مخاطر الدفع الإلكتروني والتحديات في التعاملات الرقمية
في عالم يشهد تسارعاً غير مسبوق في الابتكار الرقمي، أصبحت التكنولوجيا المالية ركيزة أساسية لتعزيز كفاءة المعاملات الاقتصادية وتمكين الأفراد والشركات من الوصول إلى خدمات مالية أسرع وأكثر أماناً. ومع توسع الاعتماد على الحلول الإلكترونية، برزت الحاجة إلى وضع أطر تنظيمية واضحة تحافظ على حقوق الأطراف المختلفة، وتضمن شفافية العمليات، وتحد من المخاطر الناشئة عن سوء استخدام البيانات أو التعارض في المصالح. هذه الديناميكية المتسارعة تفرض على الجهات التنظيمية والممارسين الماليين التفكير بطرق مبتكرة لضمان أن تواكب القوانين الحديثة هذه الثورة الرقمية دون إعاقة نمو الأسواق أو ابتكار الحلول المالية.
أصدر البنك المركزي مؤخرًا تعليمات متعلقة بالدفع الإلكتروني، تهدف إلى مواكبة التطور السريع في طرق الدفع الرقمي وضمان تنظيمه بما يحمي المستفيدين ويعزز الثقة في النظام المالي. وتحدد هذه التعليمات نطاق نشاط شركات الدفع الإلكتروني، بما يشمل إصدار النقود الإلكترونية، حفظها، تحويلها، وغيرها من الخدمات المرتبطة.
مع ذلك، تستثني التعليمات العمليات التي تتم بين الدافع والمستفيد مباشرة عبر وسيط تجاري مرخص، إذ يقوم الوسيط نيابة عن أحد الطرفين بإتمام عملية الدفع الإلكتروني، دون أن يكون هو نفسه مقدم الخدمة. وهذا يعني أن منصات التجارة الإلكترونية التي تتوسط بين البائع والمشتري لا تُعد مزودي خدمة دفع إلكتروني، بل تعمل كوسيط لإيصال المدفوعات إلى التاجر عبر شركات الدفع المرخصة.
في هذا السياق، تقوم المنصة باستلام المدفوعات من العملاء، ثم تحويلها إلى حساب البائع بعد خصم نسبة متفق عليها، دون الحاجة لأن تكون مرخصة كمقدم خدمة دفع إلكتروني، حتى لو تولت إدارة المدفوعات نيابة عن التاجر.
أما الإشكالية الأكبر فتتمثل في منصات التمويل الجماعي، التي تتوسط بين أصحاب المشاريع والمستثمرين الراغبين في دعم المشاريع الناشئة. فالمنصة المرخصة للتمويل الجماعي قد تتولى إدارة الطرح الأولي للأسهم نيابة عن الشركة، بما يتوافق مع القوانين واللوائح العامة للتمويل والاستثمار، ما يثير تساؤلات حول نطاق مسؤوليتها القانونية والتنظيمية مقارنة بمنصات التجارة الإلكترونية التقليدية.
التمويل الجماعي وخطورة تعارض المصالح في إدارة الدفع الإلكتروني
في نموذج التمويل الجماعي الحديث، يتمثل الواقع على النحو التالي:
● مشروع يحتاج إلى تمويل، فيقوم صاحب المشروع بطرح جزء من رأس ماله على شكل أسهم للاكتتاب الأولي عبر منصة تمويل جماعي إلكترونية، بدلاً من اللجوء للقروض التقليدية.
● منصة التمويل الجماعي تعمل كوسيط لإدارة الطرح الأولي للأسهم على الجمهور، وتستلم الأموال من المستثمرين ثم تقوم بتحويلها إلى حساب الشركة الطارحة بعد خصم النسبة المتفق عليها.
● جمهور المستثمرين يقوم بشراء الأسهم ودفع قيمتها عبر وسائل الدفع الإلكتروني المتاحة، دون أن تكون المنصة مسؤولة عن تقديم خدمة الدفع نفسها.
