مستقبل الشركات العائلية في الكويت والمنطقة مرهون بقدرتها على التحول للنموذج المؤسسي المحترف
إن مستقبل الشركات العائلية في الكويت والمنطقة مرهون بقدرتها على التحول من النمط العائلي التقليدي إلى النموذج المؤسسي المحترف. الحوكمة ليست تهديداً لاستقلالية العائلة، بل هي الإطار الذي يضمن استمرار تأثيرها الإيجابي عبر الأجيال دون أن تُغرق الشركة في الصراعات. وبينما يبدو الطريق نحو الحوكمة طويلاً، فإن البداية الحقيقية تكمن في الاعتراف بالحاجة إليها والالتزام الجاد بتطبيقها بشكل تدريجي وواقعي.
كما أن تطبيق الحوكمة في الشركات العائلية الكويتية لم يعد خياراً رفاهياً، بل أصبح ضرورة استراتيجية للبقاء والاستدامة، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية والتغيرات التنظيمية المتسارعة. وبالاستفادة من الإطار القانوني المحلي، والاتجاه نحو الأشكال القانونية الحديثة، والاسترشاد بالتجارب الخليجية والعالمية، يمكن خلق نموذج حوكمي فعّال يتماشى مع الواقع الكويتي ويحفظ استقرار الشركات العائلية عبر الأجيال.
تُعد الشركات العائلية حجر الزاوية في الهيكل الاقتصادي لدولة الكويت والدول الخليجية عموماً. فهي لا تمثل فقط نسبة كبيرة من إجمالي الشركات العاملة في القطاع الخاص – والتي تتجاوز في بعض التقديرات 80 % – بل تلعب أيضاً دوراً محورياً في توفير الوظائف، تحفيز روح ريادة الأعمال، وجذب الاستثمارات المحلية والإقليمية. وتاريخياً، ساهمت الشركات العائلية في بناء الاقتصاد الوطني منذ بدايات الطفرة النفطية، وكانت أول من استثمر في القطاعات التجارية والصناعية والخدمية قبل نشوء المؤسسات الكبرى.
ومع تسارع التغيرات الهيكلية في الاقتصاد الكويتي، وتنامي المنافسة، وتزايد التشريعات المنظمة لبيئة الأعمال، باتت الشركات العائلية أمام تحدٍ واضح: كيف توازن بين المحافظة على هويتها العائلية، وبين حاجتها إلى التحول المؤسسي من أجل البقاء والنمو؟ وهنا يأتي دور الحوكمة المؤسسية كأداة استراتيجية تُسهم في بناء هياكل إدارية مستقلة، وتعزز الشفافية، وتقلل من مخاطر القرارات العاطفية، وتضمن استمرار الشركة بشكل مستدام عبر الأجيال.
غير أن تبنّي الحوكمة في هذا السياق ليس بالأمر السهل، إذ يتعارض في كثير من الأحيان مع الثقافة التقليدية السائدة داخل الأسر التجارية. فالقرارات في الشركات العائلية غالباً ما تتخذ وفق منطق «الثقة الشخصية» أو «النفوذ العائلي»، بدلاً من الكفاءة المؤسسية أو الأسس الموضوعية. كما قد تقف العادات الاجتماعية، والعلاقات الهرمية داخل العائلة، عائقاً أمام إدخال ممارسات مثل الفصل بين الملكية والإدارة، أو وضع خطط خلافة شفافة، أو إشراك مستشارين مستقلين في صنع القرار.
تُعزز هذه التحديات في ظل فجوة ملحوظة بين التشريعات الكويتية وبين التطبيق العملي داخل الشركات العائلية، رغم أن قانون رقم 1 لسنة 2016 بإصدار قانون الشركات وتعديلاته ولائحته التنفيذية يتضمن العديد من المبادئ التي تخدم حوكمة الشركات بمختلف أنواعها، بما فيها العائلية. ومن هنا، يُطرح السؤال الجوهري: كيف يمكن تكييف الإطار القانوني الكويتي ليصبح أداة فاعلة لتحسين الحوكمة داخل الشركات العائلية دون أن يصطدم بطبيعة هذه الكيانات؟
هذا المقال يسعى إلى تسليط الضوء على هذا السؤال من خلال تحليل العلاقة بين الحوكمة المؤسسية والشركات العائلية في الكويت، مع إبراز التحديات، واستعراض الإطار التشريعي، واقتراح حلول عملية تساعد هذه الشركات على الانتقال من الإدارة بالعلاقات إلى الإدارة بالمؤسسية، بما يضمن لها الاستمرارية، ويحافظ على هويتها في آنٍ واحد.
