هبوط جماعي لمؤشرات وول ستريت وسط تصعيد ترامب التجاري
محت أسهم الولايات المتحدة مكاسبها المحققة منذ بداية العام، وسط مخاوف من اندلاع حرب تجارية شاملة مع أوروبا، وعمليات بيع في السندات اليابانية دفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية إلى الارتفاع.
هبط مؤشر «إس آند بي 500» بنسبة 2.1 %، مسجلاً أكبر تراجع يومي له منذ أكتوبر. كما تراجع مؤشر «ناسداك 100» بنسبة 2.1 %. واهتزت حالة الاطمئنان في وول ستريت بعدما قفز مؤشر التقلبات «فيكس» فوق مستوى 20 نقطة، ليصل إلى أعلى مستوى له منذ نوفمبر. وارتفع الذهب، وتراجعت سندات الخزانة، وانخفض الدولار.
جاءت هذه الاضطرابات في الأسواق المالية بعد أن واصل الرئيس الأميركي دونالد ترمب الإصرار على أن تسيطر الولايات المتحدة على غرينلاند، الجزيرة شبه المستقلة المملوكة للدنمارك، الحليف القوي في حلف شمال الأطلسي.
وواجه تهديده بفرض رسوم جمركية بنسبة 10 % على الدول الأوروبية التي لا ترضخ، موجة غضب واسعة في أنحاء أوروبا. ويخطط القادة هناك لعقد قمة طارئة لمناقشة خيارات، من بينها فرض رسوم على سلع أميركية بقيمة 93 مليار يورو (109 مليارات دولار).
وقال جون كولوفوس، كبير الاستراتيجيين الفنيين في «ماكرو ريسك أدفايزرز» إن «الاحتمالات مرتفعة جداً لحدوث تراجع كبير هذا العام، وربما حتى سوق هابطة. ومع كسر مؤشر إس آند بي 500 مستوى 6900 نقطة الأسبوع الماضي، ومع الفجوة الافتتاحية الهابطة اليوم، فتحت السوق الباب أمام احتمال بلوغ ذروة سعرية».
وأضاف: «إذا رأينا استمراراً في الانخفاض دون مستوى 6825 نقطة، الذي يتم اختباره حالياً، فإن احتمالات بلوغ السوق ذروة سعرية أو على الأقل حدوث تصحيح كبير ترتفع»، وتابع: «في الحد الأدنى، من المرجح أن نشهد إعادة اختبار لقاع نوفمبر أو مستوى 6550 نقطة».
مقياس الخوف وتقلبات السوق
يراقب استراتيجيو «سوسيتيه جنرال»، ومن بينهم جيتيش كومار، منحنى عقود مؤشر «فيكس» الآجلة بحثاً عن إشارة مهمة، وتحديداً، إذا انقلب المنحنى قرب مستوى 21 لعقود الشهر الأمامي، فسيبدأ المستثمرون المنهجيون في تقليص مديونيتهم.
بحسب لوران لاسكوفسكي، مدير مشتقات الأسهم في شركة الأبحاث «ستراتيغاس سيكيوريتيز»، فإن القفزة في مؤشر «فيكس» قد تدفع صناديق التحكم في التقلبات إلى البدء في تقليص مراكزها الطويلة في الأسهم. إذ إن تحركاً بنحو 1% في مؤشر «إس آند بي 500» سيدفع هذه الصناديق إلى خفض انكشافها على الأسهم بنسبة 2%، في حين أن تحركاً بنسبة 2% يعادل خفضاً بنحو 10% في المراكز الطويلة لهذه الصناديق.
وقال كريس مورفي، الرئيس المشارك لاستراتيجية المشتقات في «سوسكويهانا إنترناشونال غروب»: «دخل المستثمرون موجة البيع اليوم وهم إلى حد كبير غير محميين، ولا تزال سوق الخيارات تظهر انحيازاً واضحاً نحو شراء الانخفاض، وبيع قفزات التقلب، وتجاهل الضغوط المتصورة، بدلاً من السعي المحموم إلى التحوط».
وأضاف أن «السيناريو نفسه طبع سلوك السوق خلال معظم السنوات القليلة الماضية، حيث كانت التراجعات سطحية ومكافأة شراء الانخفاض قائمة. لكن الخطر، بطبيعة الحال، ليس في ما يفعله المستثمرون، بل في مدى شيوع هذا الافتراض».
