تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مهن‭ ‬بدت‭ ‬حتى‭ ‬وقت‭ ‬قريب‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬الخيال‭ ‬العلمي‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬بعيدة

مهن‭ ‬بدت‭ ‬حتى‭ ‬وقت‭ ‬قريب‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬الخيال‭ ‬العلمي‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬بعيدة

لم‭ ‬تعد‭ ‬الوظائف‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬قبل‭ ‬سنوات‭ ‬قليلة‭ ‬تبدو‭ ‬وكأنها‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬أفلام‭ ‬الخيال‭ ‬العلمي‭ ‬مجرد‭ ‬تصورات‭ ‬مستقبلية‭ ‬بعيدة،‭ ‬بل‭ ‬بدأت‭ ‬تتحول‭ ‬تدريجياً‭ ‬إلى‭ ‬واقع‭ ‬ملموس‭ ‬يفرض‭ ‬نفسه‭ ‬على‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭ ‬العالمي‭. ‬فالتقدم‭ ‬المتسارع‭ ‬في‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬والبيانات‭ ‬الضخمة،‭ ‬والواقعين‭ ‬الافتراضي‭ ‬والمعزز،‭ ‬يعيد‭ ‬رسم‭ ‬خريطة‭ ‬الوظائف‭ ‬ويغيّر‭ ‬طبيعة‭ ‬المهارات‭ ‬المطلوبة،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬تتجه‭ ‬فيه‭ ‬الأنظار‭ ‬إلى‭ ‬تخصصات‭ ‬العلوم‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬والهندسة‭ ‬والرياضيات‭ ‬باعتبارها‭ ‬الرهان‭ ‬الأكثر‭ ‬أماناً‭ ‬للمستقبل‭ ‬المهني‭.‬
وتشير‭ ‬التوقعات‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬السنوات‭ ‬المقبلة‭ ‬ستشهد‭ ‬تحولات‭ ‬عميقة‭ ‬في‭ ‬طبيعة‭ ‬العمل،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬عبر‭ ‬ظهور‭ ‬وظائف‭ ‬جديدة‭ ‬بالكامل،‭ ‬بل‭ ‬أيضاً‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬مهن‭ ‬قائمة‭ ‬لتصبح‭ ‬أكثر‭ ‬اعتماداً‭ ‬على‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬والتحليل‭ ‬الرقمي‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬المشهد‭ ‬الجديد،‭ ‬تتزايد‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬مزيج‭ ‬من‭ ‬المهارات‭ ‬التقنية‭ ‬والقدرات‭ ‬الإنسانية،‭ ‬مثل‭ ‬التفكير‭ ‬التحليلي،‭ ‬والإبداع،‭ ‬والفهم‭ ‬السياقي،‭ ‬والذكاء‭ ‬العاطفي‭.‬

ارتفاع‭ ‬الوظائف

وبحسب‭ ‬تقديرات‭ ‬مكتب‭ ‬إحصاءات‭ ‬العمل‭ ‬الأميركي،‭ ‬يُتوقع‭ ‬أن‭ ‬ترتفع‭ ‬الوظائف‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬العلوم‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬والهندسة‭ ‬والرياضيات‭ ‬بنسبة‭ ‬11‭ % ‬بحلول‭ ‬عام‭ ‬2032،‭ ‬لتصل‭ ‬إلى‭ ‬نحو‭ ‬11‭.‬5‭ ‬مليون‭ ‬وظيفة،‭ ‬مقابل‭ ‬نمو‭ ‬لا‭ ‬يتجاوز‭ ‬2‭ % ‬في‭ ‬الوظائف‭ ‬غير‭ ‬المرتبطة‭ ‬بهذه‭ ‬المجالات‭. ‬وتعكس‭ ‬هذه‭ ‬الأرقام‭ ‬اتجاهاً‭ ‬واضحاً‭: ‬المهارات‭ ‬التقنية‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬ميزة‭ ‬إضافية،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬محركات‭ ‬التوظيف‭ ‬والنمو‭ ‬المهني‭.‬
لكن‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬المستقبل‭ ‬سيكون‭ ‬حكراً‭ ‬على‭ ‬وظائف‭ ‬شديدة‭ ‬التعقيد‭ ‬أو‭ ‬محصورة‭ ‬في‭ ‬المختبرات‭ ‬ومراكز‭ ‬الأبحاث‭. ‬فكثير‭ ‬من‭ ‬المهن‭ ‬الجديدة‭ ‬ستكون‭ ‬امتداداً‭ ‬مطوراً‭ ‬لوظائف‭ ‬قائمة‭ ‬بالفعل،‭ ‬أو‭ ‬ستخدم‭ ‬احتياجات‭ ‬بشرية‭ ‬أساسية‭ ‬مثل‭ ‬الرعاية‭ ‬الصحية،‭ ‬والطاقة،‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية،‭ ‬والخدمات‭ ‬العامة‭.‬

