لغز بيتكوين المسروقة يضع واشنطن تحت المجهر
في ديسمبر 2020، سُرقت عملات «بيتكوين» بقيمة تقارب 3.5 مليار دولار في واحدة من أكبر عمليات اختراق الأصول الرقمية على الإطلاق. وبعد نحو خمس سنوات، تبيّن أن المالك الحالي لهذه الثروة، التي تضاعفت قيمتها لاحقاً، هو الحكومة الأميركية. لكن السؤال الذي لا يزال يحيّر الأوساط القانونية والمالية هو: كيف وصلت هذه العملات إلى يد السلطات الأميركية؟
هذا الغموض بات محور نزاع قضائي أمام محكمة فيدرالية في بروكلين، حيث يطالب عشرات الأطراف بحقوق في أكثر من 127 ألف عملة «بيتكوين» صادرتها الولايات المتحدة. ومن بين هؤلاء ضحايا هجمات إرهابية، وأطراف تزعم أن العملات جرى تعدينها في إيران، فضلاً عن رجل الأعمال الصيني تشين تشي نفسه، الذي تطالب واشنطن بمصادرة الأصول المرتبطة به باعتبارها عائدات نشاط إجرامي واسع النطاق.
ويرى خبراء قانونيون أن القضية تمثل سابقة شديدة الأهمية في عالم الجرائم المالية الرقمية. وقال المدعي الفيدرالي السابق برادلي سايمون إن ما جرى قد يكون «أكبر عملية مصادرة مالية في تاريخ أجهزة إنفاذ القانون الأميركية»، مشيراً إلى أن الطريقة التي حصلت بها الحكومة على هذه العملات لا تزال مجهولة.
أكبر مصادرة في تاريخ الولايات المتحدة
تقول السلطات الأميركية إن هذه العملات تمثل عائدات إمبراطورية احتيال وغسل أموال مرتبطة بشبكات إجرامية كانت تنشط في آسيا، خصوصاً عبر عمليات تهريب عمال إلى مجمعات في كمبوديا، حيث أُجبروا على تنفيذ عمليات احتيال استهدفت ضحايا حول العالم بمليارات الدولارات.
وبحسب الادعاء، قام تشين بغسل هذه العائدات عبر منصة تعدين «بيتكوين» تُعرف باسم «لوبيان»، كانت تعمل في الصين وإيران، وكانت في مرحلة ما سادس أكبر منصة تعدين في العالم. وتشير وثائق القضية إلى أن المنصة كانت تحتفظ بحجم هائل من العملات المشفرة موزعة على 25 محفظة رقمية، كان تشين يحتفظ بمفاتيحها الخاصة.
لكن المدعين أنفسهم أقرّوا، في ردودهم على بعض المطالبات، بأن الصلة بين العملات المصادرة وأي كيان إيراني «ضعيفة للغاية»، من دون توضيح إضافي، ما زاد من تعقيد القضية.
تشابك قانوني وجيوسياسي
القضية لم تعد مجرد نزاع مالي، بل تحولت إلى ملف ذي أبعاد جيوسياسية. ففي نوفمبر، شككت جهة حكومية صينية مختصة بالأمن السيبراني في الرواية الأميركية، وذهبت إلى حد القول إن اختراق ديسمبر 2020 ربما كان «عملية قرصنة حكومية» تقودها الولايات المتحدة. وفي فبراير، وسعت الصين اتهاماتها لواشنطن بشأن اختراقات وسرقات مرتبطة بالعملات المشفرة.
أما إيران، فتظهر في القضية من زاوية مختلفة. إذ تزعم مجموعات من المطالبين بالأصول أن هذه العملات جرى تعدينها داخل إيران بدعم من النظام، ويقولون إنهم يمثلون ضحايا هجمات إرهابية سبق أن حصلوا على أحكام قضائية أميركية ضد طهران على خلفية دعم الإرهاب.
وفي المقابل، ينفي تشين جميع التهم الموجهة إليه، ويقول إن الحكومة الأميركية فشلت في إثبات أن العملات مرتبطة بنشاط إجرامي. وقد طلب محاموه من المحكمة إلزام السلطات بكشف الطريقة التي صودرت بها العملات، معتبرين أن الحكومة «تخفي» تفاصيل جوهرية. إلا أن الادعاء ردّ بأن تشين لا يملك صفة قانونية تخوله المطالبة بهذه الأصول.
لغز المصادرة يضغط على الحكومة
تعود بداية القصة إلى اختراق منصة «لوبيان» في ديسمبر 2020، وهو الهجوم الذي وصفته شركة «آركام إنتليجنس» لاحقاً بأنه الأكبر في تاريخ العملات المشفرة. والمفارقة أن الاختراق لم يُكشف علناً إلا بعد سنوات، بينما بقيت العملات المسروقة ساكنة حتى يونيو 2024، حين بدأت تتحرك إلى محافظ جديدة، وفقاً لشركة «إليبتك» المتخصصة في تحليلات البلوكتشين.
ومنذ ذلك الحين، تصاعدت التكهنات بشأن ما حدث فعلياً: هل نفذ العملية قرصان «ذو نوايا حسنة» سلّم العملات لاحقاً للحكومة الأميركية؟ أم أن هناك اختراقاً داخلياً؟ أم أن السلطات استغلت ثغرة تقنية في آلية توليد المفاتيح الخاصة لدى «لوبيان»؟
ويرى خبراء أن الحكومة الأميركية ستواجه في نهاية المطاف ضغوطاً متزايدة للكشف عن مزيد من التفاصيل، خصوصاً إذا أرادت الاحتفاظ بهذه الأصول أمام المحكمة.
أهمية القضية تتجاوز «لوبيان»
تكمن حساسية القضية في توقيتها أيضاً، إذ تأتي في وقت تشهد فيه التدفقات غير المشروعة للعملات المشفرة تصاعداً كبيراً، مدفوعة خصوصاً بجهات ودول تسعى للالتفاف على العقوبات الدولية.
ووفق تقديرات حديثة، ارتفعت قيمة العملات التي تلقتها جهات خاضعة للعقوبات بشكل حاد خلال العام الماضي، فيما واصلت شبكات مرتبطة بكوريا الشمالية وإيران توسيع استخدام الأصول الرقمية في أنشطة التمويل والتحويلات غير المشروعة.
لذلك، فإن الكشف عن الطريقة التي تمكنت بها الولايات المتحدة من الوصول إلى هذا الرصيد الضخم قد لا يغيّر فقط مسار هذه القضية، بل قد يرسم أيضاً حدوداً جديدة في معركة عالمية تتقاطع فيها العملات المشفرة، والجريمة المنظمة، والعقوبات، والأمن القومي.