مسار التنمية في الدول النامية من الغذاء إلى النمو الاقتصادي
من زاوية أخرى، تبرز حقيقة اقتصادية تتجاوز مجرد قياس إسهام الزراعة في الناتج، مفادها أن تسارع نمو القطاع الزراعي يهيئ البيئة اللازمة لتوسّع بقية قطاعات الاقتصاد الوطني. فدور الزراعة لا يقتصر على تزويد الصناعة بالمواد الأولية، بل يمتد إلى تأمين الغذاء للعاملين في القطاعات الإنتاجية، بما يضمن استقرار دورة الإنتاج ككل.
وفي الدول النامية، يؤدي العجز عن توفير المواد الغذائية في أسواق الاستهلاك بوتيرة تفوق نمو سكان المدن إلى سياسات قسرية، من أبرزها تقييد الطلب عبر رفع الأسعار. ويترتب على هذا الارتفاع تآكل الأجور الحقيقية للعمال، ما يفرض على الحكومات تقليص إنفاقها على مشروعات التنمية والحد من التوسع في العمالة الحضرية. وينعكس ذلك بدوره في تراجع الطلب على الغذاء، وصولاً إلى تحقيق توازن قسري بين المعروض والطلب، لكنه توازن يأتي على حساب النمو الاقتصادي والاجتماعي.
وبدلاً من كبح نمو العمالة وما يحمله ذلك من تعطيل مباشر لمسارات التنمية، تلجأ دول نامية كثيرة إلى خيار آخر، يتمثل في زيادة المعروض الغذائي عبر الاستيراد لسد الفجوة في الأسواق المحلية. غير أن تطبيق هذه السياسة يبقى مرهوناً بتوافر احتياطيات كافية من النقد الأجنبي، وهو شرط لا يتوافر دائماً بالقدر المطلوب.
وقد كشفت التجارب العملية عن كلفة هذا المسار، إذ أظهرت بيانات أن الزيادة في إنتاج الغذاء في عدد من الدول النامية لم تتجاوز 4 %، ولم تتحقق هذه النسبة إلا في حالات محدودة. كما أن إنتاج الغذاء في معظم هذه الدول لم يواكب نمو السكان إلا نادراً، ولم يتفوق عليه إلا في استثناءات قليلة، ما اضطرها إلى الاعتماد المتزايد على الاستيراد باستخدام مواردها المحدودة من النقد الأجنبي.
ومع استمرار الزيادة السكانية، والحاجة الملحة إلى تحسين مستويات التغذية المتدنية، تكتسب قضية توفير الغذاء بعداً اجتماعياً بالغ الأهمية. وتصبح العناية بالزراعة، ولا سيما إنتاج المواد الغذائية، ركيزة أساسية لنجاح برامج التنمية. فإذا كان معدل النمو السكاني يتراوح بين 2 و3% سنوياً، فإن الحد الأدنى المطلوب لزيادة إنتاج الغذاء ينبغي ألا يقل عن 4 % سنوياً، تفادياً للارتهان إلى الاستيراد وما يستنزفه من عملات أجنبية كان الأولى توجيهها لتمويل احتياجات التنمية من الآلات والمستلزمات الإنتاجية.
وخلاصة القول، إن السياسات الهادفة إلى رفع الإنتاج الزراعي في الدول النامية لا تمثل خياراً قطاعياً محدوداً، بل تشكل جزءاً أساسياً من استراتيجية أوسع للحفاظ على موارد النقد الأجنبي، وتعزيز الاستثمار، ورفع مستويات الدخل والادخار، بما يدعم مسار التنمية الشاملة والمستدامة.
تهيئة الموارد البشرية
تمثل مشكلتا الادخار وتوفير السلع الأساسية لتنفيذ برامج التنمية عائقاً رئيسياً أمام اتساع الاستثمار ونمو الإنتاج بوجه عام، وإن لم تخلُ هذه القاعدة من بعض الاستثناءات. غير أن التحدي الأبرز في عدد من الدول النامية لا يكمن فقط في شح الموارد المالية، بل في الافتقار إلى الأيدي العاملة المؤهلة، وهو ما ينعكس مباشرة في ضعف الكفاءة الإدارية وسوء استغلال الموارد المتاحة، بما يحد من قدرة هذه الدول على توسيع نطاق الاستثمار والإنتاج.
ورغم أن معظم الدول النامية تعاني نقصاً في مهارات محددة تعيق تطور قطاعات بعينها، إلا أن الملاحَظ في بعض هذه الدول أن العجز في القوى العاملة يبلغ حدّاً شاملاً، فلا يقتصر على المتخصصين التكنولوجيين بمختلف مستوياتهم، بل يمتد ليشمل الكوادر الإدارية والوظائف المساندة، من كتبة ومراقبين ومسؤولين عن شؤون الإدارة العامة. وفي مثل هذه الظروف، يصبح تنفيذ برامج تنموية واسعة النطاق محفوفاً بخسائر جسيمة ناجمة عن سوء توظيف الموارد المادية، بسبب قصور خبرات القائمين على التنفيذ، وهي خسائر لا تعوضها زيادة الإنفاق أو ضخ موارد إضافية.
