬
وتتعدد‭ ‬الأطر‭ ‬التي‭ ‬توفر‭ ‬هذه‭ ‬الميزة،‭ ‬من‭ ‬حسابات‭ ‬التقاعد‭ ‬الفردية‭ ‬إلى‭ ‬خطط‭ ‬الادخار‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالعمل،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬برامج‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬الأرباح‭ ‬وخيارات‭ ‬مخصصة‭ ‬للعاملين‭ ‬لحسابهم‭ ‬الخاص‭. ‬وغالباً‭ ‬ما‭ ‬يقدّم‭ ‬أرباب‭ ‬العمل‭ ‬أو‭ ‬المستشارون‭ ‬الماليون‭ ‬تفاصيل‭ ‬حول‭ ‬كيفية‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬المسارات‭ ‬بما‭ ‬يتلاءم‭ ‬مع‭ ‬الوضع‭ ‬الضريبي‭ ‬والدخل‭ ‬الشخصي‭ ‬لكل‭ ‬فرد‭.‬
ورغم‭ ‬أن‭ ‬تبني‭ ‬برنامج‭ ‬ادخار‭ ‬منتظم‭ ‬يستلزم‭ ‬تقليصاً‭ ‬محدوداً‭ ‬في‭ ‬الإنفاق‭ ‬الجاري،‭ ‬فإن‭ ‬العائد‭ ‬النفسي‭ ‬والعملي‭ ‬يكون‭ ‬ملموساً‭. ‬فالإحساس‭ ‬بالأمان‭ ‬الناتج‭ ‬عن‭ ‬الاستعداد‭ ‬للمستقبل‭ ‬المالي‭ ‬يسهم‭ ‬في‭ ‬خفض‭ ‬مستويات‭ ‬الضغط‭ ‬وتحسين‭ ‬جودة‭ ‬الحياة‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬الطويل‭.‬
كما‭ ‬أن‭ ‬واقع‭ ‬الحياة،‭ ‬بما‭ ‬يحمله‭ ‬من‭ ‬نفقات‭ ‬غير‭ ‬متوقعة،‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬وجود‭ ‬حساب‭ ‬توفير‭ ‬للطوارئ‭ ‬ضرورة‭ ‬لا‭ ‬ترفاً‭. ‬وإلى‭ ‬جانب‭ ‬ذلك،‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬الادخار‭ ‬الشهري‭ ‬إلى‭ ‬عادة‭ ‬راسخة‭ ‬تُعامل‭ ‬كأحد‭ ‬الالتزامات‭ ‬الأساسية،‭ ‬تماماً‭ ‬كالسكن‭ ‬والغذاء‭ ‬والمواصلات‭.‬
وفي‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الحالات،‭ ‬توفر‭ ‬أماكن‭ ‬العمل‭ ‬آليات‭ ‬اقتطاع‭ ‬تلقائي‭ ‬من‭ ‬الراتب‭ ‬لصالح‭ ‬حسابات‭ ‬ادخار‭ ‬يختارها‭ ‬الموظف،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬بعض‭ ‬الجهات‭ ‬تضيف‭ ‬مساهمات‭ ‬موازية‭ ‬لما‭ ‬يدخره‭ ‬العامل،‭ ‬ما‭ ‬يعزز‭ ‬قيمة‭ ‬المبلغ‭ ‬المتراكم‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬تبدو‭ ‬القاعدة‭ ‬الذهبية‭ ‬للادخار‭ ‬بسيطة‭ ‬ومباشرة‭: ‬لا‭ ‬تؤجل،‭ ‬ابدأ‭ ‬الآن‭.‬