أولاً: مفهوم الحوكمة المؤسسية وأهميتها في الشركات العائلية:
الحوكمة المؤسسية تشير إلى مجموعة من القواعد والضوابط والهياكل التنظيمية التي تضمن التوازن بين مصالح الأطراف المعنية بالشركة: الملاك، مجلس الإدارة، الإدارة التنفيذية، والمساهمين، إضافة إلى أصحاب المصلحة الآخرين. في الشركات العائلية، تكتسب الحوكمة أهمية مضاعفة، ليس فقط لضبط الأداء الإداري والمالي، بل للحفاظ على تماسك العائلة وتقليل فرص النزاعات، خاصة مع انتقال السلطة من جيل إلى آخر.
كما تسهم الحوكمة في تعزيز الشفافية والمساءلة، وتحسين علاقات المستثمرين والمصارف، وتسهيل عمليات الإدراج في البورصة أو الشراكات مع مؤسسات خارجية. وباختصار، تعتبر الحوكمة بمثابة «ضمانة مؤسسية» لنجاح الشركات العائلية على المدى الطويل.
ثانياً: تحديات تطبيق الحوكمة في الشركات العائلية:
● الخلط بين الملكية والإدارة: العاطفة بدلًا من الكفاءة
من أبرز المعضلات التي تواجه الشركات العائلية في الكويت هي التداخل الكبير بين صفة «المالك» وصفة «المدير التنفيذي». ففي الغالب، يتم إسناد المناصب القيادية لأفراد من العائلة لمجرد صلة القرابة، وليس بناءً على الكفاءة أو المؤهل المهني. ويترتب على ذلك صدور قرارات استراتيجية قد تكون غير مدروسة أو مبنية على اعتبارات شخصية، مثل تفضيل أحد الأبناء أو الأقارب على آخرين أكثر تأهيلاً.
هذا التداخل يؤدي إلى غياب الرقابة الموضوعية، وافتقار الشركة إلى نظام تقييم أداء حقيقي. كما أنه يتعارض مع مبدأ الفصل بين السلطات داخل الهيكل المؤسسي الذي تشجع عليه مبادئ الحوكمة.
من الناحية القانونية، نص قانون الشركات الكويتي على ضرورة التمييز بين الشركاء والإدارة التنفيذية، لا سيما في الشركات ذات المسؤولية المحدودة والمساهمة. إلا أن التطبيق في الشركات العائلية غالباً ما يكون شكلياً دون تفعيل حقيقي لهذا الفصل.
ضعف اللوائح الداخلية وهشاشة الهياكل التنظيمية
تفتقر غالبية الشركات العائلية الكويتية إلى وجود نظام داخلي متماسك يحدد الصلاحيات، والمسؤوليات، وآليات اتخاذ القرار. وغالباً ما تُدار العمليات التشغيلية بطريقة غير موثقة، ما يجعل الشركة عرضة للفوضى الإدارية عند حدوث نزاعات داخلية أو عند انتقال الملكية بين الأجيال.
● مقاومة التغيير من الجيل المؤسس
يُعد الجيل المؤسس هو المحرك الأول لنجاح الشركات العائلية، إلا أنه قد يتحول لاحقاً إلى عائق أمام التطوير المؤسسي. فكثيراً ما يتمسك المؤسسون بأسلوب «الإدارة الفردية» ويبدون مقاومة واضحة لتفويض السلطات أو قبول آراء من خارج نطاق العائلة، ما يعيق تمكين الجيل الثاني والثالث، ويمنع استقطاب الكفاءات المهنية من خارج الأسرة.
قانونياً، لا توجد مادة صريحة في قانون الشركات الكويتي تفرض التخارج التدريجي للجيل المؤسس، لكن القانون يشجع من خلال أحكامه المتعلقة بتشكيل مجلس الإدارة على توزيع الصلاحيات وضمان التداول المؤسسي للسلطة، وهو ما يتطلب وعياً وإرادة داخلية من العائلة المالكة للشركة.
● نقص الوعي بثقافة الحوكمة
هناك اعتقاد سائد بين بعض ملاك الشركات العائلية بأن الحوكمة ليست سوى «ترف إداري» أو تدخل في الخصوصيات العائلية. وهذا التصور الخاطئ يُشكل أحد أبرز العوائق أمام ترسيخ مفاهيم مثل المساءلة، الشفافية، الإفصاح، وتقييم الأداء.
غياب الوعي بالحوكمة يؤدي إلى اعتماد قرارات عشوائية، وضعف أنظمة الرقابة الداخلية، وفي بعض الأحيان تسلل ممارسات غير أخلاقية مثل المحاباة أو استغلال النفوذ داخل الشركة. وقد أشارت هيئة أسواق المال إلى أهمية تعزيز الوعي بالحوكمة، لا سيما في الشركات غير المدرجة، من خلال مبادرات توعوية وورش عمل، والتركيز على عدد من المبادئ التي يمكن استلهامها لتصميم نظم حوكمة مناسبة ولو بشكل اختياري في الشركات العائلية.
