هدنة السياسة.. تشعل صعود العملات المشفرة
تماسكت سوق العملات المشفرة، الأربعاء، على نبرة إيجابية مدعومة بتحسن شهية المخاطرة العالمية، في وقت قادت فيه «بيتكوين» التحركات الصاعدة مع حفاظها على مستوياتها المرتفعة الأخيرة، وسط تفاعل المستثمرين مع أجواء سياسية أقل توتراً بعد حديث عن محادثات سلام محتملة مع إيران.
تماسك سعري
سجلت البيتكوين ارتفاعاً طفيفاً بنحو 0.59% لتصل إلى 70,790.1 دولار، محافظة بذلك على تمركزها قرب أحد أهم الحواجز النفسية والفنية في السوق، وهو مستوى 70 ألف دولار. ويُنظر إلى هذا التماسك بوصفه إشارة على استمرار الزخم الإيجابي، خاصة بعد أن نجحت العملة الأكبر في العالم في البقاء فوق مستويات دعم رئيسية خلال الجلسات الأخيرة.
ورغم أن المكاسب اليومية تبدو محدودة من حيث النسبة، فإن أهمية الحركة تكمن في قدرتها على تثبيت السعر قرب قمم مرتفعة بدلاً من التعرض لعمليات جني أرباح حادة، وهو ما يعزز الانطباع بأن السوق ما زالت تمتلك قابلية لمواصلة الصعود إذا توافرت محفزات إضافية.
دعم سياسي
وجاء هذا الانتعاش في ظل تراجع نسبي في منسوب القلق الجيوسياسي، بعد تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن محادثات سلام محتملة مع إيران، وهو ما انعكس على الأسواق المالية عموماً، ومن بينها الأصول الرقمية التي تُعد شديدة الحساسية لأي تحولات في البيئة السياسية والاقتصادية العالمية.
وعادة ما تستفيد العملات المشفرة من انفراجات المشهد السياسي عندما تؤدي إلى تحسين شهية المستثمرين للمخاطرة، إذ تتحول السيولة حينها من الأصول الدفاعية إلى أدوات أكثر تقلباً ولكن أعلى عائداً. وفي مثل هذه الأجواء، تستعيد السوق الرقمية جزءاً من جاذبيتها، خصوصاً عندما تتزامن التهدئة السياسية مع استقرار نسبي في التوقعات النقدية والمالية.
الإيثر ترتفع
في المقابل، صعدت الإيثر، ثاني أكبر عملة مشفرة في العالم بعد البيتكوين، بنسبة 1.19% إلى 2,161.25 دولار، لتواصل التحرك في نطاق صاعد مدعوم بتحسن المعنويات العامة في السوق. ويشير هذا الأداء إلى أن الصعود لم يقتصر على البيتكوين وحدها، بل امتد إلى العملات الرئيسية الأخرى، ما يعكس اتساعاً نسبياً في موجة الشراء.
وتكتسب حركة الإيثر أهمية خاصة لأنها غالباً ما تُستخدم كمؤشر على عمق المشاركة السوقية؛ فحين تتحسن الإيثر إلى جانب البيتكوين، فإن ذلك قد يعني أن المستثمرين لا يكتفون بالتحوط عبر الأصل الأكبر فقط، بل يوسعون تعرضهم إلى أصول رقمية أخرى، في إشارة إلى تحسن الثقة العامة.
مكاسب بديلة
وامتد التحسن كذلك إلى العملات المشفرة الأصغر حجماً، والتي عادة ما تشهد تقلبات أعلى واستجابة أسرع لأي موجات تفاؤل في السوق. فقد ارتفعت الريبل بنسبة 0.36% لتتجاوز 1.41 دولار، فيما قفزت سولانا بنسبة 1.70% إلى أكثر من 91.87 دولار.
وتعكس هذه التحركات اتجاهاً واضحاً نحو اتساع قاعدة الصعود، إذ لم يعد الزخم مقتصراً على العملات الكبرى فقط، بل بدأ يشمل أسماء أكثر حساسية للمضاربة. وغالباً ما يُنظر إلى هذا النمط باعتباره مؤشراً على أن المتعاملين أصبحوا أكثر استعداداً لتحمل المخاطر، ما قد يضيف دعماً إضافياً لاتجاه السوق على المدى القصير.
مستوى حاسم
ومن الناحية الفنية، تترقب السوق قدرة البيتكوين على تجاوز مستوى 71,650 دولاراً، والذي يمثل في نظر المتعاملين حاجزاً مفصلياً قد يفتح الباب أمام ارتفاع مطرد خلال الفترة المقبلة. وإذا نجحت العملة في اختراق هذا المستوى والإغلاق فوقه بشكل واضح، فقد يتحول ذلك إلى إشارة فنية داعمة لموجة شراء جديدة.
أما في حال الفشل في اختراق هذا الحاجز، فقد تدخل السوق في مرحلة تذبذب عرضي أو بعض التراجع المؤقت نتيجة عمليات جني الأرباح، خاصة بعد سلسلة من التحركات الإيجابية الأخيرة. لكن حتى في هذا السيناريو، فإن بقاء السعر فوق مستويات الدعم الحالية قد يحافظ على الصورة العامة الإيجابية.
سيولة مضارِبة
ويبدو أن جزءاً من التحركات الحالية يعود أيضاً إلى عودة السيولة المضارِبة إلى السوق، حيث يسعى المستثمرون إلى اقتناص الفرص في ظل تحسن المزاج العالمي وتراجع بعض المخاوف التي كانت تضغط على الأصول عالية المخاطر. وهذا النوع من السيولة غالباً ما يكون سريع الحركة، ما يفسر الارتفاعات المتزامنة في عدة عملات خلال فترة زمنية قصيرة.
كما أن السوق الرقمية باتت أكثر حساسية للتصريحات السياسية والاقتصادية، ليس فقط بسبب ارتباطها بشهية المخاطرة، بل أيضاً لأنها أصبحت جزءاً من محفظة الاستثمار العالمية لدى شريحة أوسع من المستثمرين والمؤسسات، وهو ما يجعلها تتفاعل بسرعة مع أي متغيرات دولية مؤثرة.
اتجاه صاعد
في المجمل، تعكس تحركات الأربعاء استمرار النبرة الصاعدة في سوق العملات المشفرة، مع حفاظ البيتكوين على تمركزها قرب مستويات مرتفعة، وامتداد المكاسب إلى الإيثر وعدد من العملات البديلة. وبينما تبقى الأنظار مركزة على مستوى 71,650 دولاراً كحاجز فني رئيسي، فإن المعطيات الحالية تشير إلى أن السوق ما زالت تحتفظ بزخم إيجابي قد يدفعها إلى مواصلة الصعود إذا استمرت العوامل الداعمة.
وفي حال بقيت الأجواء السياسية أقل توتراً، واستمرت السيولة في التدفق نحو الأصول عالية المخاطر، فقد تجد العملات المشفرة نفسها أمام مرحلة جديدة من الارتفاع التدريجي، مدفوعة بمزيج من العوامل الفنية والنفسية والسياسية في آن واحد.