من هرمز إلى موائد العالم.. الغذاء يدخل موجة غلاء جديدة
عاد ملف الأمن الغذائي العالمي إلى واجهة المخاوف الاقتصادية، مع اتساع تداعيات الحرب في المنطقة وارتفاع تكاليف الطاقة وتعطل بعض مسارات التجارة الحيوية، في وقت بدأت فيه أسعار الغذاء العالمية تسجل ارتفاعاً جديداً بعد أشهر من الهدوء النسبي، بما يعكس هشاشة التوازن بين الطاقة والزراعة والنقل في الاقتصاد العالمي.
وفي هذا السياق، كشف تقرير حديث لمنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (فاو) عن عودة أسعار الغذاء العالمية إلى الارتفاع خلال مارس 2026، بعد سبعة أشهر من الاستقرار، في تطور يربطه التقرير مباشرة بتداعيات الحرب على إيران وتعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
وبحسب التقرير، ارتفع مؤشر فاو لأسعار الغذاء بنسبة 2.4 % خلال مارس، مدفوعاً بصعود أسعار عدد من السلع الأساسية، في مقدمتها الحبوب والزيوت النباتية والسكر، وهي مكونات تمس مباشرة الأمن الغذائي للأسر والدول على حد سواء. ويعكس هذا الارتفاع عودة الضغوط التضخمية الغذائية إلى المشهد، في لحظة عالمية لا تزال فيها الاقتصادات تحاول احتواء آثار موجات التضخم السابقة.
الغذاء لم يعد بعيداً عن الحرب
التطور الأهم في المشهد الحالي هو أن تأثير الصراع لم يعد مقتصراً على النفط والغاز أو على تكاليف الشحن والتأمين، بل بدأ ينتقل تدريجياً إلى أسعار الغذاء اليومية، بما يجعل الحرب ذات أثر مباشر على المستهلكين، حتى في الدول البعيدة جغرافياً عن ساحة التوتر.
فحين ترتفع أسعار الطاقة، ترتفع معها كلفة الزراعة والإنتاج والنقل والتخزين والتبريد، ما يعني أن سلسلة الغذاء بأكملها تصبح أكثر تكلفة، من الحقل إلى الميناء ثم إلى المتجر وأخيراً إلى المائدة.
ولهذا، فإن مضيق هرمز لم يعد مجرد ممر للنفط، بل أصبح اليوم أحد المفاتيح الأساسية لفهم أسعار الغذاء العالمية أيضاً، خصوصاً مع ارتباطه الوثيق بتجارة الطاقة والمواد الخام ومدخلات الإنتاج الزراعي.
الحبوب والزيوت والسكر تقود الصعود
أظهر تقرير فاو أن أسعار القمح ارتفعت بنسبة 4.3 %، في ظل تراجع المساحات المزروعة وارتفاع كلفة المدخلات الزراعية، وعلى رأسها الأسمدة. كما قفزت أسعار الزيوت النباتية بأكثر من 5.1 % لتبلغ أعلى مستوياتها منذ 2022، ما يعكس الضغوط المتزايدة على الأسواق الزراعية والغذائية.
كذلك ارتفعت أسعار السكر بأكثر من 7.2%، مدفوعة بقرار البرازيل تحويل جزء من محاصيلها إلى إنتاج الإيثانول، وهو ما يقلص الكميات المتاحة للتصدير الغذائي ويزيد من حدة التوتر في سوق السلع الزراعية. أما منتجات الألبان فقد سجلت ارتفاعاً بنسبة 1.2 % نتيجة تقلص المعروض، لا سيما من نيوزيلندا وأستراليا، في حين ارتفعت أسعار اللحوم بنسبة 1 % بفعل انخفاض أعداد الماشية.
وهذه الزيادات، رغم اختلاف أسبابها المباشرة، تشترك جميعها في عامل واحد: ارتفاع الكلفة الأساسية للإنتاج في بيئة عالمية باتت أكثر هشاشة وأقل قدرة على امتصاص الصدمات.
الطاقة في قلب موجة الغلاء
يشير التقرير إلى أن العامل المشترك بين معظم الارتفاعات الأخيرة يتمثل في تكاليف الطاقة، إذ أدى تصاعد التوترات وتعطل بعض الإمدادات عبر مضيق هرمز إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز، وهو ما انعكس سريعاً على تكاليف تشغيل المزارع، وتصنيع الغذاء، ونقل السلع عبر العالم.
وتتضاعف خطورة هذه الحلقة لأن الغذاء من أكثر القطاعات حساسية للطاقة. فارتفاع أسعار الوقود لا يرفع فقط كلفة الشحن البحري والبري، بل ينعكس أيضاً على تكاليف الري، والتبريد، والتعبئة، والأسمدة، والنقل الداخلي، ما يجعل الأثر النهائي على المستهلك أكبر من مجرد ارتفاع في أسعار سلعة واحدة.