‭ ‬توربينات‭ ‬الرياح

وتظهر‭ ‬قائمة‭ ‬الوظائف‭ ‬الأسرع‭ ‬نمواً‭ ‬خلال‭ ‬العقد‭ ‬المقبل‭ ‬هذا‭ ‬التداخل‭ ‬بوضوح‭. ‬فمهنة‭ ‬فني‭ ‬صيانة‭ ‬توربينات‭ ‬الرياح‭ ‬تتصدر‭ ‬المشهد‭ ‬بمعدل‭ ‬نمو‭ ‬متوقع‭ ‬يبلغ‭ ‬44‭.‬9‭ % ‬بين‭ ‬عامي‭ ‬2022‭ ‬و2032،‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬تسارع‭ ‬التحول‭ ‬العالمي‭ ‬نحو‭ ‬الطاقة‭ ‬المتجددة‭. ‬كما‭ ‬تسجل‭ ‬وظائف‭ ‬فنيي‭ ‬التمريض‭ ‬نمواً‭ ‬قوياً‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬44‭.‬5‭ % ‬نتيجة‭ ‬الطلب‭ ‬المتزايد‭ ‬على‭ ‬خدمات‭ ‬الرعاية‭ ‬الصحية‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬تواصل‭ ‬المهن‭ ‬التقنية‭ ‬صعودها،‭ ‬مع‭ ‬توقعات‭ ‬بنمو‭ ‬يتجاوز‭ ‬25‭ % ‬لوظائف‭ ‬مثل‭ ‬علماء‭ ‬البيانات‭ ‬ومحللي‭ ‬أمن‭ ‬المعلومات‭ ‬ومطوري‭ ‬البرمجيات‭.‬
وفي‭ ‬قلب‭ ‬هذا‭ ‬التحول،‭ ‬يبرز‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬بوصفه‭ ‬قوة‭ ‬دافعة‭ ‬لتغيير‭ ‬طبيعة‭ ‬العمل‭ ‬العلمي‭ ‬والمهني‭. ‬فبدلاً‭ ‬من‭ ‬النماذج‭ ‬التقليدية‭ ‬التي‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬العمل‭ ‬الفردي،‭ ‬أصبحت‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬المجالات‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬فرق‭ ‬واسعة‭ ‬تتعامل‭ ‬مع‭ ‬كميات‭ ‬ضخمة‭ ‬من‭ ‬البيانات،‭ ‬ما‭ ‬يرفع‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬مهارات‭ ‬تحليل‭ ‬البيانات‭ ‬وفهم‭ ‬الخوارزميات‭.‬
وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬برزت‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬الأخيرة‭ ‬وظيفة‭ ‬‮«‬مهندس‭ ‬التوجيه‮»‬،‭ ‬وهو‭ ‬المتخصص‭ ‬في‭ ‬صياغة‭ ‬التعليمات‭ ‬المناسبة‭ ‬لنماذج‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬التوليدي‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬نتائج‭ ‬دقيقة‭ ‬أو‭ ‬محتوى‭ ‬محدد‭. ‬ورغم‭ ‬الجدل‭ ‬حول‭ ‬استدامة‭ ‬هذه‭ ‬المهنة‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬الطويل،‭ ‬فإن‭ ‬المؤشرات‭ ‬الحالية‭ ‬توحي‭ ‬بارتفاع‭ ‬الطلب‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬الأجل‭ ‬القريب،‭ ‬خصوصاً‭ ‬مع‭ ‬التوسع‭ ‬السريع‭ ‬في‭ ‬استخدام‭ ‬تطبيقات‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬داخل‭ ‬الشركات‭.‬
لكن‭ ‬صعود‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬تراجع‭ ‬الدور‭ ‬البشري،‭ ‬بل‭ ‬إعادة‭ ‬تعريفه‭. ‬فمع‭ ‬تزايد‭ ‬الوعي‭ ‬بحدود‭ ‬هذه‭ ‬الأنظمة،‭ ‬مثل‭ ‬احتمالات‭ ‬الخطأ‭ ‬أو‭ ‬التحيز‭ ‬أو‭ ‬إنتاج‭ ‬معلومات‭ ‬مضللة،‭ ‬تبرز‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬أدوار‭ ‬بشرية‭ ‬تتعلق‭ ‬بالمراجعة،‭ ‬والتدقيق،‭ ‬والتفسير،‭ ‬واتخاذ‭ ‬القرار‭. ‬وهنا‭ ‬تصبح‭ ‬القدرات‭ ‬التي‭ ‬يصعب‭ ‬على‭ ‬الآلة‭ ‬محاكاتها‭ ‬مثل‭ ‬التفكير‭ ‬النقدي،‭ ‬والفهم‭ ‬العميق‭ ‬للسياق،‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬إدراك‭ ‬‮«‬المجهول‭ ‬غير‭ ‬المعروف‮»‬‭ ‬أكثر‭ ‬قيمة‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬مضى‭.‬
ولا‭ ‬يقتصر‭ ‬الأثر‭ ‬على‭ ‬الوظائف‭ ‬التقنية‭ ‬البحتة،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬أيضاً‭ ‬إلى‭ ‬المهن‭ ‬المكتبية،‭ ‬مثل‭ ‬الاستشارات،‭ ‬والامتثال،‭ ‬والخدمات‭ ‬القانونية،‭ ‬حيث‭ ‬بات‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬قادراً‭ ‬على‭ ‬تنفيذ‭ ‬جزء‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬التحليل‭ ‬الأولي،‭ ‬بينما‭ ‬يحتفظ‭ ‬الإنسان‭ ‬بمهمة‭ ‬تفسير‭ ‬النتائج‭ ‬وبناء‭ ‬الاستنتاجات‭ ‬واتخاذ‭ ‬القرارات‭ ‬الاستراتيجية‭.‬

