تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ناقوس‭ ‬الخطر‭ ‬يدق‭ ‬عالميًا‭ ‬والأسواق‭ ‬المتوترة‭ ‬تنذر‭ ‬بمرحلة‭ ‬اقتصادية‭ ‬قاسية

GF33

تمرّ‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية‭ ‬اليوم‭ ‬بحالة‭ ‬من‭ ‬الترقب‭ ‬والقلق،‭ ‬وسط‭ ‬استحضار‭ ‬متكرر‭ ‬لذكرى‭ ‬انهيار‭ ‬مصرف‭ ‬‮«‬ليمان‭ ‬برذرز‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬أشعل‭ ‬قبل‭ ‬سنوات‭ ‬الأزمة‭ ‬المالية‭ ‬العالمية‭. ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬الراهن،‭ ‬تسود‭ ‬مخاوف‭ ‬من‭ ‬ظهور‭ ‬صدمات‭ ‬مفاجئة‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬المالي،‭ ‬إذ‭ ‬تُظهر‭ ‬حركة‭ ‬الأسواق‭ ‬أن‭ ‬الاضطرابات‭ ‬لا‭ ‬تأتي‭ ‬بنمط‭ ‬واحد‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬توقيت‭ ‬لحظتها‭ ‬بدقة‭. ‬ويرى‭ ‬محللون‭ ‬أن‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬المؤشرات،‭ ‬عند‭ ‬النظر‭ ‬إليها‭ ‬مجتمعة،‭ ‬تعكس‭ ‬هشاشة‭ ‬متزايدة‭ ‬في‭ ‬بنية‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬مقارنة‭ ‬بما‭ ‬كانت‭ ‬عليه‭ ‬قبل‭ ‬أزمات‭ ‬سابقة‭.‬
أولى‭ ‬هذه‭ ‬الإشارات‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬الضخامة‭ ‬المتنامية‭ ‬لحجم‭ ‬الديون‭ ‬العالمية،‭ ‬وهي‭ ‬مسألة‭ ‬يواصل‭ ‬بنك‭ ‬التسويات‭ ‬الدولية‭ ‬التحذير‭ ‬منها‭. ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬القلق‭ ‬على‭ ‬ارتفاع‭ ‬مستويات‭ ‬الدين‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬إلى‭ ‬تراجع‭ ‬نوعيته،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تضخم‭ ‬الديون‭ ‬السيادية‭ ‬التي‭ ‬تشكل‭ ‬جزءاً‭ ‬كبيراً‭ ‬من‭ ‬إجمالي‭ ‬الدين‭ ‬العالمي‭. ‬ومع‭ ‬ارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة‭ ‬وتراجع‭ ‬سنوات‭ ‬التيسير‭ ‬النقدي،‭ ‬ترتفع‭ ‬كلفة‭ ‬خدمة‭ ‬هذه‭ ‬الديون‭ ‬وإعادة‭ ‬تمويلها،‭ ‬بينما‭ ‬تسجل‭ ‬نسب‭ ‬الدين‭ ‬العام‭ ‬إلى‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬الإجمالي‭ ‬مستويات‭ ‬تاريخية‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الكبرى،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬منطقة‭ ‬اليورو‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬ما‭ ‬يضيق‭ ‬هامش‭ ‬المناورة‭ ‬المالية‭ ‬للحكومات‭.‬
ثاني‭ ‬المؤشرات‭ ‬يرتبط‭ ‬بسياسات‭ ‬البنوك‭ ‬المركزية‭ ‬التي‭ ‬ضخت‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الماضية‭ ‬تريليونات‭ ‬الدولارات‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬عبر‭ ‬برامج‭ ‬التيسير‭ ‬النقدي‭. ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬التحولات‭ ‬الأخيرة‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة،‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬الموازنات‭ ‬العمومية‭ ‬للبنوك‭ ‬المركزية‭ ‬مثقلة‭ ‬بأصول‭ ‬ضخمة،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يحد‭ ‬من‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬إطلاق‭ ‬أدوات‭ ‬جديدة‭ ‬لمواجهة‭ ‬أي‭ ‬ركود‭ ‬محتمل‭. ‬ويعني‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬هامش‭ ‬التحرك‭ ‬النقدي‭ ‬بات‭ ‬أضيق‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬تعرض‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬tلصدمة‭ ‬واسعة‭ ‬النطاق‭.‬
أما‭ ‬العامل‭ ‬الثالث‭ ‬فيتجلى‭ ‬في‭ ‬التحولات‭ ‬السياسية‭ ‬داخل‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الكبرى،‭ ‬حيث‭ ‬تشهد‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬صعوداً‭ ‬لتيارات‭ ‬شعبوية‭ ‬وتزايداً‭ ‬في‭ ‬تمثيل‭ ‬الأحزاب‭ ‬الصغيرة‭ ‬داخل‭ ‬البرلمانات‭. ‬هذا‭ ‬المشهد‭ ‬السياسي‭ ‬المتشظي‭ ‬يضعف‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تمرير‭ ‬سياسات‭ ‬اقتصادية‭ ‬شاملة‭ ‬وطويلة‭ ‬الأمد،‭ ‬ويجعل‭ ‬عملية‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬تحتاج‭ ‬فيها‭ ‬الأسواق‭ ‬إلى‭ ‬رسائل‭ ‬واضحة‭ ‬ومستقرة‭.‬
ويبرز‭ ‬العامل‭ ‬الرابع‭ ‬في‭ ‬تراجع‭ ‬مستوى‭ ‬الثقة‭ ‬بالنظام‭ ‬الدولي‭ ‬وآليات‭ ‬التعاون‭ ‬المتعدد‭ ‬الأطراف‭. ‬فالتباينات‭ ‬بين‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى،‭ ‬وتراجع‭ ‬فعالية‭ ‬بعض‭ ‬الأطر‭ ‬الدولية‭ ‬مثل‭ ‬مجموعتي‭ ‬السبع‭ ‬والعشرين،‭ ‬يحدان‭ ‬من‭ ‬القدرة‭ ‬الجماعية‭ ‬على‭ ‬تنسيق‭ ‬الاستجابات‭ ‬للأزمات‭ ‬العابرة‭ ‬للحدود‭. ‬وفي‭ ‬أوروبا،‭ ‬تتعمق‭ ‬الانقسامات‭ ‬بين‭ ‬دول‭ ‬الشرق‭ ‬والغرب‭ ‬حول‭ ‬ملفات‭ ‬حيوية‭ ‬مثل‭ ‬الهجرة‭ ‬والسياسات‭ ‬المالية،‭ ‬بينما‭ ‬يظل‭ ‬خروج‭ ‬بريطانيا‭ ‬من‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬مثالاً‭ ‬بارزاً‭ ‬على‭ ‬التحولات‭ ‬التي‭ ‬أعادت‭ ‬رسم‭ ‬خريطة‭ ‬التوازنات‭ ‬السياسية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬في‭ ‬القارة‭.‬
في‭ ‬ضوء‭ ‬هذه‭ ‬المؤشرات‭ ‬مجتمعة،‭ ‬يبقى‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬اختبار‭ ‬مستمر،‭ ‬بين‭ ‬محاولات‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬النمو‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬والاستعداد‭ ‬لمواجهة‭ ‬صدمات‭ ‬محتملة‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬في‭ ‬مشهد‭ ‬تتقاطع‭ ‬فيه‭ ‬الضغوط‭ ‬المالية‭ ‬مع‭ ‬التحولات‭ ‬السياسية‭ ‬وتحديات‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭.‬
