تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية‭ ‬العولمة‭ ‬الرخيصة‭ ‬تلوح‭ ‬في‭ ‬الأفق

KI31

على‭ ‬مدى‭ ‬عقود،‭ ‬قامت‭ ‬التجارة‭ ‬العالمية‭ ‬على‭ ‬معادلة‭ ‬بسيطة‭ ‬لكنها‭ ‬فعّالة‭: ‬إنتاج‭ ‬السلع‭ ‬بأقل‭ ‬تكلفة‭ ‬ممكنة،‭ ‬شحنها‭ ‬عبر‭ ‬أرخص‭ ‬الطرق،‭ ‬ثم‭ ‬بيعها‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬سوق‭ ‬حول‭ ‬العالم‭. ‬هذه‭ ‬المعادلة‭ ‬شكّلت‭ ‬ما‭ ‬عُرف‭ ‬بـ«العولمة‭ ‬الرخيصة‮»‬،‭ ‬وأسهمت‭ ‬في‭ ‬امتلاء‭ ‬الأسواق‭ ‬بمنتجات‭ ‬منخفضة‭ ‬السعر‭ ‬قادمة‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬القارات‭.‬
غير‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬المعادلة‭ ‬بدأت‭ ‬تتعرض‭ ‬لتصدعات‭ ‬واضحة‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة،‭ ‬مع‭ ‬تصاعد‭ ‬التوترات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬واضطراب‭ ‬طرق‭ ‬التجارة‭ ‬العالمية،‭ ‬ما‭ ‬يطرح‭ ‬تساؤلات‭ ‬جدية‭ ‬حول‭ ‬مستقبل‭ ‬هذا‭ ‬النموذج‭ ‬الاقتصادي‭.‬

اضطراب‭ ‬طرق‭ ‬التجارة‭ ‬وارتفاع‭ ‬التكاليف

لم‭ ‬تعد‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد‭ ‬العالمية‭ ‬تعمل‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬مستقرة‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬السابق،‭ ‬إذ‭ ‬أصبحت‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية‭ ‬الحيوية‭ ‬عرضة‭ ‬للمخاطر‭. ‬ويبرز‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬كأحد‭ ‬أبرز‭ ‬الأمثلة،‭ ‬حيث‭ ‬يمر‭ ‬عبره‭ ‬نحو‭ ‬20‭ % ‬من‭ ‬الاستهلاك‭ ‬العالمي‭ ‬للنفط،‭ ‬ما‭ ‬يجعله‭ ‬شرياناً‭ ‬أساسياً‭ ‬لتجارة‭ ‬الطاقة‭. ‬ومع‭ ‬تصاعد‭ ‬التوترات‭ ‬العسكرية،‭ ‬ترتفع‭ ‬المخاوف‭ ‬من‭ ‬تعطل‭ ‬الملاحة،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬زيادة‭ ‬تكاليف‭ ‬الشحن‭ ‬والتأمين،‭ ‬وانعكاسات‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬أسعار‭ ‬الطاقة‭.‬
ولا‭ ‬يقتصر‭ ‬الأمر‭ ‬على‭ ‬الخليج،‭ ‬إذ‭ ‬شهد‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‭ ‬اضطرابات‭ ‬حادة‭ ‬منذ‭ ‬أواخر‭ ‬2023،‭ ‬دفعت‭ ‬شركات‭ ‬الشحن‭ ‬الكبرى‭ ‬إلى‭ ‬تغيير‭ ‬مساراتها‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬قناة‭ ‬السويس‭. ‬ووفق‭ ‬تقديرات‭ ‬صندوق‭ ‬النقد‭ ‬الدولي،‭ ‬تراجعت‭ ‬حركة‭ ‬التجارة‭ ‬عبر‭ ‬القناة‭ ‬بنحـو‭ ‬50‭ % ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الفترات،‭ ‬بينما‭ ‬لجأت‭ ‬شركات‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬ميرسك‮»‬‭ ‬و«إم‭ ‬إس‭ ‬سي‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬الإبحار‭ ‬حول‭ ‬رأس‭ ‬الرجاء‭ ‬الصالح،‭ ‬ما‭ ‬أضاف‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬10‭ ‬و14‭ ‬يوماً‭ ‬إلى‭ ‬زمن‭ ‬الرحلات‭.‬
هذه‭ ‬التحولات‭ ‬رفعت‭ ‬تكاليف‭ ‬النقل‭ ‬بشكل‭ ‬كبير،‭ ‬حيث‭ ‬قفزت‭ ‬أسعار‭ ‬الشحن‭ ‬البحري‭ ‬بنسبة‭ ‬تتراوح‭ ‬بين‭ ‬200‭ % ‬و400‭ % ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الخطوط،‭ ‬كما‭ ‬تضاعف‭ ‬مؤشر‭ ‬شنغهاي‭ ‬لشحن‭ ‬الحاويات‭ ‬عدة‭ ‬مرات‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬قصيرة‭. ‬ولا‭ ‬تتوقف‭ ‬آثار‭ ‬هذه‭ ‬الزيادة‭ ‬عند‭ ‬شركات‭ ‬النقل،‭ ‬بل‭ ‬تمتد‭ ‬عبر‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد‭ ‬لتؤثر‭ ‬على‭ ‬المصنعين‭ ‬وتجار‭ ‬التجزئة،‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬المستهلك‭ ‬النهائي‭.‬

