نقلة نوعية في تقديم الخدمات المالية وتمكين شركات التكنولوجيا المالية
قالت دراسة حديثة صادرة عن معهد الدراسات المصرفية انه في ظل التحوّلات الرقمية المتسارعة التي يشهدها القطاع المالي عالمياً، ظهرت نماذج مصرفية مبتكرة تعيد تشكيل العلاقة التقليدية بين البنوك والعملاء، ومن أبرز هذه النماذج «الصيرفة كخدمة» (Banking-as-a-Service – BaaS)، التي تمثل نقلة نوعية في طريقة تقديم الخدمات المالية، ويساهم مفهوم الصيرفة كخدمة بشكل رئيسي في تمكين الجهات غير المصرفية – مثل شركات التكنولوجيا المالية (FinTech Firms) أو المؤسسات التجارية من تقديم خدمات مصرفية متكاملة لعملائها، دون الحاجة إلى امتلاك ترخيص مصرفي مستقل، وذلك من خلال الاستفادة من البنية التحتية والأنظمة التنظيمية التي توفرها البنوك المرخصة. وتعد الصيرفة كخدمة BaaS أحد أبرز تطبيقات الاقتصاد الرقمي، حيث يدمج بين المرونة التقنية والنماذج التعاونية، مما يفتح آفاقاً جديدة للابتكار، ويوسّع من نطاق الوصول إلى الخدمات المالية، خاصة في الاقتصادات الناشئة التي تتطلب حلولاً مصرفية مخصصة وقابلة للتوسع.
وفي هذه الإضاءة يتم التركيز على آلية عمل الصيرفة كخدمة (BaaS)، إضافة إلى بيان فوائد الصيرفة كخدمة (BaaS)، ثم توضيح التحديات والمخاطر المتعلقة بها، وأهم تطبيقات الصيرفة كخدمة (BaaS) في دولة الكويت.
آلية عمل الصيرفة
كخدمة (BaaS)
أشارت المجموعة الاستشارية لتعزيز المجتمعات المهمشة بالولايات المتحدة الأمريكية (Consultative Group to Assist the Poor “CGAP”) ضمن إطار تركيزها على توسيع الشمول المالي، إلى أن الصيرفة كخدمة «BaaS « هي شركات تكنولوجية تمتلك ترخيصاً مصرفياً، وتقدّم مزيجًا من الخدمات المصرفية كخدمة موجّهة لنموذج الأعمال بين الشركات (Business to Business B2B)، وغالبًا ما تشمل قاعدة العملاء كيانات غير مصرفية تسعى لتقديم منتجات وخدمات مصرفية دون الحاجة إلى امتلاك ترخيص مصرفي خاص بها، وبذلك تعكس شركات BaaS الاتجاه نحو تحويل الخدمات المصرفية الأساسية إلى منتجات معيارية قابلة للتبادل، في إطار سوق مالي يتجه بشكل متزايد نحو تفكيك سلسلة القيمة التقليدية للخدمات المالية، حيث ارتبطت سلسة القيمة التقليدية للخدمات المالية بمجموعة من الأنشطة المتكاملة كاستقبال الودائع وتقديم القروض والتسهيلات التجارية وغيرها عن طريق مؤسسات مصرفية، ولكن مفهوم الصيرفة كخدمة يساهم في توسيع تقديم خدمات مالية أكثر تطوراً، تستفيد منها المؤسسات المصرفية وغير المصرفية.
وتعتمد آلية عمل الصيرفة كخدمة (BaaS) على دمج بنية تكنولوجية متقدمة مع ترخيص مصرفي وموازنة مالية تقديرية، بحيث يقوم مزوّد الخدمة بتوفير منصة تقنية مرنة تعتمد على واجهات برمجة التطبيقات (Application Programming Interfaces APIs)، مدمجة مع قدرات تنظيمية ومصرفية مرخّصة. وبخلاف شركات تكنولوجيا المالية التقليدية التي تقتصر على تقديم الجانب التقني فقط، يقوم مزوّد خدمة الصيرفة بتوفير حزمة شاملة تشمل كلاً من التقنية والترخيص، ما يجعل الخدمة متكاملة وقابلة للاستخدام من قبل جهات غير مصرفية.
ومن أحد نماذج التطبيقات المتعلقة بعمل الصيرفة كخدمة (BaaS) منصة «Solaris» الموجودة في أوروبا حيث تجمع بين كونها شركة تكنولوجية وبين امتلاكها ترخيصًا مصرفيًا في دولة ألمانيا، حيث يتيح هذا النموذج المؤسسات الأخرى غير المصرفية تقديم خدمات مالية خاصة بها بالاعتماد على تسهيلات منصة “Solaris” . ومن خلال واجهات برمجة التطبيقات (APIs)، وبذلك يستطيع الشركاء دمج الحلول المصرفية المعيارية التي توفرها «Solaris» بشكل مباشر ضمن منتجاتهم. وتشمل هذه الحلول: الحسابات المصرفية الرقمية، بطاقات الدفع، خدمات التحقق من الهوية، الإقراض، وحفظ الأصول الرقمية، وغيرها من الخدمات التي يقدمها شركاء مدمجون في المنص،. وتخضع «Solaris» للرقابة من جانب البنك المركزي الأوروبي والهيئة الاتحادية الألمانية للرقابة المالية.