ومن هنا، فإن استمرار أسعار النفط عند مستويات مرتفعة أو تعرضها لموجة صعود جديدة سيبقي التضخم الغذائي تحت ضغط صاعد خلال الفترة المقبلة، حتى لو هدأت بعض أسواق السلع مؤقتاً.
الأسمدة.. الحلقة الأخطر في السلسلة
ومن بين أكثر عناصر الأزمة حساسية، برزت الأسمدة كأحد أخطر مفاصل الضغط على الأمن الغذائي العالمي. فبحسب تقرير الجزيرة المستند إلى بيانات المنظمة، يمر نحو 30% من تجارة الأسمدة العالمية عبر مضيق هرمز، ما يعني أن أي اضطراب في هذا المسار ينعكس مباشرة على الإنتاج الزراعي العالمي.
وهنا لا تقتصر المشكلة على ارتفاع السعر الحالي، بل تمتد إلى القدرة على الزراعة في المواسم المقبلة. فكل زيادة في كلفة الأسمدة تعني ضغوطاً إضافية على المزارعين، خصوصاً في الأسواق الناشئة والدول النامية، حيث تكون القدرة على امتصاص التكاليف الجديدة أكثر محدودية.
وهذا ما يجعل أزمة الغذاء المحتملة تراكمية لا آنية فقط: فارتفاع الكلفة اليوم قد ينعكس في انخفاض الإنتاج لاحقاً، ثم في أسعار أعلى مستقبلاً، بما يطيل أمد موجة الغلاء.
40 يوماً قد تغيّر مسار الأسعار
وحذرت فاو من أن استمرار الصراع لأكثر من 40 يوماً قد يؤدي إلى مزيد من الضغوط على أسعار الغذاء خلال ما تبقى من 2026 وربما يمتد أثره إلى 2027، وهو ما يهدد بعودة التضخم الغذائي إلى صدارة المخاطر الاقتصادية عالمياً.
وتكتسب هذه التحذيرات أهمية مضاعفة لأن الأسواق لا تتعامل فقط مع صدمة آنية، بل مع احتمال أن تتحول الأزمة إلى اختلال أطول مدى في سلاسل التوريد، سواء على مستوى الطاقة أو النقل أو المدخلات الزراعية.
فإذا طال أمد الصراع، فإن الدول المستوردة للغذاء والطاقة ستجد نفسها أمام فاتورة مزدوجة: ارتفاع في كلفة الاستيراد، وارتفاع في الضغوط على العملات المحلية، والدعم الحكومي، ومستويات الأسعار الداخلية.
الأسواق الناشئة أول المتضررين
في العادة، لا تتوزع صدمات الغذاء والطاقة بالتساوي. فالدول الأكثر اعتماداً على الواردات الغذائية أو على النفط والغاز المستوردين تكون أول من يتلقى الضربة، كما أن الأسر منخفضة ومتوسطة الدخل هي الأكثر تعرضاً للأثر، لأن الغذاء والطاقة يشكلان الحصة الأكبر من إنفاقها الشهري.
ولهذا، فإن أي موجة غلاء غذائي جديدة لن تكون مجرد مسألة اقتصادية أو رقمية، بل قد تتحول إلى تحدٍ اجتماعي ومعيشي واسع، خصوصاً في الدول التي تعاني أصلاً من ضغوط تضخمية أو أوضاع مالية هشة.
كما أن استمرار هذا المسار قد يضع البنوك المركزية والحكومات أمام معادلة أكثر تعقيداً: هل يتم مقاومة التضخم بتشديد السياسة النقدية؟ أم حماية النمو والطلب في بيئة عالمية متباطئة أصلاً؟
من مضيق هرمز إلى سلة المستهلك
في المحصلة، تكشف التطورات الأخيرة أن الترابط بين الجغرافيا السياسية والاقتصاد اليومي بات أكثر مباشرة من أي وقت مضى. فما يحدث في مضيق هرمز لا يبقى في أسواق النفط وحدها، بل ينتقل سريعاً إلى الأسمدة، ثم الزراعة، ثم الشحن، ثم الغذاء، ثم جيب المستهلك.
ولهذا، فإن موجة الغلاء الحالية لا ينبغي النظر إليها بوصفها مجرد تقلب مؤقت في أسعار السلع، بل كإشارة إلى أن سلاسل الغذاء العالمية ما تزال شديدة الهشاشة أمام صدمات الطاقة والحروب والممرات البحرية.
وبينما يبقى احتواء التوترات هو العامل الأهم لتخفيف الضغوط، فإن المؤشرات الحالية توحي بأن العالم قد يكون أمام مرحلة جديدة من التضخم الغذائي، قد لا تبدأ من الحقول أو المواسم الزراعية، بل من الممرات البحرية وموازين القوة في أسواق الطاقة.