صحيح‭ ‬أن‭ ‬القطاع‭ ‬المصرفي‭ ‬العالمي‭ ‬يبدو‭ ‬اليوم‭ ‬أكثر‭ ‬متانة‭ ‬مما‭ ‬كان‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2008،‭ ‬وأن‭ ‬صناع‭ ‬القرار‭ ‬يمتلكون‭ ‬أدوات‭ ‬أوسع‭ ‬للتعامل‭ ‬مع‭ ‬الأزمات،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬تراكُم‭ ‬الديون‭ ‬العالمية‭ ‬وتراجع‭ ‬جودتها،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬تضاؤل‭ ‬هامش‭ ‬السياسات‭ ‬المالية‭ ‬والنقدية‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬احتواء‭ ‬صدمة‭ ‬جديدة،‭ ‬يعيدان‭ ‬طرح‭ ‬تساؤلات‭ ‬حول‭ ‬مستوى‭ ‬الهشاشة‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الدولي‭. ‬ويضاف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬تراجع‭ ‬ثقل‭ ‬المراكز‭ ‬السياسية‭ ‬التي‭ ‬تشكلت‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية،‭ ‬وضعف‭ ‬منظومة‭ ‬التعاون‭ ‬الدولي‭ ‬وتآكل‭ ‬الثقة‭ ‬بها،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬تتصاعد‭ ‬فيه‭ ‬مخاطر‭ ‬الاحتكاكات‭ ‬التجارية‭ ‬بين‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وعدد‭ ‬من‭ ‬المراكز‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الكبرى،‭ ‬ما‭ ‬يضاعف‭ ‬الضغوط‭ ‬على‭ ‬الاستقرار‭ ‬الاقتصادي‭ ‬العالمي‭.‬
وفي‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تمثل‭ ‬المحرك‭ ‬الأكبر‭ ‬للاقتصاد‭ ‬العالمي،‭ ‬يواصل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الأميركي‭ ‬تسجيل‭ ‬أحد‭ ‬أطول‭ ‬فترات‭ ‬التوسع‭ ‬في‭ ‬تاريخه‭ ‬الحديث،‭ ‬رغم‭ ‬تباطؤ‭ ‬ملحوظ‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الأخرى‭. ‬وتشير‭ ‬البيانات‭ ‬الحالية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬وتيرة‭ ‬النمو‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬مدعومة‭ ‬بعوامل‭ ‬داخلية،‭ ‬فيما‭ ‬تراهن‭ ‬الإدارة‭ ‬الأميركية‭ ‬على‭ ‬استمرار‭ ‬هذا‭ ‬المسار‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬المقبلة‭ ‬بدعم‭ ‬من‭ ‬التخفيضات‭ ‬الضريبية‭ ‬والإصلاحات‭ ‬الهيكلية‭. ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬يحذر‭ ‬عدد‭ ‬متزايد‭ ‬من‭ ‬الاقتصاديين‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬مؤشرات‭ ‬التباطؤ‭ ‬بدأت‭ ‬تتشكل‭ ‬بالفعل،‭ ‬وأن‭ ‬ملامح‭ ‬ركود‭ ‬كامن‭ ‬تظهر‭ ‬في‭ ‬الأفق‭ ‬القريب‭.‬
ويعزو‭ ‬هؤلاء‭ ‬هذا‭ ‬القلق‭ ‬إلى‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬العوامل‭ ‬التي‭ ‬تتفاعل‭ ‬حالياً‭ ‬داخل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الأميركي‭. ‬فالإجراءات‭ ‬الجمركية‭ ‬التي‭ ‬تتوسع‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬السياسات‭ ‬التجارية‭ ‬تلقي‭ ‬بظلالها‭ ‬على‭ ‬مكاسب‭ ‬الشركات‭ ‬من‭ ‬التخفيضات‭ ‬الضريبية‭ ‬السابقة،‭ ‬وسط‭ ‬توقعات‭ ‬بتراجع‭ ‬فرص‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬قطاعات‭ ‬معينة،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬الصناعات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بسلاسل‭ ‬التوريد‭ ‬العالمية‭ ‬وصناعة‭ ‬السيارات‭ ‬وأجزائها‭.‬
