تخطي إلى المحتوى الرئيسي

هرمز‭ ‬وباب‭ ‬المندب‭ ‬يشلان‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي

هرمز‭ ‬وباب‭ ‬المندب‭ ‬يشلان‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي

دخل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬مرحلة‭ ‬شديدة‭ ‬الحساسية‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تحولت‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬من‭ ‬خطر‭ ‬جيوسياسي‭ ‬قابل‭ ‬للاحتواء‭ ‬إلى‭ ‬واقع‭ ‬مباشر‭ ‬يضغط‭ ‬على‭ ‬أهم‭ ‬شريانين‭ ‬بحريين‭ ‬في‭ ‬العالم‭. ‬فمع‭ ‬السيطرة‭ ‬الإيرانية‭ ‬الفعلية‭ ‬على‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز،‭ ‬وإعلان‭ ‬الحوثيين‭ ‬دخولهم‭ ‬الحرب،‭ ‬باتت‭ ‬التجارة‭ ‬والطاقة‭ ‬أمام‭ ‬اختناق‭ ‬مزدوج‭ ‬يهدد‭ ‬بتغيير‭ ‬مسار‭ ‬الأسعار،‭ ‬وسلاسل‭ ‬الإمداد،‭ ‬وكلفة‭ ‬التمويل،‭ ‬وحتى‭ ‬قرارات‭ ‬البنوك‭ ‬المركزية‭ ‬في‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الكبرى‭.‬
‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مجرد‭ ‬تطور‭ ‬عسكري‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬حدثًا‭ ‬اقتصادياً‭ ‬عالمياً‭ ‬من‭ ‬الدرجة‭ ‬الأولى،‭ ‬لأن‭ ‬العالم‭ ‬الحديث‭ ‬لا‭ ‬يقوم‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬الإنتاج،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬قدرة‭ ‬السلع‭ ‬والطاقة‭ ‬على‭ ‬العبور‭ ‬الآمن‭ ‬والسريع‭. ‬وعندما‭ ‬تصبح‭ ‬الممرات‭ ‬التي‭ ‬تحمل‭ ‬هذه‭ ‬التدفقات‭ ‬تحت‭ ‬التهديد‭ ‬أو‭ ‬التعطيل،‭ ‬فإن‭ ‬الاقتصاد‭ ‬كله‭ ‬يدخل‭ ‬منطقة‭ ‬اضطراب‭ ‬مفتوحة‭.‬

رقم‭ ‬يهز‭ ‬العالم

هذا‭ ‬هو‭ ‬حجم‭ ‬النفط‭ ‬والسوائل‭ ‬البترولية‭ ‬الذي‭ ‬مرّ‭ ‬عبر‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬في‭ ‬النصف‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬2025،‭ ‬وفق‭ ‬إدارة‭ ‬معلومات‭ ‬الطاقة‭ ‬الأميركية‭ (‬EIA‭)‬،‭ ‬بما‭ ‬يعادل‭ ‬نحو‭ ‬20‭ % ‬من‭ ‬استهلاك‭ ‬العالم‭ ‬من‭ ‬السوائل‭ ‬البترولية،‭ ‬ونحو‭ ‬ربع‭ ‬تجارة‭ ‬النفط‭ ‬المنقولة‭ ‬بحراً‭ ‬عالمياً‭.‬
كما‭ ‬يمر‭ ‬عبر‭ ‬المضيق‭ ‬نحو‭ ‬20‭ % ‬من‭ ‬تجارة‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال‭ ‬عالمياً،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬هرمز‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬ممر‭ ‬نفطي،‭ ‬بل‭ ‬شرياناً‭ ‬مركزياً‭ ‬لأمن‭ ‬الطاقة‭ ‬العالمي‭. ‬
وتكمن‭ ‬الخطورة‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الشريان‭ ‬لا‭ ‬يخدم‭ ‬الخليج‭ ‬وحده،‭ ‬بل‭ ‬يغذي‭ ‬أسواق‭ ‬آسيا‭ ‬وأوروبا‭ ‬معاً،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬اقتصادات‭ ‬صناعية‭ ‬كبرى‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬تدفقات‭ ‬مستقرة‭ ‬من‭ ‬الخام‭ ‬والغاز‭ ‬والبتروكيماويات‭. ‬أي‭ ‬خلل‭ ‬هنا‭ ‬لا‭ ‬يُترجم‭ ‬فقط‭ ‬إلى‭ ‬ارتفاع‭ ‬في‭ ‬أسعار‭ ‬الطاقة،‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬هزة‭ ‬في‭ ‬بنية‭ ‬التشغيل‭ ‬الاقتصادي‭ ‬العالمي‭ ‬نفسها‭.‬