عودة‭ ‬الحمائية‭ ‬وتفكك‭ ‬النظام‭ ‬التجاري

إلى‭ ‬جانب‭ ‬التوترات‭ ‬الجيوسياسية،‭ ‬تشهد‭ ‬التجارة‭ ‬العالمية‭ ‬عودة‭ ‬واضحة‭ ‬للسياسات‭ ‬الحمائية‭ ‬بعد‭ ‬عقود‭ ‬من‭ ‬التحرير‭ ‬الاقتصادي‭. ‬فقد‭ ‬أصبحت‭ ‬الحكومات‭ ‬تركز‭ ‬بشكل‭ ‬متزايد‭ ‬على‭ ‬الأمن‭ ‬الاقتصادي‭ ‬وتعزيز‭ ‬الإنتاج‭ ‬المحلي،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬جاء‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الكفاءة‭.‬
وتتصدر‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬والصين‭ ‬هذا‭ ‬التحول،‭ ‬حيث‭ ‬استمرت‭ ‬الرسوم‭ ‬الجمركية‭ ‬المرتفعة‭ ‬بين‭ ‬الطرفين،‭ ‬مع‭ ‬وصول‭ ‬بعضها‭ ‬إلى‭ ‬مستويات‭ ‬قياسية‭. ‬وقد‭ ‬أدت‭ ‬هذه‭ ‬السياسات‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد‭ ‬العالمية،‭ ‬بحيث‭ ‬أصبحت‭ ‬تحكمها‭ ‬اعتبارات‭ ‬استراتيجية‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬كونها‭ ‬اقتصادية‭ ‬بحتة‭.‬
كما‭ ‬تراجعت‭ ‬حصة‭ ‬التجارة‭ ‬التي‭ ‬تتم‭ ‬وفق‭ ‬قواعد‭ ‬منظمة‭ ‬التجارة‭ ‬العالمية،‭ ‬مع‭ ‬توسع‭ ‬الاتفاقيات‭ ‬الثنائية‭ ‬والإجراءات‭ ‬ذات‭ ‬الطابع‭ ‬السياسي‭. ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته،‭ ‬تدعم‭ ‬الحكومات‭ ‬صناعات‭ ‬استراتيجية‭ ‬مثل‭ ‬الرقائق‭ ‬الإلكترونية‭ ‬والمركبات‭ ‬الكهربائية،‭ ‬ما‭ ‬يعزز‭ ‬التوجه‭ ‬نحو‭ ‬‮«‬إعادة‭ ‬توطين‭ ‬الإنتاج‮»‬‭ ‬أو‭ ‬نقله‭ ‬إلى‭ ‬دول‭ ‬حليفة‭.‬
وقد‭ ‬بدأت‭ ‬الشركات‭ ‬بالفعل‭ ‬في‭ ‬تبني‭ ‬استراتيجيات‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬الصين‭ ‬زائد‭ ‬واحد‮»‬،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬توزيع‭ ‬الإنتاج‭ ‬على‭ ‬دول‭ ‬مثل‭ ‬فيتنام‭ ‬والهند‭ ‬والمكسيك،‭ ‬بهدف‭ ‬تقليل‭ ‬المخاطر‭ ‬الجيوسياسية‭.‬
عولمة‭ ‬مستمرة‮…‬‭ ‬ولكن‭ ‬بتكلفة‭ ‬أعلى