كما‭ ‬يواجه‭ ‬قطاع‭ ‬الصناعة‭ ‬التحويلية‭ ‬ضغوطاً‭ ‬متزايدة‭ ‬نتيجة‭ ‬ارتفاع‭ ‬كلفة‭ ‬المدخلات‭ ‬وأسعار‭ ‬الطاقة،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬تتباطأ‭ ‬فيه‭ ‬وتيرة‭ ‬الطلب‭ ‬المحلي‭ ‬والخارجي‭. ‬وتظهر‭ ‬مؤشرات‭ ‬الأعمال‭ ‬تراجعاً‭ ‬في‭ ‬مستويات‭ ‬التفاؤل‭ ‬لدى‭ ‬الشركات،‭ ‬مع‭ ‬مخاوف‭ ‬من‭ ‬فائض‭ ‬في‭ ‬الإنتاج‭ ‬قد‭ ‬يدفع‭ ‬بعض‭ ‬المصانع‭ ‬إلى‭ ‬تقليص‭ ‬نشاطها‭ ‬خلال‭ ‬الأشهر‭ ‬المقبلة‭.‬
وفي‭ ‬السياق‭ ‬نفسه،‭ ‬تبدأ‭ ‬بعض‭ ‬الشركات‭ ‬بإعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬مواقع‭ ‬إنتاجها،‭ ‬مدفوعة‭ ‬بارتفاع‭ ‬كلفة‭ ‬التصنيع‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالرسوم‭ ‬الجمركية‭ ‬على‭ ‬المواد‭ ‬الأساسية‭ ‬مثل‭ ‬الحديد‭ ‬والألمنيوم‭. ‬وتؤكد‭ ‬شركات‭ ‬صغيرة‭ ‬ومتوسطة‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬التطورات‭ ‬تضغط‭ ‬على‭ ‬هوامش‭ ‬أرباحها‭ ‬وتحد‭ ‬من‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬التوسع‭ ‬والاستثمار‭.‬
أما‭ ‬الأسواق‭ ‬المالية،‭ ‬فتراقب‭ ‬عن‭ ‬كثب‭ ‬تداعيات‭ ‬السياسات‭ ‬التجارية‭ ‬والنقدية،‭ ‬وتعيد‭ ‬تسعير‭ ‬المخاطر‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬القصير‭ ‬والطويل‭. ‬ويبرز‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الإطار‭ ‬تقلص‭ ‬الفارق‭ ‬بين‭ ‬عوائد‭ ‬السندات‭ ‬قصيرة‭ ‬الأجل‭ ‬وطويلة‭ ‬الأجل‭ ‬كمؤشر‭ ‬يتابعه‭ ‬المستثمرون‭ ‬عن‭ ‬كثب،‭ ‬باعتباره‭ ‬يعكس‭ ‬تزايد‭ ‬المخاوف‭ ‬من‭ ‬تباطؤ‭ ‬اقتصادي‭ ‬محتمل،‭ ‬ويؤثر‭ ‬على‭ ‬مستويات‭ ‬الثقة‭ ‬والسيولة‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية‭.‬
وتتراجع‭ ‬ثقة‭ ‬المستهلكين‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الكبرى،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬استمرار‭ ‬النزاعات‭ ‬التجارية‭ ‬بين‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وشركائها‭ ‬الرئيسيين‭. ‬وتُظهر‭ ‬المؤشرات‭ ‬الحالية‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التراجع‭ ‬يأتي‭ ‬بعد‭ ‬فترات‭ ‬من‭ ‬التحسن‭ ‬النسبي،‭ ‬ما‭ ‬يوحي‭ ‬بأن‭ ‬الزخم‭ ‬الاقتصادي‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يكتسب‭ ‬قوة‭ ‬إضافية‭ ‬في‭ ‬الأشهر‭ ‬المقبلة،‭ ‬رغم‭ ‬بقاء‭ ‬مستويات‭ ‬الثقة‭ ‬عند‭ ‬حدود‭ ‬مقبولة‭ ‬تاريخياً‭.‬
وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬تتجه‭ ‬أسعار‭ ‬المستهلك‭ ‬إلى‭ ‬الارتفاع،‭ ‬مع‭ ‬شروع‭ ‬الصناعيين‭ ‬والمزارعين‭ ‬في‭ ‬تمرير‭ ‬كلفة‭ ‬الإنتاج‭ ‬المتزايدة‭ ‬إلى‭ ‬الأسواق‭ ‬النهائية‭. ‬ويعزز‭ ‬هذا‭ ‬المسار‭ ‬الضغوط‭ ‬التضخمية‭ ‬التي‭ ‬تسجل‭ ‬بالفعل‭ ‬اتجاهاً‭ ‬صعودياً،‭ ‬فيما‭ ‬يحذر‭ ‬مراقبون‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تطبيق‭ ‬كامل‭ ‬الرسوم‭ ‬الجمركية‭ ‬قد‭ ‬يدفع‭ ‬السيناريو‭ ‬الأسوأ‭ ‬إلى‭ ‬الواجهة،‭ ‬عبر‭ ‬تسارع‭ ‬وتيرة‭ ‬التضخم‭ ‬وتآكل‭ ‬القدرة‭ ‬الشرائية‭ ‬للأسر‭.‬

التمويل‭ ‬ضرورة‭ ‬للمشاريع‭ ‬الصغيرة‭ ‬لكنه‭ ‬ليس‭ ‬كافياً

يتزايد‭ ‬اهتمام‭ ‬الحكومات‭ ‬والمؤسسات‭ ‬الدولية‭ ‬اليوم‭ ‬بالمشاريع‭ ‬الصغيرة‭ ‬والمتوسطة‭ ‬ومتناهية‭ ‬الصغر،‭ ‬باعتبارها‭ ‬محركاً‭ ‬رئيسياً‭ ‬للنمو‭ ‬ورافعة‭ ‬أساسية‭ ‬لخلق‭ ‬فرص‭ ‬العمل،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬بين‭ ‬فئة‭ ‬الشباب‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬نقص‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬الأولي‭ ‬يظل‭ ‬العقبة‭ ‬الأبرز‭ ‬أمام‭ ‬إطلاق‭ ‬هذه‭ ‬المبادرات،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬تميل‭ ‬فيه‭ ‬المصارف‭ ‬إلى‭ ‬التحفظ‭ ‬في‭ ‬منح‭ ‬القروض،‭ ‬ولا‭ ‬تقدم‭ ‬التمويل‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬الحالات‭ ‬التي‭ ‬تضمن‭ ‬فيها‭ ‬استرداد‭ ‬أموالها‭ ‬مع‭ ‬العوائد‭.‬
ويرى‭ ‬مختصون‭ ‬أن‭ ‬توفير‭ ‬التمويل،‭ ‬خصوصاً‭ ‬للمبتدئين‭ ‬الذين‭ ‬يفتقرون‭ ‬إلى‭ ‬رأس‭ ‬المال،‭ ‬يشكل‭ ‬حجر‭ ‬الزاوية‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬ريادة‭ ‬الأعمال،‭ ‬لكنه‭ ‬لا‭ ‬يكفي‭ ‬وحده‭ ‬لضمان‭ ‬النجاح‭. ‬فالحماس‭ ‬الذي‭ ‬يرافق‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬قروض‭ ‬ميسرة‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬مضمونة‭ ‬قد‭ ‬يدفع‭ ‬بعض‭ ‬رواد‭ ‬الأعمال‭ ‬إلى‭ ‬تجاهل‭ ‬عوامل‭ ‬حاسمة‭ ‬أخرى،‭ ‬في‭ ‬مقدمتها‭ ‬جدوى‭ ‬المشروع‭ ‬ووجود‭ ‬حاجة‭ ‬حقيقية‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬السوق‭.‬
وتبرز‭ ‬دراسات‭ ‬الجدوى‭ ‬اليوم‭ ‬كأداة‭ ‬أساسية‭ ‬في‭ ‬تقييم‭ ‬فرص‭ ‬النجاح،‭ ‬إذ‭ ‬تؤكد‭ ‬أهمية‭ ‬التأكد‭ ‬من‭ ‬وجود‭ ‬طلب‭ ‬فعلي‭ ‬على‭ ‬المنتج‭ ‬أو‭ ‬الخدمة‭ ‬في‭ ‬الموقع‭ ‬المستهدف،‭ ‬ومن‭ ‬عدم‭ ‬تشبع‭ ‬السوق‭ ‬بمشاريع‭ ‬مماثلة‭ ‬تعاني‭ ‬أصلاً‭ ‬من‭ ‬ضعف‭ ‬الإقبال‭. ‬وتشير‭ ‬تجارب‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬غياب‭ ‬هذا‭ ‬التقييم‭ ‬المسبق‭ ‬يؤدي‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬إلى‭ ‬إطلاق‭ ‬مشاريع‭ ‬في‭ ‬بيئات‭ ‬تنافسية‭ ‬مكتظة،‭ ‬ما‭ ‬يضعف‭ ‬فرص‭ ‬الاستمرار‭ ‬ويحوّل‭ ‬القروض‭ ‬من‭ ‬أداة‭ ‬تمكين‭ ‬إلى‭ ‬عبء‭ ‬مالي‭ ‬إضافي‭ ‬على‭ ‬أصحابها‭.‬

رجوع لأعلى