هرمز‭.. ‬من‭ ‬ممر‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬ضغط

الجديد‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬ارتفاع‭ ‬مستوى‭ ‬التوتر،‭ ‬بل‭ ‬أن‭ ‬إيران‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تستخدم‭ ‬هرمز‭ ‬كورقة‭ ‬تهديد‭ ‬سياسية‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬كأداة‭ ‬ضغط‭ ‬تشغيلية‭ ‬واقتصادية‭ ‬فعلية‭. ‬
تقارير‭ ‬حديثة‭ ‬من‭ ‬رويترز‭ ‬تحدثت‭ ‬بوضوح‭ ‬عن‭ ‬أن‭ ‬المضيق‭ ‬‮«‬محجوب‭ ‬الآن‮»‬‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬إيران،‭ ‬وأن‭ ‬القوى‭ ‬الغربية‭ ‬التي‭ ‬فشلت‭ ‬سابقاً‭ ‬في‭ ‬تأمين‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‭ ‬تجد‭ ‬أن‭ ‬إعادة‭ ‬فتح‭ ‬هرمز‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً‭ ‬بكثير‭. ‬
وبحسب‭ ‬التقرير،‭ ‬فإن‭ ‬التجربة‭ ‬السابقة‭ ‬في‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‭ ‬كلفت‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬من‭ ‬الذخائر،‭ ‬وشهدت‭ ‬غرق‭ ‬أربع‭ ‬سفن،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬لم‭ ‬تنجح‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬الشحن‭ ‬إلى‭ ‬وضعه‭ ‬الطبيعي‭. ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬الحال‭ ‬في‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر،‭ ‬فإن‭ ‬التحدي‭ ‬في‭ ‬هرمز‭ ‬أمام‭ ‬خصم‭ ‬أكثر‭ ‬تطوراً‭ ‬وقدرة‭ ‬يبدو‭ ‬أكبر‭ ‬بكثير‭. ‬اقتصاديًا،‭ ‬هذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬العالم‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يتعامل‭ ‬مع‭ ‬هرمز‭ ‬باعتباره‭ ‬ممراً‭ ‬مفتوحاً‭ ‬عالي‭ ‬المخاطر،‭ ‬بل‭ ‬باعتباره‭ ‬عنق‭ ‬زجاجة‭ ‬خاضعاً‭ ‬لمنطق‭ ‬الحرب‭.‬
صدمة‭ ‬طاقة

