موجة بيع تضرب بورصات آسيا وأوروبا
شهدت الأسواق المالية العالمية الجمعة حالة من التراجع الملحوظ، حيث انخفضت مؤشرات البورصات الآسيوية والأوروبية بالتزامن مع ارتفاع حاد في أسعار النفط التي تجاوزت مستوى 100 دولار للبرميل، في ظل تصاعد القلق لدى المستثمرين بشأن تطورات الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وكيان الاحتلال من جهة وإيران من جهة أخرى، وما قد تسببه من اضطرابات واسعة في إمدادات النفط والغاز العالمية. وتأتي هذه التطورات في وقت حساس للأسواق التي كانت تحاول التعافي من موجات التضخم المرتفعة خلال العامين الماضيين، ما زاد من حدة التقلبات في التداولات العالمية.
تراجع واسع في الأسواق الآسيوية
في آسيا، تعرضت أسواق الأسهم لضغوط بيعية واضحة مع تزايد حالة عدم اليقين الجيوسياسي. فقد انخفض مؤشر نيكي 225 الياباني بنسبة 1.2 % ليصل إلى مستوى 53819 نقطة، متأثراً بشكل خاص بتراجع أسهم شركات التكنولوجيا التي تُعد من أكثر القطاعات حساسية لتقلبات الاقتصاد العالمي وأسعار الفائدة. ومنذ إغلاق جلسة 27 فبراير، أي قبل اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، فقد المؤشر نحو 8.5 % من قيمته، وهو ما يعكس حجم التوتر الذي أصاب المستثمرين في الأسواق الآسيوية خلال الأسابيع الأخيرة.
كما شهدت الأسواق الكورية الجنوبية تراجعاً ملحوظاً، حيث انخفض مؤشر كوسبي بنسبة 1.7 % ليصل إلى 5487 نقطة، وسط عمليات بيع واسعة في قطاعات التكنولوجيا والصناعة، وهما من الركائز الأساسية للاقتصاد الكوري المعتمد بدرجة كبيرة على التصدير.
وفي هونغ كونغ، تراجع مؤشر هانغ سينغ بنسبة 1 % ليصل إلى مستوى 25450 نقطة، متأثراً بانخفاض أسهم الشركات المالية والعقارية، إضافة إلى القلق من تباطؤ التجارة العالمية نتيجة الاضطرابات الجيوسياسية. أما في الصين، فقد انخفض مؤشر شنغهاي المركب بنسبة 0.8% ليصل إلى 4095 نقطة، في وقت يراقب فيه المستثمرون تأثير ارتفاع أسعار الطاقة على الاقتصاد الصيني الذي يعد أكبر مستورد للنفط في العالم.
وفي بقية الأسواق الآسيوية، انخفض مؤشر ستاندرد آند بورز/إيه إس إكس 200 الأسترالي بنسبـة طفيفــة بلغت 0.1 % ليصل إلى 8617 نقطة، بينما تراجـع مؤشر تايكس التايواني بنسبة 0.5 %، وانخفض مؤشــر سينسكـس الهندي بنسبــة 1.8 %، متأثراً بتراجع أسهم البنوك والطاقة والصناعات الثقيلة.
ويشير محللون إلى أن هذه الخسائر تعكس حالة القلق المتزايدة لدى المستثمرين من احتمال استمرار الحرب لفترة طويلة، وهو ما قد ينعكس سلباً على حركة التجارة العالمية وسلاسل الإمداد.
انخفاض الأسهم الأوروبية
لم تكن الأسواق الأوروبية بمنأى عن هذه الضغوط، إذ افتتحت جلسة الجمعة على تراجع ملحوظ مع استمرار المخاوف من تصاعد التضخم نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة. فقد انخفض مؤشر ستوكس 600 الأوروبي بنسبة 0.8 % ليصل إلى 594 نقطة بحلول الساعة 0806 بتوقيت غرينتش، مع تراجع معظم المؤشرات الرئيسية في القارة.
وتصدرت أسهم البنوك قائمة الخاسرين بين القطاعات، حيث انخفض مؤشرها بنحو 1.9 %، نتيجة حساسية هذا القطاع لأي تباطؤ اقتصادي أو تقلبات مالية. ويخشى المستثمرون من أن يؤدي ارتفاع أسعار النفط إلى زيادة معدلات التضخم، وهو ما قد يضغط على النمو الاقتصادي ويؤثر على أرباح المؤسسات المالية.
في المقابل، استفادت بعض شركات الطاقة الكبرى من ارتفاع أسعار النفط. فقد حققت أسهم شركتي النفط العملاقتين «بي.بي» و«شل» أداءً أفضل نسبياً مقارنة ببقية السوق، مدعومة بارتفاع أسعار الخام فوق مستوى 100 دولار للبرميل، وهو ما يعزز إيرادات شركات النفط العالمية.
