ناقوس الخطر يدق عالميًا والأسواق المتوترة تنذر بمرحلة اقتصادية قاسية
تمرّ الأسواق العالمية اليوم بحالة من الترقب والقلق، وسط استحضار متكرر لذكرى انهيار مصرف «ليمان برذرز» الذي أشعل قبل سنوات الأزمة المالية العالمية. وفي الوقت الراهن، تسود مخاوف من ظهور صدمات مفاجئة في النظام المالي، إذ تُظهر حركة الأسواق أن الاضطرابات لا تأتي بنمط واحد ولا يمكن توقيت لحظتها بدقة. ويرى محللون أن مجموعة من المؤشرات، عند النظر إليها مجتمعة، تعكس هشاشة متزايدة في بنية الاقتصاد العالمي مقارنة بما كانت عليه قبل أزمات سابقة.
أولى هذه الإشارات تتمثل في الضخامة المتنامية لحجم الديون العالمية، وهي مسألة يواصل بنك التسويات الدولية التحذير منها. لا يقتصر القلق على ارتفاع مستويات الدين فحسب، بل يمتد إلى تراجع نوعيته، في ظل تضخم الديون السيادية التي تشكل جزءاً كبيراً من إجمالي الدين العالمي. ومع ارتفاع أسعار الفائدة وتراجع سنوات التيسير النقدي، ترتفع كلفة خدمة هذه الديون وإعادة تمويلها، بينما تسجل نسب الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي مستويات تاريخية في عدد من الاقتصادات الكبرى، بما في ذلك منطقة اليورو والولايات المتحدة، ما يضيق هامش المناورة المالية للحكومات.
ثاني المؤشرات يرتبط بسياسات البنوك المركزية التي ضخت خلال السنوات الماضية تريليونات الدولارات في الأسواق عبر برامج التيسير النقدي. وعلى الرغم من التحولات الأخيرة في مسار أسعار الفائدة، لا تزال الموازنات العمومية للبنوك المركزية مثقلة بأصول ضخمة، الأمر الذي يحد من قدرتها على إطلاق أدوات جديدة لمواجهة أي ركود محتمل. ويعني ذلك أن هامش التحرك النقدي بات أضيق في حال تعرض الاقتصاد العالمي tلصدمة واسعة النطاق.
أما العامل الثالث فيتجلى في التحولات السياسية داخل الاقتصادات الكبرى، حيث تشهد العديد من الدول صعوداً لتيارات شعبوية وتزايداً في تمثيل الأحزاب الصغيرة داخل البرلمانات. هذا المشهد السياسي المتشظي يضعف القدرة على تمرير سياسات اقتصادية شاملة وطويلة الأمد، ويجعل عملية اتخاذ القرار أكثر تعقيداً في لحظة تحتاج فيها الأسواق إلى رسائل واضحة ومستقرة.
ويبرز العامل الرابع في تراجع مستوى الثقة بالنظام الدولي وآليات التعاون المتعدد الأطراف. فالتباينات بين القوى الكبرى، وتراجع فعالية بعض الأطر الدولية مثل مجموعتي السبع والعشرين، يحدان من القدرة الجماعية على تنسيق الاستجابات للأزمات العابرة للحدود. وفي أوروبا، تتعمق الانقسامات بين دول الشرق والغرب حول ملفات حيوية مثل الهجرة والسياسات المالية، بينما يظل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي مثالاً بارزاً على التحولات التي أعادت رسم خريطة التوازنات السياسية والاقتصادية في القارة.
في ضوء هذه المؤشرات مجتمعة، يبقى الاقتصاد العالمي اليوم في حالة اختبار مستمر، بين محاولات الحفاظ على النمو من جهة، والاستعداد لمواجهة صدمات محتملة من جهة أخرى، في مشهد تتقاطع فيه الضغوط المالية مع التحولات السياسية وتحديات النظام الدولي.
صحيح أن القطاع المصرفي العالمي يبدو اليوم أكثر متانة مما كان عليه في عام 2008، وأن صناع القرار يمتلكون أدوات أوسع للتعامل مع الأزمات، إلا أن تراكُم الديون العالمية وتراجع جودتها، إلى جانب تضاؤل هامش السياسات المالية والنقدية القادرة على احتواء صدمة جديدة، يعيدان طرح تساؤلات حول مستوى الهشاشة في النظام الاقتصادي الدولي. ويضاف إلى ذلك تراجع ثقل المراكز السياسية التي تشكلت بعد الحرب العالمية الثانية، وضعف منظومة التعاون الدولي وتآكل الثقة بها، في وقت تتصاعد فيه مخاطر الاحتكاكات التجارية بين الولايات المتحدة وعدد من المراكز الاقتصادية الكبرى، ما يضاعف الضغوط على الاستقرار الاقتصادي العالمي.
وفي الولايات المتحدة، التي لا تزال تمثل المحرك الأكبر للاقتصاد العالمي، يواصل الاقتصاد الأميركي تسجيل أحد أطول فترات التوسع في تاريخه الحديث، رغم تباطؤ ملحوظ في عدد من الاقتصادات الأخرى. وتشير البيانات الحالية إلى أن وتيرة النمو ما زالت مدعومة بعوامل داخلية، فيما تراهن الإدارة الأميركية على استمرار هذا المسار خلال السنوات المقبلة بدعم من التخفيضات الضريبية والإصلاحات الهيكلية. في المقابل، يحذر عدد متزايد من الاقتصاديين من أن مؤشرات التباطؤ بدأت تتشكل بالفعل، وأن ملامح ركود كامن تظهر في الأفق القريب.