في‭ ‬سوق‭ ‬الطاقة،‭ ‬لا‭ ‬تحتاج‭ ‬الأزمة‭ ‬إلى‭ ‬إغلاق‭ ‬رسمي‭ ‬كامل‭ ‬حتى‭ ‬تنفجر‭ ‬الأسعار‭.‬
يكفي‭ ‬أن‭ ‬تصبح‭ ‬الملاحة‭ ‬غير‭ ‬مستقرة،‭ ‬أو‭ ‬مكلفة،‭ ‬أو‭ ‬انتقائية،‭ ‬حتى‭ ‬تبدأ‭ ‬الأسواق‭ ‬بإضافة‭ ‬‮«‬علاوة‭ ‬حرب‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬النفط‭ ‬والغاز‭. ‬وهنا‭ ‬تظهر‭ ‬الأرقام‭ ‬الأشد‭ ‬حساسية‭. ‬
فبحسب‭ ‬تقديرات‭ ‬نقلتها‭ ‬رويترز‭ ‬عن‭ ‬Barclays،‭ ‬فإن‭ ‬استمرار‭ ‬تعطل‭ ‬الملاحة‭ ‬في‭ ‬هرمز‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬فقدان‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬13‭ ‬و14‭ ‬مليون‭ ‬برميل‭ ‬يومياً‭ ‬من‭ ‬الإمدادات‭ ‬العالمية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يمثل‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أكبر‭ ‬صدمات‭ ‬العرض‭ ‬الممكنة‭ ‬في‭ ‬السوق‭ ‬الحديثة‭.‬
كما‭ ‬توقّع‭ ‬البنك‭ ‬أن‭ ‬يرتفع‭ ‬النفط‭ ‬إلى‭ ‬100‭ ‬دولار‭ ‬للبرميل‭ ‬في‭ ‬المدى‭ ‬القصير،‭ ‬ثم‭ ‬إلى‭ ‬110‭ ‬دولارات‭ ‬إذا‭ ‬طال‭ ‬التعطيل،‭ ‬بينما‭ ‬أشارت‭ ‬تقارير‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬رويترز‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬النفط‭ ‬تجاوز‭ ‬بالفعل‭ ‬100‭ ‬دولار‭ ‬خلال‭ ‬ذروة‭ ‬الاضطراب،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬قفزت‭ ‬أسعار‭ ‬الغاز‭ ‬الأوروبي‭ ‬بما‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬40‭ % ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الجلسات‭. ‬هذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬الحرب‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تُترجم‭ ‬إلى‭ ‬خطر‭ ‬جيوسياسي‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬تسعير‭ ‬فوري‭ ‬للطاقة‭ ‬عالمياً‭.‬

الغاز‭ ‬في‭ ‬مرمى‭ ‬الأزمة

أحد‭ ‬أكثر‭ ‬أوجه‭ ‬الأزمة‭ ‬حساسية‭ ‬هو‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال،‭ ‬لأن‭ ‬تأثيره‭ ‬لا‭ ‬يظهر‭ ‬دائماً‭ ‬بنفس‭ ‬سرعة‭ ‬النفط‭ ‬في‭ ‬العناوين،‭ ‬لكنه‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬أكثر‭ ‬إيلاماً‭ ‬للاقتصادات‭ ‬المستوردة‭. ‬
فوفق‭ ‬بيانات‭ ‬EIA،‭ ‬يمر‭ ‬عبر‭ ‬هرمز‭ ‬نحو‭ ‬20‭ % ‬من‭ ‬تجارة‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال‭ ‬عالميًا،‭ ‬وتأتي‭ ‬قطر‭ ‬في‭ ‬صدارة‭ ‬المتضررين‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬تعطيل،‭ ‬إذ‭ ‬صدّرت‭ ‬في‭ ‬2024‭ ‬نحو‭ ‬9‭.‬3‭ ‬مليارات‭ ‬قدم‭ ‬مكعبة‭ ‬يومياً‭ ‬من‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال‭ ‬عبر‭ ‬المضيق،‭ ‬بينما‭ ‬صدّرت‭ ‬الإمارات‭ ‬نحو‭ ‬0‭.‬7‭ ‬مليار‭ ‬قدم‭ ‬مكعبة‭ ‬يومياً‭. ‬وهذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬آسيا‭ ‬وأوروبا‭ ‬معاً‭ ‬معرضتان‭ ‬لضغوط‭ ‬إضافية‭ ‬على‭ ‬سوق‭ ‬الغاز‭ ‬في‭ ‬توقيت‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬فيه‭ ‬كلفة‭ ‬الطاقة‭ ‬أحد‭ ‬أكبر‭ ‬التحديات‭ ‬أمام‭ ‬الصناعة‭ ‬والنمو‭. ‬
وتكفي‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬اليابان‭ ‬وحدها‭ ‬يعتمد‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬60‭ % ‬من‭ ‬وارداتها‭ ‬النفطية‭ ‬و11‭ % ‬من‭ ‬وارداتها‭ ‬من‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال‭ ‬على‭ ‬المرور‭ ‬عبر‭ ‬هرمز،‭ ‬بينما‭ ‬تشمل‭ ‬قائمة‭ ‬المتضررين‭ ‬الكبار‭ ‬أيضًا‭ ‬كوريا‭ ‬الجنوبية،‭ ‬الصين،‭ ‬والهند‭.‬
باب‭ ‬المندب‭.. ‬الجبهة‭ ‬الثانية

