نزيف العلماء يهدد تنافسية الاقتصاد الأمريكي
الحقائق المزعجة تحتاج إلى عقول قادرة على تحمّلها، ولهذا تواصل إدارة ترامب الثانية – وفق ما أوردته صحيفة فايننشال تايمز – التقليل من شأن العلماء وتشويه صورتهم، بل وتهيئة بيئة تدفع بعضهم إلى مغادرة مواقعهم.
حرب العلم
تشير المعطيات إلى أن آثار المواجهة مع المجتمع العلمي باتت واضحة؛ إذ غادر أكثر من 10 آلاف من حملة الدكتوراه في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات والصحة المؤسسات الفيدرالية الأمريكية خلال العام الماضي، نتيجة الفصل أو التقاعد أو الاستقالة.
وبيّن تحليل حديث نشرته مجلة «ساينس» أن هذا الرقم يعادل ثلاثة أضعاف الخسائر المسجّلة في السنة الأخيرة من إدارة بايدن. ورغم تعيين بعض الكفاءات الجديدة، فإن الصورة العامة عبر 14 وكالة فيدرالية تعمل في قطاعات الصحة والأرصاد الجوية والبيئة تُظهر هجرة صافية تجاوزت 4 آلاف موظف من ذوي المهارات العالية.
قرارات مثيرة
يتجلّى نقص الخبرات العلمية في جملة من الإجراءات الأخيرة؛ منها قرار إلغاء تصنيف غازات الاحتباس الحراري باعتبارها «خطراً يهدد صحة الإنسان»، وهو تصنيف يشكّل أساساً للتشريعات المناخية، إضافة إلى تراجع مستوى أبحاث التأهب للأوبئة لدى الوكالة الصحية المعنية بالأمراض المعدية. كما رفضت الجهات التنظيمية هذا الشهر مراجعة لقاح موديرنا الجديد للإنفلونزا بتقنية الحمض النووي الريبوزي المرسال «إم آر إن إيه».
جدل سياسي
وترى «فايننشال تايمز» أن كثيراً من هذه القرارات يستند إلى حجج سياسية أكثر من اعتماده على الأدلة العلمية، مثل الحديث عن «خدعة المناخ» أو الادعاءات غير المثبتة بشأن تلقي الأطفال جرعات زائدة من اللقاحات.
والنتيجة، بحسب التقرير، هي تسارع هجرة الباحثين الأمريكيين إلى الخارج في نزيف واضح للعقول، في وقت بدأت فيه شركات الأدوية التشكيك علناً في جدوى استثماراتها المستقبلية داخل الولايات المتحدة، بينما تسجل البلاد أعلى عدد من حالات الحصبة المبلغ عنها منذ إعلان القضاء على المرض عام 2000.
نزيف الخبرات
وتكشف بيانات التوظيف الصادرة عن مكتب إدارة شؤون الموظفين في البيت الأبيض أن المعاهد الوطنية للصحة تصدّرت قائمة المغادرين، حيث غادرها 1100 موظف في عام 2025 مقارنة بـ421 في العام السابق. كما تضررت الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي، ووكالة حماية البيئة، ودائرة الغابات الأمريكية. وشهدت المؤسسة الوطنية للعلوم انخفاضاً صافياً بنسبة 40% في عدد الحاصلين على الدكتوراه لديها، وهو ما يعادل – وفق تقديرات التقرير – ضياع نحو 107 آلاف عام من الخبرات المتراكمة.
أسباب النزوح
ورغم أن التقاعـد والاستقالـة يُعدّان مغـادرة طوعية، فإن السياسات الحكومية – بحسب ما نقلته «فايننشال تايمز» – أسهمت في تسريع النزوح عبر خفض الإنفاق بشكل واسع، ولا سيما من خلال ما سُمّي بوزارة الكفاءة الحكومية، إلى جانب تعيين شخصيات ذات توجهات أيديولوجيـة في مواقـع قيادية، وفرض قيود مشددة على ما يمكن للباحثين قوله أو نشـره. وتشيـر نتائج استطـلاع أُجـري العام الماضـي إلى أن ثـلاثة أربـاع الباحثين يفكـرون جدياً في مغادرة الولايات المتحدة.
منافسة عالمية
في المقابل، خصص الاتحاد الأوروبي 500 مليون يورو لجذب العلماء، مقدماً ضمانات قانونية للحرية الأكاديمية والتزاماً واضحاً بالتنوع والشمول، فيما أطلقت جامعة إيكس مارسيليا «برنامج لجوء علمي» العام الماضي. ووصفت الصحيفة المناخ المتنامي من المشاعر المعادية للعلم والتحيز ضد العلماء من أصول صينية بأنه «هدية من ترامب»، في وقت تكثّف فيه بكين جهودها لاستقطاب الكفاءات في مجالات الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات وتقنيات الكم.