تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسار‭ ‬التنمية‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬من‭ ‬الغذاء‭ ‬إلى‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي

UA70

من‭ ‬زاوية‭ ‬أخرى،‭ ‬تبرز‭ ‬حقيقة‭ ‬اقتصادية‭ ‬تتجاوز‭ ‬مجرد‭ ‬قياس‭ ‬إسهام‭ ‬الزراعة‭ ‬في‭ ‬الناتج،‭ ‬مفادها‭ ‬أن‭ ‬تسارع‭ ‬نمو‭ ‬القطاع‭ ‬الزراعي‭ ‬يهيئ‭ ‬البيئة‭ ‬اللازمة‭ ‬لتوسّع‭ ‬بقية‭ ‬قطاعات‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الوطني‭. ‬فدور‭ ‬الزراعة‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬تزويد‭ ‬الصناعة‭ ‬بالمواد‭ ‬الأولية،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬إلى‭ ‬تأمين‭ ‬الغذاء‭ ‬للعاملين‭ ‬في‭ ‬القطاعات‭ ‬الإنتاجية،‭ ‬بما‭ ‬يضمن‭ ‬استقرار‭ ‬دورة‭ ‬الإنتاج‭ ‬ككل‭.‬
وفي‭ ‬الدول‭ ‬النامية،‭ ‬يؤدي‭ ‬العجز‭ ‬عن‭ ‬توفير‭ ‬المواد‭ ‬الغذائية‭ ‬في‭ ‬أسواق‭ ‬الاستهلاك‭ ‬بوتيرة‭ ‬تفوق‭ ‬نمو‭ ‬سكان‭ ‬المدن‭ ‬إلى‭ ‬سياسات‭ ‬قسرية،‭ ‬من‭ ‬أبرزها‭ ‬تقييد‭ ‬الطلب‭ ‬عبر‭ ‬رفع‭ ‬الأسعار‭. ‬ويترتب‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الارتفاع‭ ‬تآكل‭ ‬الأجور‭ ‬الحقيقية‭ ‬للعمال،‭ ‬ما‭ ‬يفرض‭ ‬على‭ ‬الحكومات‭ ‬تقليص‭ ‬إنفاقها‭ ‬على‭ ‬مشروعات‭ ‬التنمية‭ ‬والحد‭ ‬من‭ ‬التوسع‭ ‬في‭ ‬العمالة‭ ‬الحضرية‭. ‬وينعكس‭ ‬ذلك‭ ‬بدوره‭ ‬في‭ ‬تراجع‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬الغذاء،‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬تحقيق‭ ‬توازن‭ ‬قسري‭ ‬بين‭ ‬المعروض‭ ‬والطلب،‭ ‬لكنه‭ ‬توازن‭ ‬يأتي‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والاجتماعي‭.‬
وبدلاً‭ ‬من‭ ‬كبح‭ ‬نمو‭ ‬العمالة‭ ‬وما‭ ‬يحمله‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬تعطيل‭ ‬مباشر‭ ‬لمسارات‭ ‬التنمية،‭ ‬تلجأ‭ ‬دول‭ ‬نامية‭ ‬كثيرة‭ ‬إلى‭ ‬خيار‭ ‬آخر،‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬زيادة‭ ‬المعروض‭ ‬الغذائي‭ ‬عبر‭ ‬الاستيراد‭ ‬لسد‭ ‬الفجوة‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬المحلية‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬تطبيق‭ ‬هذه‭ ‬السياسة‭ ‬يبقى‭ ‬مرهوناً‭ ‬بتوافر‭ ‬احتياطيات‭ ‬كافية‭ ‬من‭ ‬النقد‭ ‬الأجنبي،‭ ‬وهو‭ ‬شرط‭ ‬لا‭ ‬يتوافر‭ ‬دائماً‭ ‬بالقدر‭ ‬المطلوب‭.‬
وقد‭ ‬كشفت‭ ‬التجارب‭ ‬العملية‭ ‬عن‭ ‬كلفة‭ ‬هذا‭ ‬المسار،‭ ‬إذ‭ ‬أظهرت‭ ‬بيانات‭ ‬أن‭ ‬الزيادة‭ ‬في‭ ‬إنتاج‭ ‬الغذاء‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬لم‭ ‬تتجاوز‭ ‬4‭ %‬،‭ ‬ولم‭ ‬تتحقق‭ ‬هذه‭ ‬النسبة‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬حالات‭ ‬محدودة‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬إنتاج‭ ‬الغذاء‭ ‬في‭ ‬معظم‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬لم‭ ‬يواكب‭ ‬نمو‭ ‬السكان‭ ‬إلا‭ ‬نادراً،‭ ‬ولم‭ ‬يتفوق‭ ‬عليه‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬استثناءات‭ ‬قليلة،‭ ‬ما‭ ‬اضطرها‭ ‬إلى‭ ‬الاعتماد‭ ‬المتزايد‭ ‬على‭ ‬الاستيراد‭ ‬باستخدام‭ ‬مواردها‭ ‬المحدودة‭ ‬من‭ ‬النقد‭ ‬الأجنبي‭.‬