أما في الولايات المتحدة، فقد عكست العقود الآجلة للمؤشرات الرئيسية حالة الحذر السائدة في الأسواق، حيث تراجعت العقود الآجلة لمؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنسبة 0.3 %، في حين انخفضت العقود الآجلة لمؤشر داو جونز الصناعي بنسبة 0.2 %، في إشارة إلى توقعات بفتح جلسة متذبذبة في وول ستريت.
النفط يتجاوز 100 دولار
ويُعد ارتفاع أسعار النفط العامل الأبرز الذي ضغط على الأسواق العالمية خلال الأيام الأخيرة. فقد سجل سعر خام برنت نحو 102 دولار للبرميل يوم الجمعة، بعدما تجاوز مستوى 100 دولار في جلسة الخميس للمرة الأولى منذ عدة أشهر.
وكانت أسعار النفط قد قفزت إلى نحو 120 دولاراً للبرميل في وقت سابق من الأسبوع، قبل أن تتراجع قليلاً مع بعض عمليات جني الأرباح في الأسواق. ويعود هذا الارتفاع الحاد إلى المخاوف من تعطل الإمدادات النفطية في منطقة الخليج، خصوصاً مع التوترات العسكرية المتصاعدة في المنطقة.
ويكتسب الوضع حساسية إضافية بسبب أهمية مضيق هرمز، الذي يعد أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط في العالم، إذ يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية يومياً. ومع تزايد التقارير عن إغلاق المضيق أو تعطّل الملاحة فيه، ارتفعت المخاوف من نقص الإمدادات العالمية.
جهود لاحتواء أزمة الإمدادات
في محاولة لتهدئة الأسواق والحد من الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة، أعلنت الولايات المتحدة يوم الخميس أنها ستسمح مؤقتاً ببيع شحنات النفط الروسي العالقة في البحر، في خطوة تهدف إلى زيادة المعروض العالمي من الخام وتخفيف الضغوط على الأسعار، خاصة مع ارتفاع أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة.
كما سعت الدول الأعضاء في الوكالة الدولية للطاقة إلى التدخل عبر سحب كميات قياسية من الاحتياطيات النفطية الإستراتيجية. فقد قررت الوكالة الإفراج عن نحو 400 مليون برميل من مخزونات النفط التابعة لـ32 دولة عضو، في محاولة لتقليل تأثير اضطراب الإمدادات.
ورغم هذه الخطوات، يرى محللون أن تأثيرها قد يكون محدوداً إذا استمرت الحرب لفترة طويلة، إذ إن الاضطرابات الجيوسياسية في منطقة الخليج قادرة على إحداث صدمات قوية في أسواق الطاقة العالمية.
مخاوف من تضخم جديد
يشعر المستثمرون بقلق متزايد من أن يؤدي ارتفاع أسعار النفط إلى عودة الضغوط التضخمية التي حاولت الاقتصادات الكبرى احتواءها خلال السنوات الأخيرة. فارتفاع تكاليف الطاقة ينعكس سريعاً على أسعار النقل والتصنيع والسلع الاستهلاكية، ما قد يدفع معدلات التضخم إلى الارتفاع مجدداً.
وتأتي هذه المخاوف في وقت كانت فيه الأسواق تراهن على بدء البنوك المركزية، وعلى رأسها الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، في خفض أسعار الفائدة خلال العام الجاري لدعم النمو الاقتصادي. غير أن ارتفاع أسعار النفط قد يدفع هذه المؤسسات إلى التريث في اتخاذ مثل هذه الخطوات.
وقد أدى هذا السيناريو إلى تراجع رهانات المستثمرين على خفض الفائدة في المدى القريب، وهو ما انعكس بدوره على أداء الأسواق المالية العالمية.
استمرار عدم اليقين في الأسواق
يشير خبراء اقتصاديون إلى أن مستقبل الأسواق العالمية خلال الفترة المقبلة سيظل مرتبطاً إلى حد كبير بتطورات الصراع في الشرق الأوسط ومدى تأثيره على إمدادات الطاقة. ونقلت تقارير إعلامية عن محللين قولهم إن «كل شيء يعتمد على مدة النزاع»، في ظل تضارب المؤشرات حول إمكانية احتواء التصعيد أو استمراره لفترة طويلة.
كما أن استمرار الهجمات على البنى التحتية للطاقة في المنطقة، إضافة إلى التوتر في حركة الملاحة البحرية، يزيد من حالة عدم اليقين في الأسواق العالمية.