إذا‭ ‬كان‭ ‬هرمز‭ ‬يمثل‭ ‬صدمة‭ ‬الطاقة،‭ ‬فإن‭ ‬باب‭ ‬المندب‭ ‬يمثل‭ ‬صدمة‭ ‬التجارة‭ ‬والشحن‭.‬
وهنا‭ ‬تأتي‭ ‬خطورة‭ ‬التطور‭ ‬الأخير‭: ‬إعلان‭ ‬الحوثيين‭ ‬دخولهم‭ ‬الحرب،‭ ‬بما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬فقط‭ ‬منطقة‭ ‬اضطراب‭ ‬مزمن،‭ ‬بل‭ ‬جبهة‭ ‬مفتوحة‭ ‬من‭ ‬جديد‭. ‬ووفق‭ ‬EIA،‭ ‬مرّ‭ ‬عبر‭ ‬باب‭ ‬المندب‭ ‬4‭.‬1‭ ‬ملايين‭ ‬برميل‭ ‬يومياً‭ ‬في‭ ‬2024‭ ‬و4‭.‬2‭ ‬ملايين‭ ‬برميل‭ ‬يومياً‭ ‬في‭ ‬النصف‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬2025‭. ‬لكن‭ ‬أهمية‭ ‬هذا‭ ‬الممر‭ ‬لا‭ ‬تقاس‭ ‬فقط‭ ‬بالنفط،‭ ‬بل‭ ‬بموقعه‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬حركة‭ ‬التجارة‭ ‬بين‭ ‬آسيا‭ ‬وأوروبا‭ ‬عبر‭ ‬قناة‭ ‬السويس‭. ‬وهذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬تصعيد‭ ‬أمني‭ ‬فيه‭ ‬لا‭ ‬يهدد‭ ‬ناقلات‭ ‬الطاقة‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬يهدد‭ ‬أيضاW‭:‬
●‭ ‬الحاويات
●‭ ‬المواد‭ ‬الخام
●‭ ‬الأغذية
●‭ ‬المكونات‭ ‬الصناعية
●‭ ‬السلع‭ ‬الاستهلاكية
وبكلمات‭ ‬أوضح‭: ‬هرمز‭ ‬يهدد‭ ‬ما‭ ‬يشغّل‭ ‬الاقتصاد‭.. ‬وباب‭ ‬المندب‭ ‬يهدد‭ ‬ما‭ ‬يوصله‭ ‬إلى‭ ‬الأسواق‭.‬