التحديات والمخاطر للصيرفة كخدمة (BaaS)
رغم المزايا التي تتمتع بها خدمة (BaaS)إلا أنه يوجد العديد من المخاطر والتحديات، من أبرزها:
● أولاً: مخاطر الامتثال والتنظيم، حيث يمثل نموذج الصيرفة كخدمة (BaaS) بيئة معقدة نظرًا لتعدد الأطراف المشاركة فيه، مثل البنوك المزوّدة للبنية التحتية وشركات التكنولوجيا المالية التي تقدم الخدمات للمستخدم النهائي.
● ثانياً: أمن المعلومات والأمن السيبراني، حيث تشكل حماية البيانات الحساسة والحفاظ على خصوصية العملاء أحد أهم التحديات في الشراكات بين البنوك وشركات التكنولوجيا المالية. فمخاطر الأمن السيبراني في هذا السياق متعددة، وتشمل: اختراقات البيانات، والهجمات الإلكترونية، وثغرات في أنظمة الأطراف الثالثة، بالإضافة إلى التهديدات الداخلية ومخاطر أمن الهواتف المحمولة وسرقة الهوية.
● ثالثاً: مخاطر الطرف الثالث، حيث أن العمل مع شركاء ضمن نموذج (BaaS)، يظهر تحديات إضافية تتعلق بمخاطر الأطراف الثالثة، خصوصًا تلك المرتبطة بالجوانب التشغيلية والتنظيمية؛ لذلك تحتاج البنوك لإجراء عملية الفحص النافي للجهالة (Due Diligence) عند اختيار شركائها، لضمان أنهم يمتلكون القدرة على الامتثال للضوابط التنظيمية وممارسة أعمالهم بأمان وكفاءة. كما يجب أن تكون هناك مراقبة مستمرة لهذه العلاقات من خلال مراجعات دورية وتقييمات أداء لضمان الاستمرارية والامتثال المستدام.
● رابعاً: مخاطر السمعة، فقد تنشأ مخاطر السمعة نتيجة لتصرفات أو إخفاقات تقع في نطاق عمل شركاء (BaaS) من شركات التكنولوجيا المالية. ومن أبرز مصادر هذه المخاطر: حدوث خروقات أمنية أو اختراقات بيانات، وتوقف مفاجئ في الخدمات، أو الإخفاق في الامتثال للوائح.
● خامساً: المخاطر المالية، حيث تتضمن البيئة التشغيلية لـ (BaaS) عددًا من المخاطر المالية، خاصة تلك المتعلقة بالسيولة وتقلبات السوق. وقد يؤدي ضعف الملاءة المالية لدى أحد الشركاء إلى عرقلة تقديم الخدمات أو حتى توقف الخدمة.
1.تطبيقات الصيرفة كخدمة (BaaS) في الكويت
مع تصاعد الأهمية الاستراتيجية للتكنولوجيا في القطاع المالي الكويتي، باتت الحاجة ملحّة لتبني نماذج مصرفية حديثة تواكب التغيرات الرقمية المتسارعة. وفي هذا السياق، تبرز «المصرفية المفتوحة» (Open Banking) كمبادرة محورية تحمل إمكانات واعدة لإحداث نقلة نوعية في منظومة الخدمات المالية داخل الكويت. وتستند هذه المبادرة إلى مبادئ رئيسية تشمل تمكين انتشار خدمات مصرفية رقمية موحدة، والموافقة المسبقة من العملاء، والتكامل الآمن، والتركيز على تلبية احتياجات العميل، ما يضعها في صميم مساعي التحول الرقمي في البلاد.
استجابة لهذه التوجهات، طوّر بنك الكويت المركزي إطارًا تنظيميًا متكاملاً تحت مسمى «إطار المصرفية المفتوحة في الكويت» (Kuwait Open Banking Framework – OBF) في مطلع شهر يونيو لعام 2025، يهدف إلى تمكين البنوك وشركات التكنولوجيا المالية (FinTech Firms) من تقديم خدمات ومنتجات مصرفية مفتوحة بطريقة منظمة ومتوافقة مع اللوائح التنظيمية المحلية، مع ضمان مستويات عالية من الأمان والشفافية. ويمثل هذا الإطار خطوة استراتيجية نحو إعادة صياغة دور المؤسسات المصرفية ومزودي خدمات المصرفية المفتوحة (Open Banking Service Providers “OBSPs”) في النظام المالي، بما يحقق قيمة مضافة للجهات الرقابية والعملاء على حد سواء.