وتبرز تجربة الدول الأفريقية حديثة الاستقلال مثالاً واضحاً على أثر ضعف الموارد البشرية في مسار التنمية؛ فالكثير منها يزخر بالموارد الطبيعية، لكنه يعاني نقصاً حاداً في الكفاءات والخبرات في مختلف المجالات، بل إن بعض هذه الدول يفتقر حتى إلى إداريين من ذوي الكفاءة المتوسطة، ما يعيق قدرتها على إدارة برامج التنمية بكفاءة.
ولا خلاف على أن توسيع قاعدة القوى العاملة المدربة يمثل حجر الزاوية في الارتقاء الاقتصادي، ويعد شرطاً أساسياً لرفع كفاءة الإدارة العامة. وقد أظهرت دراسات التنمية الاقتصادية أن قلة من الدول نجحت في الحفاظ على معدلات نمو سنوية في حجم الاستثمار الإجمالي تجاوزت 10 %، بفضل قدرتها على توفير العمالة المؤهلة لمشروعاتها الجديدة وتجاوز العقبات الإدارية المصاحبة لتنفيذ الخطط التنموية. في المقابل، تعثرت دول أخرى بسبب محدودية كفاءاتها الفنية والإدارية، ما حال دون تنفيذ برامج التنمية وفق المسار المأمول.
ولا تزال العديد من الدول النامية في بدايات رسم سياسات شاملة لتأهيل القوى العاملة القادرة على الاضطلاع بمهام التنمية، مع ملاحظة قصور واضح في سياسات كثير منها في هذا الجانب الحيوي. ومع ذلك، بدأت بعض هذه الدول تدرك أهمية معالجة أحد أبرز أوجه المشكلة، والمتمثل في تعزيز القدرة الإدارية للجهاز الحكومي، وتوفير عناصر فنية قادرة على تنفيذ المشروعات التنموية بكفاءة.
وقد اتضح للدول النامية أن الحصول على التمويل أو المعونات الخارجية غالباً ما يكون أسهل من توفير كوادر بشرية مدربة تدريباً جيداً، وأن ضعف الجهاز الإداري يقف حائلاً دون الاستفادة الكاملة من الفرص والظروف المواتية المتاحة لها. ومن ثم، فإن الاستثمار في الإنسان يظل الشرط الحاسم لتحويل الموارد والإمكانات إلى تنمية حقيقية ومستدامة.
المساعدات الخارجية
تنطلق القاعدة الأساسية في التنمية الاقتصادية من أن مسؤولية تجاوز العقبات التي تعترض تسريع وتيرة التقدم تقع، في المقام الأول، على عاتق الدول النامية نفسها. غير أن واقع هذه الدول يكشف حاجة ملحّة إلى قدر كبير من المساعدات الخارجية، سواء في صورة تمويل مالي أو خبرات فنية، أو كليهما معاً. فبدون تدفق هذه المساعدات، أو من دون ازدهار التجارة الخارجية، يصعب على الدول النامية تحقيق معدلات نمو مرتفعة أو حتى الحفاظ على ما تحققه من تقدم اقتصادي.
وتقوم معظم برامج التنمية الجادة على افتراض تدفق رؤوس الأموال الأجنبية إلى الدول النامية، لتكمل دور الموارد المحلية في دفع عجلة الاقتصاد الوطني. وليس خافياً أن رأس المال الأجنبي أسهم بدور محوري في نهضة عدد من الدول خلال القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. ورغم تغير طبيعة التنمية وأهدافها مع مرور الزمن، فإن الحاجة إلى التمويل الخارجي في الدول النامية لا تزال بنفس القدر من الأهمية، إن لم تكن أشد إلحاحاً.
غير أن طبيعة التمويل الدولي شهدت تحولاً لافتاً؛ فبعد أن كان الاستثمار والإقراض الدوليان في القرن التاسع عشر تحكمهما اعتبارات الربح التي تغري بها الدول المقترِضة، أصبحت الدول الممولة اليوم الفاعل الرئيسي في حركة الاستثمار الدولي. ويفرض هذا التحول ضرورة توجيه الأموال المقترضة بأقصى درجات الكفاءة، والعمل على تقليص الاعتماد على المساعدات الخارجية في أقصر فترة ممكنة، تفادياً لما قد يترتب على الإفراط في الاقتراض من تبعات سياسية واقتصادية خطيرة.
وانطلاقاً من هذه الاعتبارات، يتركز اهتمام الدول والمؤسسات الممولة على استراتيجيات التنمية والتخطيط، مع التشديد على وضع معايير دقيقة لتقييم احتياجات التنمية وقياس ما تحقق منها. ولتيسير هذه المهمة، أنشئت هيئات وطنية ودولية تُعنى بقضايا مساعدات التنمية، وتعمل على تشجيع الدول النامية على إحكام صياغة برامجها التنموية، من خلال تزويدها بدراسات شاملة عن مواردها المتاحة، وتنبيهها إلى متطلبات التنمية ودور السياسات المحلية في إنجاحها.
ولا يخفى أن الدول والجهات المانحة تسعى، عند تمويلها لبرامج التنمية في دولة نامية، إلى التأكد من أن هذه الدول تبذل أقصى جهودها لتجاوز العقبات التي تعترض التنفيذ، وأنها تتعاون بفاعلية مع المؤسسات الدولية المعنية، بما يضمن حسن توظيف المساعدات وتحقيق الأهداف التنموية المنشودة.