سلاسل‭ ‬الإمداد‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬الالتفاف

عندما‭ ‬تصبح‭ ‬الملاحة‭ ‬في‭ ‬باب‭ ‬المندب‭ ‬والبحر‭ ‬الأحمر‭ ‬محفوفة‭ ‬بالمخاطر،‭ ‬فإن‭ ‬شركات‭ ‬الشحن‭ ‬لا‭ ‬تنتظر‭ ‬حدوث‭ ‬خسائر‭ ‬مباشرة‭ ‬حتى‭ ‬تغيّر‭ ‬سلوكها‭. ‬بل‭ ‬تبدأ‭ ‬سريعاً‭ ‬في‭ ‬الالتفاف‭ ‬حول‭ ‬رأس‭ ‬الرجاء‭ ‬الصالح‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬المرور‭ ‬عبر‭ ‬قناة‭ ‬السويس‭. ‬وهذه‭ ‬الخطوة،‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬توفر‭ ‬هامش‭ ‬أمان‭ ‬أكبر،‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬تفرض‭ ‬تكلفة‭ ‬اقتصادية‭ ‬ثقيلة‭. ‬فبحسب‭ ‬صندوق‭ ‬النقد‭ ‬الدولي‭ (‬IMF‭)‬،‭ ‬تراجعت‭ ‬التجارة‭ ‬العابرة‭ ‬لقناة‭ ‬السويس‭ ‬في‭ ‬أول‭ ‬شهرين‭ ‬من‭ ‬2024‭ ‬بنحو‭ ‬50‭ % ‬مقارنة‭ ‬بالعام‭ ‬السابق،‭ ‬بينما‭ ‬أكدت‭ ‬الأونكتاد‭ ‬أن‭ ‬عبور‭ ‬السفـن‭ ‬الأسبوعـي‭ ‬فـي‭ ‬قنـاة‭ ‬السويس‭ ‬انخفض‭ ‬42‭ % ‬عن‭ ‬ذروته،‭ ‬وأن‭ ‬عبور‭ ‬سفن‭ ‬الحاويات‭ ‬الأسبوعي‭ ‬هبط‭ ‬67‭ %‬،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬ظلت‭ ‬فيه‭ ‬مستويات‭ ‬العبور‭ ‬في‭ ‬أوائل‭ ‬مايو‭ ‬2025‭ ‬أقل‭ ‬بنحو‭ ‬70‭ % ‬من‭ ‬متوسط‭ ‬2023‭. ‬هذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬الاضطراب‭ ‬في‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬عابراً،‭ ‬بل‭ ‬خلق‭ ‬نظام‭ ‬شحن‭ ‬جديداً‭ ‬أكثر‭ ‬بطئاً‭ ‬وكلفة‭.‬

أسابيع‭ ‬إضافية‭.. ‬وكلفة‭ ‬أعلى

الالتفاف‭ ‬حول‭ ‬أفريقيا‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬فقط‭ ‬تغيير‭ ‬خط‭ ‬على‭ ‬الخريطة،‭ ‬بل‭ ‬تغييراً‭ ‬في‭ ‬اقتصاد‭ ‬الرحلة‭ ‬البحرية‭ ‬بالكامل‭. ‬فبحسب‭ ‬تقارير‭ ‬UNCTAD،‭ ‬فإن‭ ‬السفن‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تعبر‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‭ ‬في‭ ‬أيام،‭ ‬باتت‭ ‬تقضي‭ ‬أسابيع‭ ‬إضافية‭ ‬في‭ ‬الإبحار‭ ‬حول‭ ‬رأس‭ ‬الرجاء‭ ‬الصالح‭. ‬وهذا‭ ‬يرفع‭:‬
●‭ ‬استهلاك‭ ‬الوقود
●‭ ‬عدد‭ ‬أيام‭ ‬الإبحار
●‭ ‬استخدام‭ ‬الحاويات
●‭ ‬ضغط‭ ‬الموانئ
●‭ ‬تكاليف‭ ‬العمالة‭ ‬والتمويل‭ ‬والتخزين
والنتيجة‭ ‬أن‭ ‬الشحن‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مجرد‭ ‬وسيلة‭ ‬نقل،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬عنصراً‭ ‬تضخمياً‭ ‬بحد‭ ‬ذاته‭. ‬وبالفعل،‭ ‬حذّرت‭ ‬الأونكتاد‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬أسعار‭ ‬الشحن‭ ‬العالمية‭ ‬باتت‭ ‬مرتفعة‭ ‬ومتقلبة،‭ ‬وأن‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد‭ ‬أصبحت‭ ‬أكثر‭ ‬هشاشة،‭ ‬فيما‭ ‬توقعت‭ ‬أن‭ ‬يتباطأ‭ ‬نمو‭ ‬التجارة‭ ‬البحرية‭ ‬العالمية‭ ‬في‭ ‬2025‭ ‬إلى‭ ‬0‭.‬5‭ % ‬فقط‭. ‬وهذا‭ ‬رقم‭ ‬شديد‭ ‬الدلالة،‭ ‬لأنه‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬البحر‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬فقط‭ ‬طريقًا‭ ‬للتجارة،‭ ‬بل‭ ‬صار‭ ‬مكبحًا‭ ‬للنمو‭ ‬العالمي‭.‬