ومع‭ ‬استمرار‭ ‬الزيادة‭ ‬السكانية،‭ ‬والحاجة‭ ‬الملحة‭ ‬إلى‭ ‬تحسين‭ ‬مستويات‭ ‬التغذية‭ ‬المتدنية،‭ ‬تكتسب‭ ‬قضية‭ ‬توفير‭ ‬الغذاء‭ ‬بعداً‭ ‬اجتماعياً‭ ‬بالغ‭ ‬الأهمية‭. ‬وتصبح‭ ‬العناية‭ ‬بالزراعة،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬إنتاج‭ ‬المواد‭ ‬الغذائية،‭ ‬ركيزة‭ ‬أساسية‭ ‬لنجاح‭ ‬برامج‭ ‬التنمية‭. ‬فإذا‭ ‬كان‭ ‬معدل‭ ‬النمو‭ ‬السكاني‭ ‬يتراوح‭ ‬بين‭ ‬2‭ ‬و3‭% ‬سنوياً،‭ ‬فإن‭ ‬الحد‭ ‬الأدنى‭ ‬المطلوب‭ ‬لزيادة‭ ‬إنتاج‭ ‬الغذاء‭ ‬ينبغي‭ ‬ألا‭ ‬يقل‭ ‬عن‭ ‬4‭ % ‬سنوياً،‭ ‬تفادياً‭ ‬للارتهان‭ ‬إلى‭ ‬الاستيراد‭ ‬وما‭ ‬يستنزفه‭ ‬من‭ ‬عملات‭ ‬أجنبية‭ ‬كان‭ ‬الأولى‭ ‬توجيهها‭ ‬لتمويل‭ ‬احتياجات‭ ‬التنمية‭ ‬من‭ ‬الآلات‭ ‬والمستلزمات‭ ‬الإنتاجية‭.‬
وخلاصة‭ ‬القول،‭ ‬إن‭ ‬السياسات‭ ‬الهادفة‭ ‬إلى‭ ‬رفع‭ ‬الإنتاج‭ ‬الزراعي‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬لا‭ ‬تمثل‭ ‬خياراً‭ ‬قطاعياً‭ ‬محدوداً،‭ ‬بل‭ ‬تشكل‭ ‬جزءاً‭ ‬أساسياً‭ ‬من‭ ‬استراتيجية‭ ‬أوسع‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬موارد‭ ‬النقد‭ ‬الأجنبي،‭ ‬وتعزيز‭ ‬الاستثمار،‭ ‬ورفع‭ ‬مستويات‭ ‬الدخل‭ ‬والادخار،‭ ‬بما‭ ‬يدعم‭ ‬مسار‭ ‬التنمية‭ ‬الشاملة‭ ‬والمستدامة‭.‬

تهيئة‭ ‬الموارد‭ ‬البشرية

تمثل‭ ‬مشكلتا‭ ‬الادخار‭ ‬وتوفير‭ ‬السلع‭ ‬الأساسية‭ ‬لتنفيذ‭ ‬برامج‭ ‬التنمية‭ ‬عائقاً‭ ‬رئيسياً‭ ‬أمام‭ ‬اتساع‭ ‬الاستثمار‭ ‬ونمو‭ ‬الإنتاج‭ ‬بوجه‭ ‬عام،‭ ‬وإن‭ ‬لم‭ ‬تخلُ‭ ‬هذه‭ ‬القاعدة‭ ‬من‭ ‬بعض‭ ‬الاستثناءات‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬التحدي‭ ‬الأبرز‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬لا‭ ‬يكمن‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬شح‭ ‬الموارد‭ ‬المالية،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬الافتقار‭ ‬إلى‭ ‬الأيدي‭ ‬العاملة‭ ‬المؤهلة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬ينعكس‭ ‬مباشرة‭ ‬في‭ ‬ضعف‭ ‬الكفاءة‭ ‬الإدارية‭ ‬وسوء‭ ‬استغلال‭ ‬الموارد‭ ‬المتاحة،‭ ‬بما‭ ‬يحد‭ ‬من‭ ‬قدرة‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬على‭ ‬توسيع‭ ‬نطاق‭ ‬الاستثمار‭ ‬والإنتاج‭.‬
