تخطي إلى المحتوى الرئيسي

لغز‭ ‬‮‬بيتكوين‮‬‭ ‬المسروقة‭ ‬يضع‭ ‬واشنطن‭ ‬تحت‭ ‬المجهر

VD31

في‭ ‬ديسمبر‭ ‬2020،‭ ‬سُرقت‭ ‬عملات‭ ‬‮«‬بيتكوين‮»‬‭ ‬بقيمة‭ ‬تقارب‭ ‬3.5‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬في‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أكبر‭ ‬عمليات‭ ‬اختراق‭ ‬الأصول‭ ‬الرقمية‭ ‬على‭ ‬الإطلاق‭. ‬وبعد‭ ‬نحو‭ ‬خمس‭ ‬سنوات،‭ ‬تبيّن‭ ‬أن‭ ‬المالك‭ ‬الحالي‭ ‬لهذه‭ ‬الثروة،‭ ‬التي‭ ‬تضاعفت‭ ‬قيمتها‭ ‬لاحقاً،‭ ‬هو‭ ‬الحكومة‭ ‬الأميركية‭. ‬لكن‭ ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يحيّر‭ ‬الأوساط‭ ‬القانونية‭ ‬والمالية‭ ‬هو‭: ‬كيف‭ ‬وصلت‭ ‬هذه‭ ‬العملات‭ ‬إلى‭ ‬يد‭ ‬السلطات‭ ‬الأميركية؟
هذا‭ ‬الغموض‭ ‬بات‭ ‬محور‭ ‬نزاع‭ ‬قضائي‭ ‬أمام‭ ‬محكمة‭ ‬فيدرالية‭ ‬في‭ ‬بروكلين،‭ ‬حيث‭ ‬يطالب‭ ‬عشرات‭ ‬الأطراف‭ ‬بحقوق‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬127‭ ‬ألف‭ ‬عملة‭ ‬‮«‬بيتكوين‮»‬‭ ‬صادرتها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭. ‬ومن‭ ‬بين‭ ‬هؤلاء‭ ‬ضحايا‭ ‬هجمات‭ ‬إرهابية،‭ ‬وأطراف‭ ‬تزعم‭ ‬أن‭ ‬العملات‭ ‬جرى‭ ‬تعدينها‭ ‬في‭ ‬إيران،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬رجل‭ ‬الأعمال‭ ‬الصيني‭ ‬تشين‭ ‬تشي‭ ‬نفسه،‭ ‬الذي‭ ‬تطالب‭ ‬واشنطن‭ ‬بمصادرة‭ ‬الأصول‭ ‬المرتبطة‭ ‬به‭ ‬باعتبارها‭ ‬عائدات‭ ‬نشاط‭ ‬إجرامي‭ ‬واسع‭ ‬النطاق‭.‬
ويرى‭ ‬خبراء‭ ‬قانونيون‭ ‬أن‭ ‬القضية‭ ‬تمثل‭ ‬سابقة‭ ‬شديدة‭ ‬الأهمية‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬الجرائم‭ ‬المالية‭ ‬الرقمية‭. ‬وقال‭ ‬المدعي‭ ‬الفيدرالي‭ ‬السابق‭ ‬برادلي‭ ‬سايمون‭ ‬إن‭ ‬ما‭ ‬جرى‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬‮«‬أكبر‭ ‬عملية‭ ‬مصادرة‭ ‬مالية‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬أجهزة‭ ‬إنفاذ‭ ‬القانون‭ ‬الأميركية‮»‬،‭ ‬مشيراً‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الطريقة‭ ‬التي‭ ‬حصلت‭ ‬بها‭ ‬الحكومة‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬العملات‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬مجهولة‭.‬