رغم‭ ‬هذه‭ ‬التحديات،‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬التجارة‭ ‬العالمية‭ ‬تنمو،‭ ‬إذ‭ ‬بلغ‭ ‬حجمها‭ ‬نحو‭ ‬35‭ ‬تريليون‭ ‬دولار‭ ‬في‭ ‬2025،‭ ‬مع‭ ‬زيادة‭ ‬ملحوظة‭ ‬في‭ ‬تجارة‭ ‬الخدمات‭ ‬والاقتصاد‭ ‬الرقمي‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬طبيعة‭ ‬هذه‭ ‬التجارة‭ ‬بدأت‭ ‬تتغير،‭ ‬حيث‭ ‬تنمو‭ ‬الخدمات‭ ‬بوتيرة‭ ‬أسرع‭ ‬من‭ ‬السلع،‭ ‬بينما‭ ‬تعيد‭ ‬الشركات‭ ‬هيكلة‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد‭ ‬لتكون‭ ‬أكثر‭ ‬مرونة‭ ‬وأقل‭ ‬عرضة‭ ‬للمخاطر‭.‬
كما‭ ‬تتجه‭ ‬الشركات‭ ‬نحو‭ ‬ما‭ ‬يُعرف‭ ‬بـ«التوريد‭ ‬القريب‮»‬‭ ‬أو‭ ‬‮«‬التوريد‭ ‬الصديق‮»‬،‭ ‬أي‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬دول‭ ‬قريبة‭ ‬جغرافياً‭ ‬أو‭ ‬سياسياً،‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬الاعتماد‭ ‬الكامل‭ ‬على‭ ‬سلاسل‭ ‬إمداد‭ ‬بعيدة‭ ‬ومعقدة‭.‬
وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬تضيف‭ ‬السياسات‭ ‬البيئية‭ ‬والرسوم‭ ‬الكربونية‭ ‬أعباء‭ ‬إضافية‭ ‬على‭ ‬التجارة،‭ ‬إذ‭ ‬تواجه‭ ‬شركات‭ ‬الشحن‭ ‬ضغوطاً‭ ‬للاستثمار‭ ‬في‭ ‬تقنيات‭ ‬نظيفة،‭ ‬ما‭ ‬يرفع‭ ‬التكاليف‭ ‬التشغيلية‭.‬

مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬للتجارة‭ ‬العالمية

تشير‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬المؤشرات‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬العولمة‭ ‬لا‭ ‬تنتهي،‭ ‬بل‭ ‬تتحول‭. ‬فالنموذج‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬قائماً‭ ‬على‭ ‬أقل‭ ‬تكلفة‭ ‬ممكنة‭ ‬يتجه‭ ‬اليوم‭ ‬نحو‭ ‬مزيج‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً‭ ‬يوازن‭ ‬بين‭ ‬الكفاءة‭ ‬والمرونة‭ ‬والأمن‭ ‬الجيوسياسي‭.‬
وبذلك،‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يشهد‭ ‬العالم‭ ‬نهاية‭ ‬العولمة‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يشهد‭ ‬نهاية‭ ‬‮«‬العولمة‭ ‬الرخيصة‮»‬،‭ ‬حيث‭ ‬تصبح‭ ‬التجارة‭ ‬أكثر‭ ‬كلفة‭ ‬وتعقيداً،‭ ‬وتلعب‭ ‬السياسة‭ ‬دوراً‭ ‬أكبر‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬مساراتها‭.‬
وفي‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬الجديدة،‭ ‬لن‭ ‬تختفي‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد‭ ‬العالمية،‭ ‬لكنها‭ ‬ستُعاد‭ ‬صياغتها،‭ ‬لتكون‭ ‬أقل‭ ‬اعتماداً‭ ‬على‭ ‬عامل‭ ‬السعر‭ ‬وحده،‭ ‬وأكثر‭ ‬ارتباطاً‭ ‬باعتبارات‭ ‬الاستقرار‭ ‬والمخاطر،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعيد‭ ‬رسم‭ ‬خريطة‭ ‬التجارة‭ ‬العالمية‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬المقبلة‭.‬

رجوع لأعلى