ورغم‭ ‬أن‭ ‬معظم‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬تعاني‭ ‬نقصاً‭ ‬في‭ ‬مهارات‭ ‬محددة‭ ‬تعيق‭ ‬تطور‭ ‬قطاعات‭ ‬بعينها،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الملاحَظ‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬أن‭ ‬العجز‭ ‬في‭ ‬القوى‭ ‬العاملة‭ ‬يبلغ‭ ‬حدّاً‭ ‬شاملاً،‭ ‬فلا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬المتخصصين‭ ‬التكنولوجيين‭ ‬بمختلف‭ ‬مستوياتهم،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬ليشمل‭ ‬الكوادر‭ ‬الإدارية‭ ‬والوظائف‭ ‬المساندة،‭ ‬من‭ ‬كتبة‭ ‬ومراقبين‭ ‬ومسؤولين‭ ‬عن‭ ‬شؤون‭ ‬الإدارة‭ ‬العامة‭. ‬وفي‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الظروف،‭ ‬يصبح‭ ‬تنفيذ‭ ‬برامج‭ ‬تنموية‭ ‬واسعة‭ ‬النطاق‭ ‬محفوفاً‭ ‬بخسائر‭ ‬جسيمة‭ ‬ناجمة‭ ‬عن‭ ‬سوء‭ ‬توظيف‭ ‬الموارد‭ ‬المادية،‭ ‬بسبب‭ ‬قصور‭ ‬خبرات‭ ‬القائمين‭ ‬على‭ ‬التنفيذ،‭ ‬وهي‭ ‬خسائر‭ ‬لا‭ ‬تعوضها‭ ‬زيادة‭ ‬الإنفاق‭ ‬أو‭ ‬ضخ‭ ‬موارد‭ ‬إضافية‭.‬
وتبرز‭ ‬تجربة‭ ‬الدول‭ ‬الأفريقية‭ ‬حديثة‭ ‬الاستقلال‭ ‬مثالاً‭ ‬واضحاً‭ ‬على‭ ‬أثر‭ ‬ضعف‭ ‬الموارد‭ ‬البشرية‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬التنمية؛‭ ‬فالكثير‭ ‬منها‭ ‬يزخر‭ ‬بالموارد‭ ‬الطبيعية،‭ ‬لكنه‭ ‬يعاني‭ ‬نقصاً‭ ‬حاداً‭ ‬في‭ ‬الكفاءات‭ ‬والخبرات‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬المجالات،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬بعض‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬يفتقر‭ ‬حتى‭ ‬إلى‭ ‬إداريين‭ ‬من‭ ‬ذوي‭ ‬الكفاءة‭ ‬المتوسطة،‭ ‬ما‭ ‬يعيق‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬برامج‭ ‬التنمية‭ ‬بكفاءة‭.‬
ولا‭ ‬خلاف‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬توسيع‭ ‬قاعدة‭ ‬القوى‭ ‬العاملة‭ ‬المدربة‭ ‬يمثل‭ ‬حجر‭ ‬الزاوية‭ ‬في‭ ‬الارتقاء‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬ويعد‭ ‬شرطاً‭ ‬أساسياً‭ ‬لرفع‭ ‬كفاءة‭ ‬الإدارة‭ ‬العامة‭. ‬وقد‭ ‬أظهرت‭ ‬دراسات‭ ‬التنمية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬أن‭ ‬قلة‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬نجحت‭ ‬في‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬معدلات‭ ‬نمو‭ ‬سنوية‭ ‬في‭ ‬حجم‭ ‬الاستثمار‭ ‬الإجمالي‭ ‬تجاوزت‭ ‬10‭ %‬،‭ ‬بفضل‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬توفير‭ ‬العمالة‭ ‬المؤهلة‭ ‬لمشروعاتها‭ ‬الجديدة‭ ‬وتجاوز‭ ‬العقبات‭ ‬الإدارية‭ ‬المصاحبة‭ ‬لتنفيذ‭ ‬الخطط‭ ‬التنموية‭. ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬تعثرت‭ ‬دول‭ ‬أخرى‭ ‬بسبب‭ ‬محدودية‭ ‬كفاءاتها‭ ‬الفنية‭ ‬والإدارية،‭ ‬ما‭ ‬حال‭ ‬دون‭ ‬تنفيذ‭ ‬برامج‭ ‬التنمية‭ ‬وفق‭ ‬المسار‭ ‬المأمول‭.‬
