مضيق تايوان.. صدمة الرقائق تهدد الاقتصاد العالمي
تحتل تايوان موقعاً يتزايد ثقلاً في قلب الاقتصاد العالمي: فهي محرّك رئيسي لطفرة الذكاء الاصطناعي عبر هيمنتها على الرقائق المتقدمة، وفي الوقت نفسه تقع على خط صدع جيوسياسي حساس مع تصاعد ضغوط الصين وتنامي الضبابية حول مدى صلابة الدعم الأمريكي. ورغم أن شبح الحرب لا يلوح في الأفق القريب، فإن اندلاعها، إن وقع قد يطلق صدمة عالمية هائلة، وفق «بلومبيرغ».
في هذا السياق، ترسم «بلومبرغ إيكونوميكس» خمسة مسارات محتملة لتطور التوتر في مضيق تايوان خلال السنوات الخمس المقبلة، من سيناريو حرب شاملة إلى احتمالات تهدئة وتقارب، مع نمذجة الأثر الاقتصادي لكل مسار عبر ثلاث قنوات: سلاسل توريد أشباه الموصلات، والصدمات التجارية واضطرابات الشحن والعقوبات، وتقلبات الأسواق المالية.
الكلفة في أسوأ السيناريوهات
تقدّر «بلومبرغ إيكونوميكس» أن صراعاً أميركياً صينياً حول تايوان قد يكلّف الاقتصاد العالمي نحو 10.6 تريليون دولار في عامه الأول، أي ما يعادل قرابة 9.6 % من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، متجاوزاً تداعيات جائحة «كوفيد-19» والأزمة المالية العالمية 2007-2009. وفي هذا السيناريو، ستتضرر الإمدادات العالمية من الرقائق المنطقية – وهي مدخل حيوي لكل شيء تقريباً من السيارات والطائرات إلى مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي والهواتف الذكية – بالتزامن مع تعطل الشحن عبر أحد أكثر الممرات البحرية ازدحاماً في العالم، وانهيار واسع في التجارة بين القوتين وشركائهما المقربين، وهزات حادة في الأسواق التي أصبحت رهانات الذكاء الاصطناعي محركاً رئيسياً لها.
وتشير التقديرات إلى انكماش حاد في الناتج المحلي الإجمالي خلال العام الأول: تايوان قد تتعرض لضربة قاصمة (انكماش يُقدّر بنحـو 40 % في سيناريو الحرب)، بينما ينكمش اقتصاد الصين 11 % والولايات المتحدة 6.6 %. كما قد يتراجع ناتج الاتحاد الأوروبـي 10.9 %، والهنـد 8 %، والمملكة المتحدة 6.1 %. أما الاقتصادات الأقرب لساحة الصراع فقد تكون الأكثر تضرراً: كوريا الجنوبية حتى 23 % واليابان 14.7%.
لماذا تايوان «نقطة اختناق» عالمية؟
كشفت أزمة نقص الرقائق بعد إعادة فتح الاقتصادات في 2020 أهمية أشباه الموصلات، لكن أي اضطراب في مضيق تايوان قد يكون أعنف بكثير. فتايوان تنتج نحو 62 % من أشباه الموصلات المنطقية الأكثر تقدماً في العالم، إلى جانب دورها المحوري في الرقائق التقليدية. عالمياً، تُقدَّر القيمة المضافة داخل القطاعات التي تعتمد مباشرة على الرقائق كمدخلات إنتاج بنحو 5.3 % من الإنتاج، أي قرابة 6 تريليونات دولار.
تقود «TSMC» المشهد بحصة تقارب 70 % من إيرادات المسابك العالمية، وتزوّد عمالقة مثل Apple وNvidia وAMD وQualcomm وBroadcom، فيما تلعب شركات أخرى مثل UMC وPSMC دوراً مهماً في “العقد الناضجة” التي تغذي السيارات والقطاعات الصناعية والاستهلاكية. ويظهر أثر ذلك في الأسواق: تشكل كبرى شركات التكنولوجيا الأميركية أكثر من 30 % من وزن مؤشر S&P 500، وتبلغ القيمة السوقية المجمعة لأكبر عشرة عملاء لدى «TSMC» نحو 14 تريليون دولار.
كما يشكل مضيق تايوان شرياناً للتجارة العالمية: عبرته قرابة نصف أساطيل الحاويات وأكثر من خُمس التجارة البحرية العالمية في 2022 (حوالي 2.45 تريليون دولار). لذلك، فإن أي أزمة تمتد بسرعة إلى التجارة والأسواق والقطاع الصناعي حول العالم.
تحول ميزان القوة وزيادة المخاطر
كان «الوضع القائم» منذ 1979 يستند إلى تفوق أميركي، وغموض استراتيجي بشأن الدفاع عن الجزيرة، وصبر بكين، وموازنة تايبيه لهويتها مع تعميق الروابط الاقتصادية عبر المضيق. لكن هذه الركائز تآكلت: الصين طورت قدرات بحرية وصاروخية وفضائية وسيبرانية، وأصبحت تقاتل قرب سواحلها بينما تحتاج القوات الأميركية لعبور آلاف الأميال، ما يعقّد الإمداد. وفي المقابل، رسخت ديمقراطية تايوان هوية مميزة، فيما تتعامل بكين بقدر أقل من الصبر.
وتزداد الضبابية مع تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال حملة 2024 عن ضرورة أن “تدفع تايوان” مقابل حمايتها، رغم تأكيده علناً لاحقاً على الغموض الاستراتيجي. ويعني ذلك أن احتمالات الحرب ليست “وشيكة”، لكن مخاطر الخطأ أو سوء الحساب ترتفع مع تزايد الاحتكاك العسكري.
سيناريوهات مضيق تايوان بإيجاز
1 – الحرب/الغزو: صدمة كبرى في الرقائق والتجارة والأسواق، وخسائر عالمية واسعة.
2 – حصار جوي/بحري: بديل أقل كلفة لبكين لكنه شديد الأثر اقتصادياً؛ يُقدّر أن يخفض ناتج تايوان 12.5 % في عامه الأول، والعالم 5.3 %، مع استنزاف مخزونات الرقائق خلال أسابيع.
3 – تصعيد «منطقة رمادية»: احتكاكات وضغوط قانونية/عسكرية دون أزمة كبرى؛ أثر اقتصادي محدود نسبياً (انخفاض 0.6 % للصين و0.2 % للولايات المتحدة والعالم).
4 – استمرار الوضع القائم: مفضل شعبياً في تايوان لكنه يواجه ضغوطاً متزايدة.
5 – التقارب: مكاسب اقتصادية ممكنة لكنه ضعيف الاحتمال بفعل تصلب المواقف وتراجع الثقة الشعبية في تايوان تجاه الصين.
الخلاصة أن تايوان ليست مجرد جزيرة: إنها مركز ثقل في سلاسل توريد التكنولوجيا العالمية وعلى أحد أخطر خطوط الصدع الجيوسياسية. وأي أزمة في المضيق قد تعيد تسعير المخاطر عالمياً، وتفرض كلفة باهظة على الصين والولايات المتحدة والاقتصاد العالمي معاً.