هنا تكمن الإشكالية الأساسية: إذا لم تكن المنصة مرخصة لمزاولة الدفع الإلكتروني، فإنها تعتمد على شركات الدفع المرخصة لإتمام التحويلات المالية. هذا يجعل المنصة وسيطًا نيابيًا عن الشركة الطارحة تجاه المستثمرين، دون أن تكون لها أي علاقة مباشرة بالمستثمرين.
في هذا السياق، قد تنشأ حالات محتملة لتعاطٍ غير سليم مع المعلومات الداخلية، إذ يمكن لشركة الدفع المرخصة الاطلاع على بيانات الشركة الطارحة والمستثمرين أثناء إدارة المدفوعات، وهو ما يتيح فرصًا لاستغلال المعلومات بشكل غير مباشر. على سبيل المثال، قد تقوم إدارة شركة الدفع بتأخير بعض عمليات السداد أو الاستحواذ على نسبة من الأسهم عبر أطراف وسيطة، ما يؤدي إلى حرمان المستثمرين من فرصة الاكتتاب بشكل عادل.
رغم أن الاطلاع على المعلومات الداخلية يجعل إدارة شركات الدفع تحت رقابة صارمة لتجنب جريمة استغلال المعلومات، فإن الطبيعة الوسيطة للمعاملات قد توفر فرصة لاستغلال هذه المعلومات بطرق غير مباشرة، ما يصعّب متابعة ومراقبة تعاملات الأطراف غير المرتبطة مباشرة بإدارة الشركة.
اقتراحات لتعزيز تنظيم الدفع الإلكتروني في منصات التمويل الجماعي
نظراً لحساسية دور شركات الدفع الإلكتروني في نجاح عمليات الاكتتاب عبر منصات التمويل الجماعي، يمكن اقتراح ما يلي:
أولاً: إدراج بند استثنائي يلزم منصات التمويل الجماعي الإلكترونية بالترخيص لمزاولة نشاط الدفع الإلكتروني، بحيث تُنفّذ عمليات الدفع خلال الاكتتاب الأولي كوسيط نيابي عن الشركة الطارحة للأسهم تجاه المستثمرين. في هذه الحالة، يكون الوسيط نائباً عن طرف واحد فقط في عملية الدفع، ومع ذلك يخضع نشاطه للترخيص والتنظيم باعتباره شركة دفع إلكترونية.
ثانياً: إضافة بند تنظيمي يُلزم منصات التمويل الجماعي بتنفيذ عمليات الدفع الإلكتروني بشكل مستقل أثناء إدارة الاكتتاب الأولي، بعد حصولها على الترخيص اللازم لمزاولة نشاط الدفع، دون الحاجة إلى الاستعانة بأي شركة دفع إلكترونية خارجية.
ورغم أن هذه البنود الاستثنائية ستضيف مسؤوليات جديدة على منصات إدارة الاكتتاب خلال التمويل الجماعي، إلا أن هدفها الأساسي هو:
● الحد من حجم التعارض المحتمل في المصالح،
● تنظيم جميع العمليات المالية بشكل شفاف من خلال التعاقد بين الشركة الطارحة والمنصة،
● تحفيز منصات التمويل الجماعي على تطوير خدماتها، ومواكبة احتياجات العملاء سواء من الشركات أو المستثمرين على حد سواء.
يبقى القطاع المالي الرقمي ساحة خصبة للابتكار، لكنه محفوف بالمخاطر إذا لم تُسنّ قواعد واضحة تحكم عمليات الدفع والتمويل الجماعي. فغياب التنظيم الصارم قد يفتح الباب أمام استغلال المعلومات الداخلية أو تضارب المصالح، ما يهدد المستثمرين وسمعة السوق بأكملها. ومن هنا، تبرز أهمية الالتزام بالترخيص والرقابة الدقيقة، لضمان أن يظل التحول الرقمي محفزًا للنمو الاقتصادي وليس مصدرًا للأزمات المالية.