التوائم‭ ‬الرقمية

وفي‭ ‬موازاة‭ ‬ذلك،‭ ‬تفتح‭ ‬تقنيات‭ ‬‮«‬التوائم‭ ‬الرقمية‮»‬‭ ‬والواقع‭ ‬الممتد‭ (‬XR‭) ‬آفاقاً‭ ‬جديدة‭ ‬أمام‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭. ‬فهذه‭ ‬الأدوات‭ ‬لا‭ ‬تُستخدم‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬ألعاب‭ ‬الفيديو‭ ‬أو‭ ‬الترفيه،‭ ‬بل‭ ‬بدأت‭ ‬تدخل‭ ‬إلى‭ ‬مجالات‭ ‬مثل‭ ‬العمارة،‭ ‬والتصنيع،‭ ‬والتعليم،‭ ‬والتدريب،‭ ‬وحتى‭ ‬تطوير‭ ‬الحلول‭ ‬الطبية‭ ‬المخصصة‭. ‬ومع‭ ‬دخول‭ ‬شركات‭ ‬كبرى‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬المجال،‭ ‬يتزايد‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬مصممي‭ ‬البيئات‭ ‬الافتراضية،‭ ‬ومطوري‭ ‬التجارب‭ ‬التفاعلية،‭ ‬وخبراء‭ ‬بناء‭ ‬العوالم‭ ‬الرقمية‭.‬
الخلاصة‭ ‬أن‭ ‬مستقبل‭ ‬الوظائف‭ ‬لا‭ ‬يتجه‭ ‬فقط‭ ‬نحو‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬التكنولوجيا،‭ ‬بل‭ ‬نحو‭ ‬شراكة‭ ‬جديدة‭ ‬بين‭ ‬الإنسان‭ ‬والآلة‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭ ‬المهني‭ ‬الجديد،‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬النجاح‭ ‬لمن‭ ‬يملك‭ ‬المعرفة‭ ‬التقنية‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬لمن‭ ‬يستطيع‭ ‬الجمع‭ ‬بين‭ ‬التقنية،‭ ‬والمرونة،‭ ‬والإبداع،‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬فهم‭ ‬ما‭ ‬وراء‭ ‬البيانات‭.‬

رجوع لأعلى