ولا‭ ‬تزال‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬في‭ ‬بدايات‭ ‬رسم‭ ‬سياسات‭ ‬شاملة‭ ‬لتأهيل‭ ‬القوى‭ ‬العاملة‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬الاضطلاع‭ ‬بمهام‭ ‬التنمية،‭ ‬مع‭ ‬ملاحظة‭ ‬قصور‭ ‬واضح‭ ‬في‭ ‬سياسات‭ ‬كثير‭ ‬منها‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الجانب‭ ‬الحيوي‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬بدأت‭ ‬بعض‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬تدرك‭ ‬أهمية‭ ‬معالجة‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬أوجه‭ ‬المشكلة،‭ ‬والمتمثل‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬القدرة‭ ‬الإدارية‭ ‬للجهاز‭ ‬الحكومي،‭ ‬وتوفير‭ ‬عناصر‭ ‬فنية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬تنفيذ‭ ‬المشروعات‭ ‬التنموية‭ ‬بكفاءة‭.‬
وقد‭ ‬اتضح‭ ‬للدول‭ ‬النامية‭ ‬أن‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬التمويل‭ ‬أو‭ ‬المعونات‭ ‬الخارجية‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬يكون‭ ‬أسهل‭ ‬من‭ ‬توفير‭ ‬كوادر‭ ‬بشرية‭ ‬مدربة‭ ‬تدريباً‭ ‬جيداً،‭ ‬وأن‭ ‬ضعف‭ ‬الجهاز‭ ‬الإداري‭ ‬يقف‭ ‬حائلاً‭ ‬دون‭ ‬الاستفادة‭ ‬الكاملة‭ ‬من‭ ‬الفرص‭ ‬والظروف‭ ‬المواتية‭ ‬المتاحة‭ ‬لها‭. ‬ومن‭ ‬ثم،‭ ‬فإن‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬الإنسان‭ ‬يظل‭ ‬الشرط‭ ‬الحاسم‭ ‬لتحويل‭ ‬الموارد‭ ‬والإمكانات‭ ‬إلى‭ ‬تنمية‭ ‬حقيقية‭ ‬ومستدامة‭.‬

المساعدات‭ ‬الخارجية

تنطلق‭ ‬القاعدة‭ ‬الأساسية‭ ‬في‭ ‬التنمية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬مسؤولية‭ ‬تجاوز‭ ‬العقبات‭ ‬التي‭ ‬تعترض‭ ‬تسريع‭ ‬وتيرة‭ ‬التقدم‭ ‬تقع،‭ ‬في‭ ‬المقام‭ ‬الأول،‭ ‬على‭ ‬عاتق‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬نفسها‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬واقع‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬يكشف‭ ‬حاجة‭ ‬ملحّة‭ ‬إلى‭ ‬قدر‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬المساعدات‭ ‬الخارجية،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬تمويل‭ ‬مالي‭ ‬أو‭ ‬خبرات‭ ‬فنية،‭ ‬أو‭ ‬كليهما‭ ‬معاً‭. ‬فبدون‭ ‬تدفق‭ ‬هذه‭ ‬المساعدات،‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬ازدهار‭ ‬التجارة‭ ‬الخارجية،‭ ‬يصعب‭ ‬على‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬تحقيق‭ ‬معدلات‭ ‬نمو‭ ‬مرتفعة‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬تحققه‭ ‬من‭ ‬تقدم‭ ‬اقتصادي‭.‬