● غياب المجالس المستقلة والمحايدة،
من عناصر الحوكمة الجوهرية وجود مجالس إدارة فعالة تضم أعضاء مستقلين قادرين على تقديم رؤية استراتيجية قائمة على الخبرة والحياد. لكن الشركات العائلية في الكويت نادراً ما تضم في مجالسها أشخاصاً من خارج الأسرة، مما يجعل القرار حكراً على العائلة، ويقلل من التنوع المعرفي والمهني داخل المجلس.
ثالثاً: خطوات عملية لتطبيق الحوكمة في الشركات العائلية:
● صياغة ميثاق عائلي: خارطة طريق للاستقرار المستقبلي
الميثاق العائلي ليس مستنداً قانونياً ملزماً، لكنه وثيقة بالغة الأهمية لتنظيم العلاقة بين أفراد العائلة من جهة، وبينهم وبين الشركة من جهة أخرى. يتضمن عادة رؤية العائلة المشتركة، المبادئ التي تحكم التوظيف داخل الشركة، توزيع الأرباح، آلية فض النزاعات، وسياسات التخارج، إضافة إلى خطة واضحة للخلافة الإدارية والملكية.
في الكويت، وعلى الرغم من عدم وجود نص قانوني يفرض وجود هذا الميثاق، إلا أن المادة رقم (30) من قانون الشركات والخاصة بتنظيم العلاقة بين الشركاء يمكن أن تُعزز عبر تضمين مبادئ الميثاق في عقد الشركة.
● تفعيل مجالس الإدارة بأعضاء مستقلين: الحياد والشفافية في قلب القرار
من بين أبرز أدوات الحوكمة المؤسسية تشكيل مجلس إدارة فاعل يضم أعضاء مستقلين يتم اختيارهم على أساس الكفاءة لا القرابة. هؤلاء الأعضاء يسهمون في تحقيق التوازن داخل المجلس، ويضمنون الحياد في اتخاذ القرارات، خاصة في القضايا التي تمس العلاقة بين أفراد العائلة.
● الفصل بين الملكية والإدارة: من العاطفة إلى الكفاءة
أحد أعمدة الحوكمة هو الفصل بين من يملك ومن يدير. بمعنى أن لا تكون إدارة الشركة حكراً على أفراد العائلة، بل أن تُسند المهام التنفيذية لمن يمتلك المؤهلات والخبرة، حتى وإن لم يكن من الأسرة.
● وضع خطط خلافة مدروسة: إدارة الانتقال بين الأجيال بوعي
الانتقال من الجيل المؤسس إلى الجيل الثاني أو الثالث هو لحظة حرجة قد تؤدي إلى تفكك الشركة أو فشلها إن لم تتم وفق خطة منهجية. هذه الخطة يجب أن تشمل تقييم المرشحين من العائلة، تدريبهم مبكراً، وإشراكهم تدريجياً في المسؤوليات.
رغم أن القانون الكويتي لا يفرض مثل هذه الخطط، فإن الواقع العملي والشركات التي تجاوزت الجيل الثاني أثبتت أن وجود خطة خلافة مكتوبة ومعتمدة ضمن الميثاق العائلي أو لوائح الشركة يمنع الصراعات ويُبقي السيطرة ضمن إطار مؤسسي.
● تعزيز التعليم والتأهيل في مفاهيم الحوكمة: بناء وعي مؤسسي داخل العائلة
لتنفيذ الحوكمة بشكل حقيقي، لا بد من تعزيز وعي أفراد العائلة بالمفاهيم المؤسسية الحديثة، مثل الحوكمة، الإدارة الرشيدة، الإفصاح، النزاهة، وفصل المصالح. يمكن القيام بذلك من خلال ورش عمل داخلية، أو إلحاق الأعضاء المستقبليين ببرامج تدريبية أو مهنية متخصصة.
● اعتماد الإفصاح المالي الطوعي: بناء الثقة مع الشركاء والأسواق
رغم أن الإفصاح المالي المفصل مطلوب قانوناً فقط من الشركات المساهمة المدرجة في بورصة الكويت، إلا أن الشركات العائلية يمكنها اعتماد مبدأ الإفصاح الطوعي، من خلال نشر ملخصات مالية سنوية على الشركاء، البنوك، أو الموردين الرئيسيين.
