مع تصاعد الحرب وارتفاع النفط.. الأسواق تنتظر كلمة الفيدرالي
يترقب المستثمرون في الأسواق العالمية خلال الأسبوع الجاري مزيجاً معقداً من التطورات الجيوسياسية والاقتصادية، في محاولة لاستشراف المسار المحتمل لأسعار الفائدة الأمريكية خلال العام الحالي، في وقت يلقي فيه تصاعد الصراع في الشرق الأوسط بظلاله الثقيلة على أسواق المال والطاقة. ويأتي ذلك في ظل استمرار الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، وهو صراع يخشى المستثمرون أن يتحول إلى عامل رئيسي يعيد تشكيل توقعات التضخم والسياسة النقدية في أكبر اقتصاد في العالم.
وبحسب التقرير الأسبوعي الذي نشرته وكالة «رويترز» حول أداء الأسهم الأمريكية، فإن المستثمرين يسعون حالياً للحصول على رؤية أوضح بشأن مدى تعقيد الصراع في الشرق الأوسط، ومدى تأثيره المحتمل في الاقتصاد العالمي، خصوصاً في ما يتعلق بتوقعات خفض أسعار الفائدة التي كانت تشكل أحد أهم عوامل التفاؤل في الأسواق المالية منذ بداية العام.
الفيدرالي في قلب المشهد
تتجه أنظار الأسواق هذا الأسبوع إلى اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، وهو أول اجتماع يعقده صانعو السياسة النقدية منذ بدء الضربات الجوية التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد أهداف داخل إيران قبل نحو أسبوعين. وقد أدى هذا التصعيد العسكري إلى قفزة حادة في أسعار النفط، وهو ما انعكس سريعاً على مختلف فئات الأصول المالية، من الأسهم والسندات إلى العملات والسلع.
ومن المقرر أن يستمر اجتماع الفيدرالي لمدة يومين، حيث يناقش أعضاء اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة تداعيات التطورات الجيوسياسية الأخيرة، في وقت تواجه فيه السياسة النقدية الأمريكية أسئلة ملحة حول كيفية التعامل مع صدمة محتملة في أسعار الطاقة قد تعيد إشعال الضغوط التضخمية.
ومن المنتظر أن يصدر البنك المركزي يوم الأربعاء توقعاته الاقتصادية المحدثة، والتي ستشمل تقديرات جديدة لمسار التضخم والنمو الاقتصادي وسوق العمل، إضافة إلى التوقعات الخاصة بأسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة.
ورغم أن الأسواق لا تتوقع حالياً أن يتراجع الفيدرالي عن خططه السابقة بشأن خفض الفائدة خلال العام، فإن درجة اليقين حول تلك التخفيضات تراجعت بشكل ملحوظ في ظل الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة والمخاوف المتزايدة من عودة التضخم إلى الواجهة.
تراجع التفاؤل في الأسواق
خلال الأشهر الأولى من العام، كان التفاؤل في الأسواق المالية مدفوعاً إلى حد كبير بتوقعات خفض أسعار الفائدة، إذ رأى المستثمرون أن بدء دورة تيسير نقدي جديدة من شأنه أن يدعم تقييمات الأسهم ويحفز النمو الاقتصادي.
لكن مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار النفط، بدأ هذا التفاؤل يتعرض لضغوط واضحة، حيث يخشى المستثمرون أن يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة إلى إبطاء وتيرة تراجع التضخم، وهو ما قد يدفع الفيدرالي إلى التريث في خفض الفائدة.
وفي هذا السياق، قال أنجيلو كوركافاس، كبير استراتيجيي الاستثمار العالمي في شركة «إدوارد جونز»، إن مجلس الاحتياطي الفيدرالي سيكون في بؤرة الاهتمام هذا الأسبوع، خصوصاً في ظل قيام الأسواق بإعادة تقييم توقعاتها السابقة بشأن مسار السياسة النقدية.
وأضاف كوركافاس أن المستثمرين يحاولون حالياً فهم ما إذا كان الارتفاع في أسعار النفط سيشكل صدمة تضخمية مؤقتة أم بداية لموجة تضخم جديدة قد تعقد مهمة البنك المركزي في تحقيق استقرار الأسعار.
