مضيق هرمز يهدد بإشعال برميل الـ150 دولارا
في ظل التصعيد العسكري المفاجئ الذي بدأته الولايات المتحدة وكيان الاحتلال ضد إيران، عاد مضيق هرمز إلى صدارة المشهد الجيوسياسي والاقتصادي العالمي، بوصفه أحد أكثر الممرات البحرية حساسية وتأثيراً في أسواق الطاقة الدولية. وتتصاعد تساؤلات المتعاملين في أسواق النفط والغاز، وصنّاع القرار في الدول المستهلكة والمنتجة على حد سواء، حول احتمالات اضطراب الملاحة في هذا المضيق الحيوي، وحول التداعيات المحتملة لذلك على إمدادات الطاقة العالمية وعلى مسار أسعار النفط خلال المرحلة المقبلة.
فقد أعلنت الولايات المتحدة وكيان الاحتلال، بدء هجوم جوي واسع النطاق على أهداف داخل الأراضي الإيرانية، في خطوة تنذر بتوسّع رقعة المواجهة في المنطقة. ويأتي ذلك بعد أيام من تصريح قائد في البحرية الإيرانية باستعداد قواته لإغلاق مضيق هرمز إذا ما قررت القيادة السياسية في طهران اللجوء إلى هذا الخيار. هذا التهديد أعاد إلى الواجهة سيناريوهات لطالما اعتُبرت من أخطر المخاطر الجيوسياسية على استقرار أسواق الطاقة.
ولا يقتصر القلق على احتمالية إغلاق المضيق فحسب، بل يمتد إلى تساؤلات جوهرية بشأن البدائل المتاحة أمام دول مجلس التعاون الخليجي لتصدير النفط والغاز الطبيعي في حال تعذّر العبور عبر هرمز، ومدى قدرة هذه البدائل على استيعاب الكميات الضخمة التي تمر يومياً عبر هذا الممر البحري.
الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز
يمثل مضيق هرمز شرياناً رئيسياً لتدفق الطاقة العالمية، إذ تمر عبره نحو ربع إمدادات النفط المنقولة بحراً في العالم، إلى جانب كميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال، خصوصاً من قطر. ويقع المضيق بين إيران من الشمال وسلطنة عُمان والإمارات العربية المتحدة من الجنوب، ويربط الخليج العربي بخليج عُمان ومنه إلى بحر العرب والمحيط الهندي.
هذه الأهمية الاستراتيجية تجعل من أي تهديد للملاحة فيه عاملاً مباشراً في تحريك الأسواق، حتى وإن لم يتحقق الإغلاق فعلياً. فمجرد تصاعد المخاطر العسكرية يؤدي إلى رفع علاوات المخاطر التأمينية على السفن، وزيادة تكاليف الشحن، وإعادة تسعير العقود الآجلة للنفط، استناداً إلى توقعات نقص الإمدادات.
كيف يؤثر اضطراب الملاحة في أسواق النفط؟
إذا أصبحت الملاحة عبر مضيق هرمز محفوفة بالمخاطر بسبب التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وكيان الاحتلال من جهة وإيران من جهة أخرى، فإن ناقلات النفط والغاز ستضطر إلى الاعتماد بشكل أكبر على مرافقة السفن الحربية، ولا سيما الأمريكية والغربية، لضمان عبورها بأمان. وقد شهدنا في أزمات سابقة قيام الأساطيل الغربية بتسيير دوريات مكثفة ومرافقة القوافل البحرية.
هذا السيناريو، رغم أنه لا يعني توقفاً فورياً للإمدادات، إلا أنه يؤدي إلى إبطاء حركة الشحن البحري وارتفاع تكاليف النقل والتأمين، ما ينعكس بدوره على الأسعار النهائية للطاقة. كما أن ارتفاع منسوب المخاطر يدفع بعض الشركات إلى تأجيل الشحنات أو إعادة جدولة عمليات التسليم، الأمر الذي يخلق حالة من التوتر في الأسواق الفورية.
لكن السيناريو الأكثر خطورة يتمثل في الإغلاق الكامل للمضيق، ولو لعدة أيام. ففي هذه الحالة، سنكون أمام صدمة حقيقية في أسواق الطاقة. إذ تشير تقديرات سابقة لمحللين في شركات متخصصة في تتبع أسواق الطاقة إلى أن إغلاق المضيق ليوم واحد فقط قد يدفع أسعار النفط إلى مستويات تتراوح بين 120 و150 دولاراً للبرميل، في ظل غياب بدائل فورية قادرة على تعويض الكميات المفقودة.
ويأتي ذلك في وقت كان فيه سعر خام برنت القياسي، المرجع العالمي لتسعير النفط، قد أغلق عند نحو 72.48 دولاراً للبرميل في نهاية تداولات أمس الجمعة، ما يعني أن الأسواق لا تزال حتى اللحظة تسعّر احتمال التصعيد دون أن تعكس سيناريو الإغلاق الكامل.