هذا النهج يُسهم في تعزيز الشفافية، ويعزز الثقة في الإدارة، ويُعد من الأدوات التي تساعد الشركات على بناء سجل مالي نظيف في حال أرادت الدخول في شراكات استراتيجية أو إدراج مستقبلي.
● استحداث هياكل مؤسسية مستقلة: تفكيك مركزية القرار
من أبرز توصيات الحوكمة المؤسسية الحديثة فصل مجلس الإدارة عن الإدارة التنفيذية، وإنشاء لجان متخصصة مثل لجنة الحوكمة، لجنة المخاطر، لجنة التدقيق واللجنة التنفيذية. هذه اللجان لا تُطلب قانوناً من الشركات العائلية، لكنها تُعتبر من الممارسات الفضلى التي تساعد في التنظيم المؤسسي، وتوزيع الأدوار، وتخفيف العبء عن الإدارة التنفيذية.
رابعاً: توصيات لتعزيز الحوكمة في الشركات العائلية:
● الاستفادة من الإطار القانوني الحالي: تحويل الإلزام إلى مبدأ طوعي
رغم أن الجزء الأكبر من مواد قانون رقم 1 لسنة 2016 بإصدار قانون الشركات وتعديلاته ولائحته التنفيذية يتعلق بالشركات المساهمة، إلا أن المبادئ التي تتضمنها هذه المواد تصلح كنموذج يُحتذى حتى لشركات الأشخاص.
● تحفيز التحول كشركة مساهمة مقفلة: خطوة نحو المؤسسية المنظمة
تعد الشركات المساهمة المقفلة شكلاً قانونياً مرناً بين الشركة العائلية التقليدية والشركة المساهمة العامة. وقد نص القانون الكويتي على إمكانية تأسيس هذا النوع من الشركات برأس مال مناسب، وعدد محدود من الشركاء، مع إمكانية التحول لاحقاً إلى مساهمة عامة.
التحول في هذا الإطار يتيح للشركة الاستفادة من هيكل تنظيمي متطور، ومجلس إدارة حقيقي، وتطبيق إلزامي لبعض ممارسات الحوكمة. هذه الخطوة تعتبر آمنة ومتصاعدة وتُجهّز الشركات العائلية تدريجياً للإدراج في البورصة مستقبلاً إن رغبت، أو للدخول في شراكات استراتيجية مع مستثمرين خارجيين.
● إصدار أدلة إرشادية من وزارة التجارة والصناعة وهيئة أسواق المال: تعزيز ثقافة الحوكمة العائلية
ينبغي أن تقوم وزارة التجارة والصناعة وهيئة أسواق المال بتطوير أدلة حوكمة موجهة خصيصاً للشركات العائلية، تأخذ بعين الاعتبار خصوصياتها الثقافية والاجتماعية، وتُقدم بأسلوب مبسط وعملي.
يمكن أن تحتوي هذه الأدلة على نماذج جاهزة: لميثاق العائلة، هيكل الحوكمة المناسب، توصيات لتكوين مجلس عائلة ولجنة خلافة، بالإضافة إلى أمثلة على الإفصاح المالي الطوعي.
● إدراج الحوكمة في سياسات التمويل البنكي: ربط الجودة الإدارية بالائتمان
يمكن للبنوك الكويتية، بالتعاون مع بنك الكويت المركزي، أن تدرج ممارسات الحوكمة كأحد معايير تقييم الجدارة الائتمانية للشركات العائلية.
فبدلاً من الاعتماد فقط على الضمانات المالية، يمكن للبنك النظر إلى: وجود مجلس إدارة فعال، تقرير مراقب حسابات حقيقي، خطة خلافة واضحة، وكذلك وجود أعضاء مستقلين. وتأتي هذه الممارسات ضمن تقييم المخاطر التشغيلية، ووجدت أن الشركات التي تطبق الحوكمة تُظهر استقراراً مالياً وإدارياً أفضل على المدى المتوسط.
تشجيع التقييم الخارجي لممارسات الحوكمة: التدقيق المؤسسي كأداة تطوير،
من التوصيات الجوهرية اعتماد الشركات العائلية على جهات استشارية خارجية مستقلة تقوم بتقييم ممارسات الحوكمة دورياً. يشمل هذا التقييم الجوانب التالية: آليات اتخاذ القرار، وضوح الهيكل الإداري، العلاقة بين العائلة والشركة، وإدارة الصراعات والتوظيف والتخارج.
نتائج التقييم تُمكن العائلة من الوقوف على نقاط الضعف التنظيمية، ووضع خطة تطوير واضحة. كما يمكن دمج هذه التقارير ضمن الاجتماعات السنوية لمجلس العائلة أو عند التفاوض مع شركاء أو ممولين.