تقلبات حادة في الأسهم
انعكست هذه المخاوف بشكل واضح على أداء الأسواق الأمريكية خلال الأسابيع الماضية، حيث سجلت مؤشرات الأسهم الرئيسية تراجعات ملحوظة، في وقت ارتفعت فيه مستويات التقلب إلى أعلى مستوياتها منذ أشهر.
فقد أنهى مؤشر ستاندرد آند بورز 500 تعاملات يوم الجمعة منخفضاً بنحو 5% مقارنة بمستواه القياسي الذي سجله في أواخر يناير، ليحقق بذلك ثالث خسارة أسبوعية على التوالي.
كما شهدت الأسواق موجة من التذبذب الحاد، مع تغير معنويات المستثمرين بشكل سريع استجابة لأي تطورات جديدة في الصراع الإيراني أو في أسواق الطاقة.
وقال سايد فايديا، كبير استراتيجيي الاستثمار في شركة «تي دي ويلث»، إن الأسواق تعيش حالياً حالة من التأرجح المستمر، حيث يتشبث المتداولون بأي إشارات أو أخبار مرتبطة بالصراع في الشرق الأوسط.
وأوضح أن الأسواق أصبحت شديدة الحساسية للعناوين الإخبارية، سواء كانت إيجابية أو سلبية، وهو ما يعكس حالة عدم اليقين الكبيرة التي تحيط بالمشهد الاقتصادي العالمي.
النفط في مركز العاصفة
يظل النفط العامل الأكثر تأثيراً في الأسواق خلال المرحلة الحالية، إذ ينظر إليه المستثمرون باعتباره المؤشر الرئيسي الذي قد يحدد اتجاه التضخم والسياسة النقدية في الأشهر المقبلة.
وقد ارتفعت أسعار النفط بشكل حاد منذ بدء التصعيد العسكري، حيث اقترب سعر خام غرب تكساس الوسيط من مستوى 120 دولاراً للبرميل في مطلع الأسبوع، قبل أن يتراجع لاحقاً ويستقر قرب مستوى 100 دولار للبرميل بنهاية تعاملات يوم الجمعة.
ويمثل هذا المستوى السعري نقطة محورية يراقبها المستثمرون بعناية، إذ إن استمرار الأسعار عند هذه المستويات المرتفعة قد يؤدي إلى تأثيرات واسعة على تكاليف الإنتاج والنقل وأسعار المستهلكين.
وفي المقابل، أطلقت إيران تحذيرات صريحة بأن العالم قد يواجه سيناريو وصول أسعار النفط إلى 200 دولار للبرميل إذا استمرت المواجهة العسكرية وتصاعدت الهجمات على خطوط الملاحة البحرية.
وقد زادت المخاوف في الأسواق بعد إعلان إيران استهداف عدد من السفن التجارية خلال الأسبوع الماضي، وهو ما أثار القلق بشأن سلامة حركة الشحن في المنطقة واحتمالات تعطل إمدادات الطاقة العالمية.
إعادة تسعير توقعات الفائدة
أدت هذه التطورات إلى تغيير ملحوظ في توقعات المستثمرين بشأن مسار أسعار الفائدة الأمريكية خلال العام الحالي.
فحتى وقت قريب، كانت الأسواق تتوقع أن يقدم الفيدرالي على خفض أسعار الفائدة مرتين على الأقل خلال عام 2026، لكن هذه التوقعات بدأت تتراجع مع تصاعد المخاوف التضخمية المرتبطة بارتفاع أسعار النفط.
وبحلول يوم الجمعة الماضي، بدأت العقود الآجلة المرتبطة بصناديق الاحتياطي الفيدرالي تسعّر احتمال خفض واحد فقط بمقدار ربع نقطة مئوية بحلول ديسمبر، وفقاً لبيانات شركة «إل إس إي جي».
ويمثل هذا تحولاً ملحوظاً مقارنة بالتوقعات التي كانت سائدة في أواخر فبراير، قبل اندلاع الحرب، عندما كانت الأسواق ترجح تنفيذ خفضين في أسعار الفائدة خلال العام.
ويرى فايديا أن هذه التحولات تعكس إدراك المستثمرين بأن الفيدرالي قد يضطر إلى إبقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول إذا استمرت الضغوط التضخمية المرتبطة بأسعار الطاقة.