ويعزو هؤلاء هذا القلق إلى مجموعة من العوامل التي تتفاعل حالياً داخل الاقتصاد الأميركي. فالإجراءات الجمركية التي تتوسع في إطار السياسات التجارية تلقي بظلالها على مكاسب الشركات من التخفيضات الضريبية السابقة، وسط توقعات بتراجع فرص العمل في قطاعات معينة، ولا سيما الصناعات المرتبطة بسلاسل التوريد العالمية وصناعة السيارات وأجزائها.
كما يواجه قطاع الصناعة التحويلية ضغوطاً متزايدة نتيجة ارتفاع كلفة المدخلات وأسعار الطاقة، في وقت تتباطأ فيه وتيرة الطلب المحلي والخارجي. وتظهر مؤشرات الأعمال تراجعاً في مستويات التفاؤل لدى الشركات، مع مخاوف من فائض في الإنتاج قد يدفع بعض المصانع إلى تقليص نشاطها خلال الأشهر المقبلة.
وفي السياق نفسه، تبدأ بعض الشركات بإعادة النظر في مواقع إنتاجها، مدفوعة بارتفاع كلفة التصنيع المرتبطة بالرسوم الجمركية على المواد الأساسية مثل الحديد والألمنيوم. وتؤكد شركات صغيرة ومتوسطة أن هذه التطورات تضغط على هوامش أرباحها وتحد من قدرتها على التوسع والاستثمار.
أما الأسواق المالية، فتراقب عن كثب تداعيات السياسات التجارية والنقدية، وتعيد تسعير المخاطر على المدى القصير والطويل. ويبرز في هذا الإطار تقلص الفارق بين عوائد السندات قصيرة الأجل وطويلة الأجل كمؤشر يتابعه المستثمرون عن كثب، باعتباره يعكس تزايد المخاوف من تباطؤ اقتصادي محتمل، ويؤثر على مستويات الثقة والسيولة في الأسواق العالمية.
وتتراجع ثقة المستهلكين في عدد من الاقتصادات الكبرى، في ظل استمرار النزاعات التجارية بين الولايات المتحدة وشركائها الرئيسيين. وتُظهر المؤشرات الحالية أن هذا التراجع يأتي بعد فترات من التحسن النسبي، ما يوحي بأن الزخم الاقتصادي قد لا يكتسب قوة إضافية في الأشهر المقبلة، رغم بقاء مستويات الثقة عند حدود مقبولة تاريخياً.
وفي الوقت نفسه، تتجه أسعار المستهلك إلى الارتفاع، مع شروع الصناعيين والمزارعين في تمرير كلفة الإنتاج المتزايدة إلى الأسواق النهائية. ويعزز هذا المسار الضغوط التضخمية التي تسجل بالفعل اتجاهاً صعودياً، فيما يحذر مراقبون من أن تطبيق كامل الرسوم الجمركية قد يدفع السيناريو الأسوأ إلى الواجهة، عبر تسارع وتيرة التضخم وتآكل القدرة الشرائية للأسر.
التمويل ضرورة للمشاريع الصغيرة لكنه ليس كافياً
يتزايد اهتمام الحكومات والمؤسسات الدولية اليوم بالمشاريع الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر، باعتبارها محركاً رئيسياً للنمو ورافعة أساسية لخلق فرص العمل، ولا سيما بين فئة الشباب. غير أن نقص رأس المال الأولي يظل العقبة الأبرز أمام إطلاق هذه المبادرات، في وقت تميل فيه المصارف إلى التحفظ في منح القروض، ولا تقدم التمويل إلا في الحالات التي تضمن فيها استرداد أموالها مع العوائد.
ويرى مختصون أن توفير التمويل، خصوصاً للمبتدئين الذين يفتقرون إلى رأس المال، يشكل حجر الزاوية في دعم ريادة الأعمال، لكنه لا يكفي وحده لضمان النجاح. فالحماس الذي يرافق الحصول على قروض ميسرة أو غير مضمونة قد يدفع بعض رواد الأعمال إلى تجاهل عوامل حاسمة أخرى، في مقدمتها جدوى المشروع ووجود حاجة حقيقية له في السوق.
وتبرز دراسات الجدوى اليوم كأداة أساسية في تقييم فرص النجاح، إذ تؤكد أهمية التأكد من وجود طلب فعلي على المنتج أو الخدمة في الموقع المستهدف، ومن عدم تشبع السوق بمشاريع مماثلة تعاني أصلاً من ضعف الإقبال. وتشير تجارب في عدد من الدول النامية إلى أن غياب هذا التقييم المسبق يؤدي في كثير من الأحيان إلى إطلاق مشاريع في بيئات تنافسية مكتظة، ما يضعف فرص الاستمرار ويحوّل القروض من أداة تمكين إلى عبء مالي إضافي على أصحابها.