تداعيات الإغلاق على إيران نفسها
رغم أن طهران تلوّح بخيار إغلاق المضيق كورقة ضغط استراتيجية، فإن هذا الخيار لا يخلو من كلفة كبيرة عليها. فإيران تعتمد بشكل رئيسي على مضيق هرمز لتصدير نفطها الخام، إذ تمر نحو 90% من صادراتها النفطية عبر هذا الممر. وبالتالي فإن إغلاقه سيحرمها من عائدات حيوية في وقت يعاني فيه اقتصادها من ضغوط العقوبات والتضخم وتراجع العملة.
كما أن اضطراب صادرات النفط الإيرانية سيخلق تحديات كبيرة للدول المستوردة، وعلى رأسها الصين، التي تعد أكبر مشترٍ للخام الإيراني. وتعتمد بكين على الإمدادات الإيرانية بأسعار تفضيلية نسبياً، ما يجعل أي انقطاع مفاجئ عاملاً ضاغطاً على سوق الطاقة الآسيوي.
بدائل التصدير أمام دول الخليج
أدركت بعض دول الخليج العربي منذ سنوات طويلة مخاطر الاعتماد الحصري على مضيق هرمز، ولذلك استثمرت في إنشاء بنى تحتية بديلة لنقل النفط والغاز عبر خطوط أنابيب برية تصل إلى موانئ خارج الخليج العربي.
في المملكة العربية السعودية، يشكل «خط أنابيب شرق–غرب» خياراً استراتيجياً مهماً. ينقل هذا الخط النفط من حقول الإنتاج في المنطقة الشرقية إلى موانئ التصدير على ساحل البحر الأحمر، وعلى رأسها ميناء ينبع. ويبلغ طول الخط نحو 1200 كيلومتر، ويمر عبره ملايين البراميل يومياً، ما يمنح الرياض قدرة على تصدير جزء كبير من إنتاجها بعيداً عن مضيق هرمز.
ويستمد هذا الخط أهميته من كونه يربط حقولاً عملاقة مثل بقيق والغوار وخريص بموانئ على البحر الأحمر، ما يتيح للسعودية الوصول إلى الأسواق الأوروبية والأمريكية دون الحاجة إلى المرور بالمياه الخاضعة للتوتر في الخليج.
أما في دولة الإمارات العربية المتحدة، فقد تم إنشاء خط أنابيب «حبشان–الفجيرة»، الذي يمتد من حقل حبشان البري في إمارة أبوظبي إلى ميناء الفجيرة على خليج عُمان. وتكمن أهمية هذا المشروع في أنه يسمح بتصدير النفط الإماراتي مباشرة إلى المحيط الهندي، متجاوزاً مضيق هرمز. وتبلغ طاقته الاستيعابية نحو 1.5 مليون برميل يومياً، ما يوفر للإمارات هامش أمان إضافياً في حال تعطل الملاحة في المضيق.
ورغم أهمية هذه البدائل، فإنها لا تستطيع بالكامل تعويض كل الكميات التي تمر عبر هرمز، خصوصاً بالنسبة للغاز الطبيعي المسال، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على الشحن البحري من الموانئ الخليجية.
السوابق التاريخية: دروس
من حرب الناقلات
شهدت المنطقة في ثمانينيات القرن الماضي ما عُرف بـ«حرب الناقلات» خلال الحرب الإيرانية–العراقية (1980–1988)، حيث تعرضت سفن تجارية وناقلات نفط لهجمات متبادلة. وقد تدخلت البحرية الأمريكية آنذاك لمرافقة سفن كويتية كانت تنقل النفط عبر الخليج، في إطار عملية هدفت إلى حماية حرية الملاحة وضمان استمرار تدفق الإمدادات.
وفي عام 2019، ومع تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران، تشكل تحالف دولي بقيادة الولايات المتحدة، انضمت إليه دول مثل السعودية والبحرين وبريطانيا، بهدف حماية أمن الملاحة في الخليج. وجاء ذلك عقب سلسلة من حوادث احتجاز ناقلات نفط بين إيران وبريطانيا، في سياق تبادل الضغوط المرتبط بالعقوبات الأوروبية.
كما تحوّل الاهتمام الدولي في أواخر عام 2023 إلى جنوب البحر الأحمر، بعدما تعرضت سفن تجارية لهجمات من جماعة أنصار الله (الحوثيين) في اليمن، ما أدى إلى إعادة توجيه بعض مسارات الشحن حول رأس الرجاء الصالح، مع ما ترتب على ذلك من ارتفاع كبير في تكاليف النقل والزمن.
سلوك الأسواق وناقلات
النفط في فترات التوتر
في أوقات التصعيد، تميل شركات الشحن ومالكو الناقلات إلى اتخاذ تدابير احترازية، مثل زيادة سرعة الإبحار لتقليل مدة التعرض للمخاطر، أو تغيير مسارات السفن قدر الإمكان. كما ترتفع أقساط التأمين بشكل حاد، ما ينعكس مباشرة على تكلفة البرميل الواصل إلى المستهلك النهائي.
وقد نصحت الولايات المتحدة السفن التي ترفع العلم الأمريكي بالابتعاد قدر الإمكان عن المياه الإقليمية الإيرانية خلال فترات التوتر السابقة، في محاولة لتقليل احتمالات الاحتكاك أو الاحتجاز.