أكبر‭ ‬مصادرة‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة

تقول‭ ‬السلطات‭ ‬الأميركية‭ ‬إن‭ ‬هذه‭ ‬العملات‭ ‬تمثل‭ ‬عائدات‭ ‬إمبراطورية‭ ‬احتيال‭ ‬وغسل‭ ‬أموال‭ ‬مرتبطة‭ ‬بشبكات‭ ‬إجرامية‭ ‬كانت‭ ‬تنشط‭ ‬في‭ ‬آسيا،‭ ‬خصوصاً‭ ‬عبر‭ ‬عمليات‭ ‬تهريب‭ ‬عمال‭ ‬إلى‭ ‬مجمعات‭ ‬في‭ ‬كمبوديا،‭ ‬حيث‭ ‬أُجبروا‭ ‬على‭ ‬تنفيذ‭ ‬عمليات‭ ‬احتيال‭ ‬استهدفت‭ ‬ضحايا‭ ‬حول‭ ‬العالم‭ ‬بمليارات‭ ‬الدولارات‭.‬
وبحسب‭ ‬الادعاء،‭ ‬قام‭ ‬تشين‭ ‬بغسل‭ ‬هذه‭ ‬العائدات‭ ‬عبر‭ ‬منصة‭ ‬تعدين‭ ‬‮«‬بيتكوين‮»‬‭ ‬تُعرف‭ ‬باسم‭ ‬‮«‬لوبيان‮»‬،‭ ‬كانت‭ ‬تعمل‭ ‬في‭ ‬الصين‭ ‬وإيران،‭ ‬وكانت‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬ما‭ ‬سادس‭ ‬أكبر‭ ‬منصة‭ ‬تعدين‭ ‬في‭ ‬العالم‭. ‬وتشير‭ ‬وثائق‭ ‬القضية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬المنصة‭ ‬كانت‭ ‬تحتفظ‭ ‬بحجم‭ ‬هائل‭ ‬من‭ ‬العملات‭ ‬المشفرة‭ ‬موزعة‭ ‬على‭ ‬25‭ ‬محفظة‭ ‬رقمية،‭ ‬كان‭ ‬تشين‭ ‬يحتفظ‭ ‬بمفاتيحها‭ ‬الخاصة‭.‬
لكن‭ ‬المدعين‭ ‬أنفسهم‭ ‬أقرّوا،‭ ‬في‭ ‬ردودهم‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬المطالبات،‭ ‬بأن‭ ‬الصلة‭ ‬بين‭ ‬العملات‭ ‬المصادرة‭ ‬وأي‭ ‬كيان‭ ‬إيراني‭ ‬‮«‬ضعيفة‭ ‬للغاية‮»‬،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬توضيح‭ ‬إضافي،‭ ‬ما‭ ‬زاد‭ ‬من‭ ‬تعقيد‭ ‬القضية‭.‬

تشابك‭ ‬قانوني‭ ‬وجيوسياسي

القضية‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مجرد‭ ‬نزاع‭ ‬مالي،‭ ‬بل‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬ملف‭ ‬ذي‭ ‬أبعاد‭ ‬جيوسياسية‭. ‬ففي‭ ‬نوفمبر،‭ ‬شككت‭ ‬جهة‭ ‬حكومية‭ ‬صينية‭ ‬مختصة‭ ‬بالأمن‭ ‬السيبراني‭ ‬في‭ ‬الرواية‭ ‬الأميركية،‭ ‬وذهبت‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬اختراق‭ ‬ديسمبر‭ ‬2020‭ ‬ربما‭ ‬كان‭ ‬‮«‬عملية‭ ‬قرصنة‭ ‬حكومية‮»‬‭ ‬تقودها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭. ‬وفي‭ ‬فبراير،‭ ‬وسعت‭ ‬الصين‭ ‬اتهاماتها‭ ‬لواشنطن‭ ‬بشأن‭ ‬اختراقات‭ ‬وسرقات‭ ‬مرتبطة‭ ‬بالعملات‭ ‬المشفرة‭.‬
أما‭ ‬إيران،‭ ‬فتظهر‭ ‬في‭ ‬القضية‭ ‬من‭ ‬زاوية‭ ‬مختلفة‭. ‬إذ‭ ‬تزعم‭ ‬مجموعات‭ ‬من‭ ‬المطالبين‭ ‬بالأصول‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬العملات‭ ‬جرى‭ ‬تعدينها‭ ‬داخل‭ ‬إيران‭ ‬بدعم‭ ‬من‭ ‬النظام،‭ ‬ويقولون‭ ‬إنهم‭ ‬يمثلون‭ ‬ضحايا‭ ‬هجمات‭ ‬إرهابية‭ ‬سبق‭ ‬أن‭ ‬حصلوا‭ ‬على‭ ‬أحكام‭ ‬قضائية‭ ‬أميركية‭ ‬ضد‭ ‬طهران‭ ‬على‭ ‬خلفية‭ ‬دعم‭ ‬الإرهاب‭.‬
وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬ينفي‭ ‬تشين‭ ‬جميع‭ ‬التهم‭ ‬الموجهة‭ ‬إليه،‭ ‬ويقول‭ ‬إن‭ ‬الحكومة‭ ‬الأميركية‭ ‬فشلت‭ ‬في‭ ‬إثبات‭ ‬أن‭ ‬العملات‭ ‬مرتبطة‭ ‬بنشاط‭ ‬إجرامي‭. ‬وقد‭ ‬طلب‭ ‬محاموه‭ ‬من‭ ‬المحكمة‭ ‬إلزام‭ ‬السلطات‭ ‬بكشف‭ ‬الطريقة‭ ‬التي‭ ‬صودرت‭ ‬بها‭ ‬العملات،‭ ‬معتبرين‭ ‬أن‭ ‬الحكومة‭ ‬‮«‬تخفي‮»‬‭ ‬تفاصيل‭ ‬جوهرية‭. ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الادعاء‭ ‬ردّ‭ ‬بأن‭ ‬تشين‭ ‬لا‭ ‬يملك‭ ‬صفة‭ ‬قانونية‭ ‬تخوله‭ ‬المطالبة‭ ‬بهذه‭ ‬الأصول‭.‬