التأمين‭.. ‬الضريبة‭ ‬غير‭ ‬المرئية

في‭ ‬الأزمات‭ ‬البحرية،‭ ‬لا‭ ‬ترتفع‭ ‬الأسعار‭ ‬فقط‭ ‬لأن‭ ‬السفن‭ ‬تتأخر‭ ‬أو‭ ‬تغيّر‭ ‬مسارها،‭ ‬بل‭ ‬لأن‭ ‬الخطر‭ ‬نفسه‭ ‬يصبح‭ ‬سلعة‭ ‬مسعّرة‭. ‬وهنا‭ ‬تظهر‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أخطر‭ ‬حلقات‭ ‬الأزمة‭: ‬التأمين‭ ‬البحري‭. ‬فعندما‭ ‬ترتفع‭ ‬احتمالات‭ ‬الهجمات‭ ‬أو‭ ‬الألغام‭ ‬أو‭ ‬الصواريخ‭ ‬أو‭ ‬القرصنة،‭ ‬ترتفع‭ ‬معها‭ ‬تلقائيًا‭:‬
●‭ ‬أقساط‭ ‬التأمين
●‭ ‬رسوم‭ ‬مخاطر‭ ‬الحرب
●‭ ‬كلفة‭ ‬استئجار‭ ‬الناقلات
●‭ ‬تكاليف‭ ‬الحماية‭ ‬الأمنية
●‭ ‬كلفة‭ ‬التمويل‭ ‬التجاري‭ ‬للشحنات
وهذه‭ ‬الزيادات‭ ‬لا‭ ‬تظهر‭ ‬للمستهلك‭ ‬تحت‭ ‬عنوان‭ ‬‮«‬توتر‭ ‬في‭ ‬الخليج‮»‬‭ ‬أو‭ ‬‮«‬تهديد‭ ‬في‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‮»‬،‭ ‬لكنها‭ ‬تظهر‭ ‬لاحقًا‭ ‬في‭ ‬أسعار‭:‬
●‭ ‬الغذاء
●‭ ‬الإلكترونيات
●‭ ‬المواد‭ ‬الخام
●‭ ‬السلع‭ ‬اليومية
بمعنى‭ ‬آخر،‭ ‬فإن‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬يدفع‭ ‬الآن‭ ‬ضريبة‭ ‬حرب‭ ‬بحرية‭ ‬حتى‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يشعر‭ ‬بها‭ ‬المستهلك‭ ‬بشكل‭ ‬كامل‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬أثر‭ ‬الأزمة‭ ‬أوسع‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬سعر‭ ‬النفط‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭.‬

من‭ ‬النفط‭ ‬إلى‭ ‬الخبز

الخطر‭ ‬الأكبر‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬أن‭ ‬عدوى‭ ‬الاختناق‭ ‬البحري‭ ‬لا‭ ‬تبقى‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬الطاقة‭ ‬أو‭ ‬الشحن،‭ ‬بل‭ ‬تنتقل‭ ‬سريعاً‭ ‬إلى‭ ‬بقية‭ ‬الاقتصاد‭.‬
فحين‭ ‬ترتفع‭ ‬كلفة‭ ‬الطاقة،‭ ‬ترتفع‭ ‬معها‭ ‬كلفة‭ ‬التصنيع‭ ‬والنقل‭ ‬والزراعة‭.‬
وحين‭ ‬ترتفع‭ ‬كلفة‭ ‬الشحن،‭ ‬ترتفع‭ ‬معها‭ ‬أسعار‭ ‬الغذاء‭ ‬والمواد‭ ‬الأولية‭ ‬والسلع‭ ‬الاستهلاكية‭.‬
وحين‭ ‬ترتفع‭ ‬كلفة‭ ‬التأمين‭ ‬والتمويل،‭ ‬ترتفع‭ ‬معها‭ ‬كلفة‭ ‬التجارة‭ ‬نفسها‭.‬
ولهذا،‭ ‬فإن‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬هرمز‭ ‬وباب‭ ‬المندب‭ ‬لا‭ ‬يهدد‭ ‬فقط‭ ‬محطات‭ ‬الوقود‭ ‬أو‭ ‬أسواق‭ ‬النفط،‭ ‬بل‭ ‬يهدد‭ ‬أيضاً‭:‬
●‭ ‬أسعار‭ ‬القمح‭ ‬والزيوت
●‭ ‬كلفة‭ ‬الأسمدة
●‭ ‬سلاسل‭ ‬الصناعات‭ ‬التحويلية
●‭ ‬أسعار‭ ‬التجزئة
●‭ ‬القدرة‭ ‬الشرائية‭ ‬للمستهلكين
وقد‭ ‬أشارت‭ ‬تقارير‭ ‬رويترز‭ ‬بالفعل‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬صدمة‭ ‬هرمز‭ ‬رفعت‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬النفط‭ ‬والغاز،‭ ‬بل‭ ‬أيضًا‭ ‬السكر،‭ ‬والأسمدة،‭ ‬وفول‭ ‬الصويا‭. ‬وهذا‭ ‬يؤكد‭ ‬أن‭ ‬العالم‭ ‬لا‭ ‬يواجه‭ ‬مجرد‭ ‬أزمة‭ ‬طاقة،‭ ‬بل‭ ‬أزمة‭ ‬انتقال‭ ‬أسعار‭ ‬عبر‭ ‬الاقتصاد‭ ‬كله‭.‬