الانضباط‭ ‬المالي‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الواقع

يُحذّر‭ ‬خبراء‭ ‬المال‭ ‬من‭ ‬تمويل‭ ‬سلع‭ ‬أو‭ ‬خدمات‭ ‬لفترة‭ ‬أطول‭ ‬من‭ ‬عمرها‭ ‬المتوقع‭. ‬فالاقتراض‭ ‬لشراء‭ ‬عطلة،‭ ‬أو‭ ‬ملابس،‭ ‬أو‭ ‬منتجات‭ ‬سريعة‭ ‬الاستهلاك‭ ‬يضع‭ ‬الفرد‭ ‬أمام‭ ‬مفارقة‭ ‬قاسية‭: ‬الاستمرار‭ ‬في‭ ‬سداد‭ ‬أقساط‭ ‬لأشياء‭ ‬فقدت‭ ‬قيمتها‭ ‬أو‭ ‬انتهت‭ ‬فائدتها‭. ‬والأمر‭ ‬ذاته‭ ‬ينطبق‭ ‬على‭ ‬القروض‭ ‬طويلة‭ ‬الأجل‭ ‬لاقتناء‭ ‬أصول‭ ‬قصيرة‭ ‬العمر،‭ ‬مثل‭ ‬سيارة‭ ‬مستعملة‭ ‬قد‭ ‬تتراجع‭ ‬جدواها‭ ‬قبل‭ ‬انتهاء‭ ‬فترة‭ ‬السداد‭.‬
في‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الحالات،‭ ‬يجد‭ ‬المقترض‭ ‬نفسه‭ ‬يدفع‭ ‬مقابل‭ ‬قيمة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬موجودة،‭ ‬ما‭ ‬يراكم‭ ‬الإحباط‭ ‬والقلق‭ ‬المالي،‭ ‬ويقود‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬إلى‭ ‬حلقة‭ ‬مفرغة‭ ‬من‭ ‬الإنفاق‭ ‬تفوق‭ ‬حدود‭ ‬الدخل‭. ‬فتمديد‭ ‬التمويل‭ ‬لما‭ ‬يتجاوز‭ ‬العمر‭ ‬النافع‭ ‬للأصل‭ ‬يعني‭ ‬عملياً‭ ‬دفع‭ ‬ثمن‭ ‬متعتك‭ ‬الماضية‭ ‬ورغباتك‭ ‬الراهنة‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد،‭ ‬وهو‭ ‬مسار‭ ‬يفضي‭ ‬إلى‭ ‬تضخم‭ ‬المديونية‭ ‬وتآكل‭ ‬القدرة‭ ‬المالية‭ ‬بمرور‭ ‬الوقت‭.‬
ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬لا‭ ‬يُعدّ‭ ‬الاقتراض‭ ‬خياراً‭ ‬مرفوضاً‭ ‬على‭ ‬إطلاقه‭. ‬فشراء‭ ‬أصول‭ ‬طويلة‭ ‬الأجل‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬قراراً‭ ‬منطقياً‭ ‬إذا‭ ‬جرى‭ ‬سداد‭ ‬قيمتها‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬استخدامها‭ ‬الفعلي‭. ‬بهذه‭ ‬الطريقة،‭ ‬يتحول‭ ‬القرض‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬تُمكّنك‭ ‬من‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬الأصل‭ ‬الذي‭ ‬تدفع‭ ‬ثمنه،‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يصبح‭ ‬عبئاً‭ ‬يطاردك‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تنتهي‭ ‬فائدته‭.‬

حساب‭ ‬الطوارئ

إلى‭ ‬جانب‭ ‬الادخار‭ ‬للمستقبل‭ ‬البعيد،‭ ‬تبرز‭ ‬أهمية‭ ‬إنشاء‭ ‬حساب‭ ‬توفير‭ ‬مخصص‭ ‬لمواجهة‭ ‬متطلبات‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭ ‬غير‭ ‬المتوقعة‭. ‬فالعالم‭ ‬الواقعي‭ ‬مليء‭ ‬بالأحداث‭ ‬المفاجئة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬التنبؤ‭ ‬بتوقيتها‭ ‬أو‭ ‬حجمها،‭ ‬بدءاً‭ ‬من‭ ‬أعطال‭ ‬المنازل‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬النفقات‭ ‬الصحية‭ ‬أو‭ ‬المهنية‭ ‬الطارئة‭.‬
وجود‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬الحسابات‭ ‬يتيح‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬المستجدات‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬الوقوع‭ ‬تحت‭ ‬ضغط‭ ‬نفسي‭ ‬أو‭ ‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬الاقتراض‭ ‬السريع‭ ‬والمكلف‭. ‬وعلى‭ ‬المدى‭ ‬الطويل،‭ ‬يشكّل‭ ‬هذا‭ ‬الاحتياطي‭ ‬المالي‭ ‬شبكة‭ ‬أمان‭ ‬تعزز‭ ‬الاستقرار‭ ‬وتمنح‭ ‬الفرد‭ ‬قدرة‭ ‬أكبر‭ ‬على‭ ‬اتخاذ‭ ‬قرارات‭ ‬مالية‭ ‬متزنة،‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬أصعب‭ ‬الظروف‭.‬

رجوع لأعلى