لغز‭ ‬المصادرة‭ ‬يضغط‭ ‬على‭ ‬الحكومة

تعود‭ ‬بداية‭ ‬القصة‭ ‬إلى‭ ‬اختراق‭ ‬منصة‭ ‬‮«‬لوبيان‮»‬‭ ‬في‭ ‬ديسمبر‭ ‬2020،‭ ‬وهو‭ ‬الهجوم‭ ‬الذي‭ ‬وصفته‭ ‬شركة‭ ‬‮«‬آركام‭ ‬إنتليجنس‮»‬‭ ‬لاحقاً‭ ‬بأنه‭ ‬الأكبر‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬العملات‭ ‬المشفرة‭. ‬والمفارقة‭ ‬أن‭ ‬الاختراق‭ ‬لم‭ ‬يُكشف‭ ‬علناً‭ ‬إلا‭ ‬بعد‭ ‬سنوات،‭ ‬بينما‭ ‬بقيت‭ ‬العملات‭ ‬المسروقة‭ ‬ساكنة‭ ‬حتى‭ ‬يونيو‭ ‬2024،‭ ‬حين‭ ‬بدأت‭ ‬تتحرك‭ ‬إلى‭ ‬محافظ‭ ‬جديدة،‭ ‬وفقاً‭ ‬لشركة‭ ‬‮«‬إليبتك‮»‬‭ ‬المتخصصة‭ ‬في‭ ‬تحليلات‭ ‬البلوكتشين‭.‬
ومنذ‭ ‬ذلك‭ ‬الحين،‭ ‬تصاعدت‭ ‬التكهنات‭ ‬بشأن‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬فعلياً‭: ‬هل‭ ‬نفذ‭ ‬العملية‭ ‬قرصان‭ ‬‮«‬ذو‭ ‬نوايا‭ ‬حسنة‮»‬‭ ‬سلّم‭ ‬العملات‭ ‬لاحقاً‭ ‬للحكومة‭ ‬الأميركية؟‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬اختراقاً‭ ‬داخلياً؟‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬السلطات‭ ‬استغلت‭ ‬ثغرة‭ ‬تقنية‭ ‬في‭ ‬آلية‭ ‬توليد‭ ‬المفاتيح‭ ‬الخاصة‭ ‬لدى‭ ‬‮«‬لوبيان»؟
ويرى‭ ‬خبراء‭ ‬أن‭ ‬الحكومة‭ ‬الأميركية‭ ‬ستواجه‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭ ‬ضغوطاً‭ ‬متزايدة‭ ‬للكشف‭ ‬عن‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬التفاصيل،‭ ‬خصوصاً‭ ‬إذا‭ ‬أرادت‭ ‬الاحتفاظ‭ ‬بهذه‭ ‬الأصول‭ ‬أمام‭ ‬المحكمة‭.‬

أهمية‭ ‬القضية‭ ‬تتجاوز‭ ‬‮«‬لوبيان‮»‬

تكمن‭ ‬حساسية‭ ‬القضية‭ ‬في‭ ‬توقيتها‭ ‬أيضاً،‭ ‬إذ‭ ‬تأتي‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬تشهد‭ ‬فيه‭ ‬التدفقات‭ ‬غير‭ ‬المشروعة‭ ‬للعملات‭ ‬المشفرة‭ ‬تصاعداً‭ ‬كبيراً،‭ ‬مدفوعة‭ ‬خصوصاً‭ ‬بجهات‭ ‬ودول‭ ‬تسعى‭ ‬للالتفاف‭ ‬على‭ ‬العقوبات‭ ‬الدولية‭.‬
ووفق‭ ‬تقديرات‭ ‬حديثة،‭ ‬ارتفعت‭ ‬قيمة‭ ‬العملات‭ ‬التي‭ ‬تلقتها‭ ‬جهات‭ ‬خاضعة‭ ‬للعقوبات‭ ‬بشكل‭ ‬حاد‭ ‬خلال‭ ‬العام‭ ‬الماضي،‭ ‬فيما‭ ‬واصلت‭ ‬شبكات‭ ‬مرتبطة‭ ‬بكوريا‭ ‬الشمالية‭ ‬وإيران‭ ‬توسيع‭ ‬استخدام‭ ‬الأصول‭ ‬الرقمية‭ ‬في‭ ‬أنشطة‭ ‬التمويل‭ ‬والتحويلات‭ ‬غير‭ ‬المشروعة‭.‬
لذلك،‭ ‬فإن‭ ‬الكشف‭ ‬عن‭ ‬الطريقة‭ ‬التي‭ ‬تمكنت‭ ‬بها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬من‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬الرصيد‭ ‬الضخم‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يغيّر‭ ‬فقط‭ ‬مسار‭ ‬هذه‭ ‬القضية،‭ ‬بل‭ ‬قد‭ ‬يرسم‭ ‬أيضاً‭ ‬حدوداً‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬معركة‭ ‬عالمية‭ ‬تتقاطع‭ ‬فيها‭ ‬العملات‭ ‬المشفرة،‭ ‬والجريمة‭ ‬المنظمة،‭ ‬والعقوبات،‭ ‬والأمن‭ ‬القومي‭.‬

رجوع لأعلى