وتقوم‭ ‬معظم‭ ‬برامج‭ ‬التنمية‭ ‬الجادة‭ ‬على‭ ‬افتراض‭ ‬تدفق‭ ‬رؤوس‭ ‬الأموال‭ ‬الأجنبية‭ ‬إلى‭ ‬الدول‭ ‬النامية،‭ ‬لتكمل‭ ‬دور‭ ‬الموارد‭ ‬المحلية‭ ‬في‭ ‬دفع‭ ‬عجلة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الوطني‭. ‬وليس‭ ‬خافياً‭ ‬أن‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬الأجنبي‭ ‬أسهم‭ ‬بدور‭ ‬محوري‭ ‬في‭ ‬نهضة‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬خلال‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬وبدايات‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭. ‬ورغم‭ ‬تغير‭ ‬طبيعة‭ ‬التنمية‭ ‬وأهدافها‭ ‬مع‭ ‬مرور‭ ‬الزمن،‭ ‬فإن‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬التمويل‭ ‬الخارجي‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬بنفس‭ ‬القدر‭ ‬من‭ ‬الأهمية،‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬أشد‭ ‬إلحاحاً‭.‬
غير‭ ‬أن‭ ‬طبيعة‭ ‬التمويل‭ ‬الدولي‭ ‬شهدت‭ ‬تحولاً‭ ‬لافتاً؛‭ ‬فبعد‭ ‬أن‭ ‬كان‭ ‬الاستثمار‭ ‬والإقراض‭ ‬الدوليان‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬تحكمهما‭ ‬اعتبارات‭ ‬الربح‭ ‬التي‭ ‬تغري‭ ‬بها‭ ‬الدول‭ ‬المقترِضة،‭ ‬أصبحت‭ ‬الدول‭ ‬الممولة‭ ‬اليوم‭ ‬الفاعل‭ ‬الرئيسي‭ ‬في‭ ‬حركة‭ ‬الاستثمار‭ ‬الدولي‭. ‬ويفرض‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬ضرورة‭ ‬توجيه‭ ‬الأموال‭ ‬المقترضة‭ ‬بأقصى‭ ‬درجات‭ ‬الكفاءة،‭ ‬والعمل‭ ‬على‭ ‬تقليص‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬المساعدات‭ ‬الخارجية‭ ‬في‭ ‬أقصر‭ ‬فترة‭ ‬ممكنة،‭ ‬تفادياً‭ ‬لما‭ ‬قد‭ ‬يترتب‭ ‬على‭ ‬الإفراط‭ ‬في‭ ‬الاقتراض‭ ‬من‭ ‬تبعات‭ ‬سياسية‭ ‬واقتصادية‭ ‬خطيرة‭.‬
وانطلاقاً‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الاعتبارات،‭ ‬يتركز‭ ‬اهتمام‭ ‬الدول‭ ‬والمؤسسات‭ ‬الممولة‭ ‬على‭ ‬استراتيجيات‭ ‬التنمية‭ ‬والتخطيط،‭ ‬مع‭ ‬التشديد‭ ‬على‭ ‬وضع‭ ‬معايير‭ ‬دقيقة‭ ‬لتقييم‭ ‬احتياجات‭ ‬التنمية‭ ‬وقياس‭ ‬ما‭ ‬تحقق‭ ‬منها‭. ‬ولتيسير‭ ‬هذه‭ ‬المهمة،‭ ‬أنشئت‭ ‬هيئات‭ ‬وطنية‭ ‬ودولية‭ ‬تُعنى‭ ‬بقضايا‭ ‬مساعدات‭ ‬التنمية،‭ ‬وتعمل‭ ‬على‭ ‬تشجيع‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬على‭ ‬إحكام‭ ‬صياغة‭ ‬برامجها‭ ‬التنموية،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تزويدها‭ ‬بدراسات‭ ‬شاملة‭ ‬عن‭ ‬مواردها‭ ‬المتاحة،‭ ‬وتنبيهها‭ ‬إلى‭ ‬متطلبات‭ ‬التنمية‭ ‬ودور‭ ‬السياسات‭ ‬المحلية‭ ‬في‭ ‬إنجاحها‭.‬
ولا‭ ‬يخفى‭ ‬أن‭ ‬الدول‭ ‬والجهات‭ ‬المانحة‭ ‬تسعى،‭ ‬عند‭ ‬تمويلها‭ ‬لبرامج‭ ‬التنمية‭ ‬في‭ ‬دولة‭ ‬نامية،‭ ‬إلى‭ ‬التأكد‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬تبذل‭ ‬أقصى‭ ‬جهودها‭ ‬لتجاوز‭ ‬العقبات‭ ‬التي‭ ‬تعترض‭ ‬التنفيذ،‭ ‬وأنها‭ ‬تتعاون‭ ‬بفاعلية‭ ‬مع‭ ‬المؤسسات‭ ‬الدولية‭ ‬المعنية،‭ ‬بما‭ ‬يضمن‭ ‬حسن‭ ‬توظيف‭ ‬المساعدات‭ ‬وتحقيق‭ ‬الأهداف‭ ‬التنموية‭ ‬المنشودة‭.‬

رجوع لأعلى