سوق العمل قد يغير المعادلة
ورغم هذه المخاوف التضخمية، فإن بعض المؤشرات الاقتصادية قد تمنح الفيدرالي مساحة للحفاظ على ميله نحو التيسير النقدي.
فقد أظهر تقرير الوظائف لشهر فبراير أداء أضعف من المتوقع، وهو ما قد يشير إلى تباطؤ في سوق العمل الأمريكية، الأمر الذي قد يدفع البنك المركزي إلى تبني موقف أكثر حذراً في تشديد السياسة النقدية.
وفي حال استمرت البيانات الاقتصادية في الإشارة إلى تباطؤ النشاط الاقتصادي، فقد يجد الفيدرالي نفسه أمام معادلة صعبة بين مكافحة التضخم ودعم النمو الاقتصادي.
أهمية التوقعات الاقتصادية
سيحظى المستثمرون باهتمام خاص بالتوقعات الاقتصادية التي سيصدرها الفيدرالي هذا الأسبوع، إذ ستقدم هذه التوقعات رؤية أوضح حول كيفية تقييم صناع السياسة النقدية للتطورات الأخيرة.
وتتضمن هذه التوقعات ما يعرف بـ«مخطط النقاط»، الذي يعكس توقعات أعضاء الفيدرالي لمسار أسعار الفائدة خلال السنوات المقبلة.
كما سيقدم المؤتمر الصحفي لرئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول فرصة مهمة للأسواق لفهم كيفية قراءة البنك المركزي للتداعيات الاقتصادية للصراع في الشرق الأوسط.
ومن المرجح أن يركز المستثمرون بشكل خاص على أي إشارات قد يقدمها باول حول تأثير ارتفاع أسعار النفط على توقعات التضخم، وكذلك حول استعداد الفيدرالي للتعامل مع صدمات الطاقة المحتملة.
اجتماع محوري في نهاية ولاية باول
يكتسب اجتماع الفيدرالي هذا الأسبوع أهمية إضافية، لأنه يأتي في مرحلة حساسة من ولاية جيروم باول، الذي يقترب من نهاية فترة رئاسته للبنك المركزي في مايو المقبل.
ويرى باول نولتي، كبير مستشاري الثروات في شركة «ميرفي آند سيلفست»، أن هذا الاجتماع قد يحدد الإطار العام الذي ستتعامل من خلاله السياسة النقدية الأمريكية مع الضغوط التضخمية الناجمة عن ارتفاع أسعار النفط.
وأضاف أن الأسواق ستحاول فهم ما إذا كان الفيدرالي سيعتبر ارتفاع أسعار الطاقة صدمة مؤقتة أم تطوراً يستدعي إعادة تقييم مسار السياسة النقدية.
ومن المرجح أيضاً أن تكون أي خطوات مستقبلية بشأن أسعار الفائدة مرتبطة بانتقال القيادة داخل الفيدرالي، حيث يُتوقع أن يتولى كيفن وارش، المرشح المدعوم من الرئيس دونالد ترامب والحاكم السابق في البنك المركزي، رئاسة الفيدرالي بعد انتهاء ولاية باول.
الذكاء الاصطناعي في الخلفية
على صعيد آخر، قد تجذب فعاليات المؤتمر السنوي للمطورين الذي تنظمه شركة إنفيديا الأسبوع المقبل اهتمام المستثمرين، خصوصاً في ظل الدور الكبير الذي يلعبه قطاع الذكاء الاصطناعي في دفع موجة الارتفاع التي شهدتها أسهم التكنولوجيا خلال العامين الماضيين.
لكن رغم أهمية هذا الحدث بالنسبة لقطاع التكنولوجيا، فإن معظم المستثمرين يرون أن التطورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط ستظل العامل الأكثر تأثيراً في الأسواق خلال الفترة القريبة.
وفي هذا السياق، قال آدم تيرنكويست من شركة «إل بي إل فايننشال» إن العناوين الإخبارية المرتبطة بالحرب مع إيران ستبقى المحرك الأساسي للأسواق في الوقت الراهن.
وأضاف أن المستثمرين سيواصلون متابعة تطورات الصراع عن كثب، خصوصاً في ما يتعلق بإمكانية توصل الولايات المتحدة إلى استراتيجية خروج واضحة من هذا النزاع.