التضخم‭ ‬يعود‭ ‬من‭ ‬البحر

أكثر‭ ‬ما‭ ‬يثير‭ ‬القلق‭ ‬في‭ ‬الأوساط‭ ‬الاقتصادية‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬صعود‭ ‬أسعار‭ ‬الطاقة،‭ ‬بل‭ ‬توقيت‭ ‬هذا‭ ‬الصعود‭.‬
فالعالم‭ ‬كان‭ ‬أصلاً‭ ‬يحاول‭ ‬تثبيت‭ ‬التضخم‭ ‬بعد‭ ‬موجات‭ ‬الارتفاع‭ ‬التي‭ ‬أعقبت‭ ‬الجائحة‭ ‬والحرب‭ ‬الأوكرانية‭. ‬لكن‭ ‬مع‭ ‬تعطل‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية‭ ‬وارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬الطاقة‭ ‬والشحن،‭ ‬فإن‭ ‬التضخم‭ ‬يعود‭ ‬من‭ ‬البحر‭. ‬وتشير‭ ‬تقديرات‭ ‬نقلتها‭ ‬رويترز‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬استمرار‭ ‬الأزمة‭ ‬قد‭ ‬يرفع‭ ‬التضخم‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬بما‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬نقطة‭ ‬مئوية‭ ‬كاملة،‭ ‬مع‭ ‬تأثير‭ ‬سلبي‭ ‬واضح‭ ‬على‭ ‬النمو‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬صندوق‭ ‬النقد‭ ‬الدولي‭ ‬حذّر‭ ‬سابقًا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬ارتفاع‭ ‬تكاليف‭ ‬الشحن‭ ‬بين‭ ‬آسيا‭ ‬وأوروبا‭ ‬بفعل‭ ‬اضطرابات‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‭ ‬قد‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬خطر‭ ‬حقيقي‭ ‬على‭ ‬التضخم‭ ‬العالمي‭ ‬إذا‭ ‬طال‭ ‬أمده‭. ‬وهذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬البنوك‭ ‬المركزية‭ ‬باتت‭ ‬تواجه‭ ‬معضلة‭ ‬صعبة‭: ‬هل‭ ‬تُبقي‭ ‬الفائدة‭ ‬مرتفعة‭ ‬لمواجهة‭ ‬التضخم؟‭ ‬أم‭ ‬تخففها‭ ‬لحماية‭ ‬النمو؟‭ ‬أم‭ ‬تدخل‭ ‬الاقتصادات‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬ركود‭ ‬تضخمي‭ ‬جديدة؟
وفي‭ ‬كل‭ ‬السيناريوهات،‭ ‬يبقى‭ ‬الثابت‭ ‬أن‭ ‬هرمز‭ ‬وباب‭ ‬المندب‭ ‬دخلا‭ ‬الآن‭ ‬مباشرة‭ ‬في‭ ‬معادلة‭ ‬السياسة‭ ‬النقدية‭ ‬العالمية‭.‬

رجوع لأعلى