أسهم تحت المراقبة في ظل الحرب التجارية
وسعت أسهم مجموعة السلع الفاخرة الفرنسية «إل في إم إتش مويت هينيسي لوي فويتون» خسائرها بعد أن أشار الرئيس الأميركي إلى احتمال فرض رسوم جمركية بنسبة 200 % على النبيذ والشمبانيا الفرنسية.
وتراجعت أسهم «سي إن إتش إندستريال» بأكبر قدر بين شركات معدات الزراعة. كما انخفضت أسهم «دير آند كو» و»إيه جي سي أو».
وسارت أسهم شركات السيارات على خطى السوق الأوسع. إذ تراجعت أسهم «فورد موتور» بنسبة 2.4 %، وانخفضت أسهم «جنرال موتورز» و»ستيلانتيس» بنسبة 3.7 % و2.5 % على التوالي. وهبط سهم «تسلا» بنسبة 4.2 %، ليدفع هذا التراجع سعر سهم الشركة المصنعة للسيارات الكهربائية إلى ما دون متوسطه المتحرك لمئة يوم للمرة الأولى منذ أكثر من ستة أشهر.
وتراجعت أسهم شركات السفر في معظمها. وذكر محلل «بيرنشتاين» ريتشارد كلارك أن أسوأ السيناريوهات، المتمثل في تصعيد سياسي إضافي يؤدي إلى حظر سفر ومقاطعة لكأس العالم لكرة القدم أو لكأس العالم للرغبي 2027، من المرجح أن يضغط على أرباح معظم شركات السفر، لكن «ماريوت إنترناشونال» و»إير بي إن بي» من بين الأكثر عرضة للمخاطر.
محو المكاسب
محا مؤشر «إس آند بي 500» مكاسبه لهذا العام مع استعداد المستثمرين لفترة حافلة بمحفزات محتملة، من بينها خطاب الرئيس في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس.
وتعرضت أسواق السندات أيضاً لضغوط. إذ ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل بعد الاضطراب في سوق الديون اليابانية الذي أرسل موجات صدمة عبر أسواق المعدلات العالمية.
وارتفع عائد سندات الخزانة لأجل 30 عاماً إلى 4.92 %، متتبعاً موجة بيع دفعت عائد السندات اليابانية لأجل 40 عاماً إلى مستوى قياسي، مع عزوف المستثمرين عن مقترحات رئيسة الوزراء ساناي تاكايشي الانتخابية لخفض الضرائب على المواد الغذائية.
وتفوقت أصول الملاذ الآمن وسط التقلبات. إذ قفز الذهب متجاوزاً 4750 دولاراً للأونصة للمرة الأولى، فيما سجلت الفضة أيضاً مستوى قياسياً. ومع ضعف الدولار، سجل الفرنك السويسري أكبر مكسب له على مدى يومين منذ أبريل.
كما تراجعت العملات المشفرة بقوة مع انزلاق الأصول عالية المخاطر وتعزز الطلب على الملاذات الآمنة. وانخفضت عملة «بتكوين» بأكثر من 3 % إلى ما دون 90 ألف دولار.
مستثمرون قلقون
بحسب الاستراتيجي الاستثماري جيم بولسن، فإن أفضل عوائد سوق الأسهم الأميركية تحققت عندما كان عدم اليقين في السياسات في أعلى مستوياته.
وكتب بولسن: «منذ عام 1985، بلغ متوسط العائد السنوي لمؤشر إس آند بي 500 على مدى شهر واحد مقبل نحو 19.18% عندما كان عدم اليقين في السياسة الاقتصادية الأميركية ضمن أعلى 20%، مقارنة بـ7.35% فقط عندما كان عدم اليقين ضمن أدنى شريحتين في السوق».
ومن شأن الاضطراب الأخير في الأسواق أن يختبر شهية المخاطر المرتفعة. فقبل عطلة نهاية الأسبوع، كان المستثمرون الأكثر تفاؤلًا منذ ما يقرب من خمس سنوات، في حين كان الطلب على التحوط من هبوط الأسهم عند أدنى مستوياته منذ 2018، وفقاً لأحدث استطلاع لمديري الصناديق من «بنك أوف أميركا».