هرمز وباب المندب يشلان الاقتصاد العالمي
دخل الاقتصاد العالمي مرحلة شديدة الحساسية بعد أن تحولت الحرب في المنطقة من خطر جيوسياسي قابل للاحتواء إلى واقع مباشر يضغط على أهم شريانين بحريين في العالم. فمع السيطرة الإيرانية الفعلية على مضيق هرمز، وإعلان الحوثيين دخولهم الحرب، باتت التجارة والطاقة أمام اختناق مزدوج يهدد بتغيير مسار الأسعار، وسلاسل الإمداد، وكلفة التمويل، وحتى قرارات البنوك المركزية في الاقتصادات الكبرى.
ما يحدث لم يعد مجرد تطور عسكري في الشرق الأوسط، بل أصبح حدثًا اقتصادياً عالمياً من الدرجة الأولى، لأن العالم الحديث لا يقوم فقط على الإنتاج، بل على قدرة السلع والطاقة على العبور الآمن والسريع. وعندما تصبح الممرات التي تحمل هذه التدفقات تحت التهديد أو التعطيل، فإن الاقتصاد كله يدخل منطقة اضطراب مفتوحة.
رقم يهز العالم
هذا هو حجم النفط والسوائل البترولية الذي مرّ عبر مضيق هرمز في النصف الأول من 2025، وفق إدارة معلومات الطاقة الأميركية (EIA)، بما يعادل نحو 20 % من استهلاك العالم من السوائل البترولية، ونحو ربع تجارة النفط المنقولة بحراً عالمياً.
كما يمر عبر المضيق نحو 20 % من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالمياً، وهو ما يجعل هرمز ليس مجرد ممر نفطي، بل شرياناً مركزياً لأمن الطاقة العالمي.
وتكمن الخطورة في أن هذا الشريان لا يخدم الخليج وحده، بل يغذي أسواق آسيا وأوروبا معاً، بما في ذلك اقتصادات صناعية كبرى تعتمد على تدفقات مستقرة من الخام والغاز والبتروكيماويات. أي خلل هنا لا يُترجم فقط إلى ارتفاع في أسعار الطاقة، بل إلى هزة في بنية التشغيل الاقتصادي العالمي نفسها.
هرمز.. من ممر إلى أداة ضغط
الجديد هذه المرة ليس فقط ارتفاع مستوى التوتر، بل أن إيران لم تعد تستخدم هرمز كورقة تهديد سياسية فقط، بل كأداة ضغط تشغيلية واقتصادية فعلية.
تقارير حديثة من رويترز تحدثت بوضوح عن أن المضيق «محجوب الآن» من قبل إيران، وأن القوى الغربية التي فشلت سابقاً في تأمين البحر الأحمر تجد أن إعادة فتح هرمز أكثر تعقيداً بكثير.
وبحسب التقرير، فإن التجربة السابقة في البحر الأحمر كلفت أكثر من مليار دولار من الذخائر، وشهدت غرق أربع سفن، ومع ذلك لم تنجح في إعادة الشحن إلى وضعه الطبيعي. وإذا كان هذا هو الحال في البحر الأحمر، فإن التحدي في هرمز أمام خصم أكثر تطوراً وقدرة يبدو أكبر بكثير. اقتصاديًا، هذا يعني أن العالم لم يعد يتعامل مع هرمز باعتباره ممراً مفتوحاً عالي المخاطر، بل باعتباره عنق زجاجة خاضعاً لمنطق الحرب.
صدمة طاقة
في سوق الطاقة، لا تحتاج الأزمة إلى إغلاق رسمي كامل حتى تنفجر الأسعار.
يكفي أن تصبح الملاحة غير مستقرة، أو مكلفة، أو انتقائية، حتى تبدأ الأسواق بإضافة «علاوة حرب» إلى النفط والغاز. وهنا تظهر الأرقام الأشد حساسية.
فبحسب تقديرات نقلتها رويترز عن Barclays، فإن استمرار تعطل الملاحة في هرمز قد يؤدي إلى فقدان ما بين 13 و14 مليون برميل يومياً من الإمدادات العالمية، وهو ما يمثل واحدة من أكبر صدمات العرض الممكنة في السوق الحديثة.
كما توقّع البنك أن يرتفع النفط إلى 100 دولار للبرميل في المدى القصير، ثم إلى 110 دولارات إذا طال التعطيل، بينما أشارت تقارير أخرى من رويترز إلى أن النفط تجاوز بالفعل 100 دولار خلال ذروة الاضطراب، في حين قفزت أسعار الغاز الأوروبي بما يصل إلى 40 % في بعض الجلسات. هذا يعني أن الحرب لم تعد تُترجم إلى خطر جيوسياسي فقط، بل إلى إعادة تسعير فوري للطاقة عالمياً.
الغاز في مرمى الأزمة
أحد أكثر أوجه الأزمة حساسية هو الغاز الطبيعي المسال، لأن تأثيره لا يظهر دائماً بنفس سرعة النفط في العناوين، لكنه قد يكون أكثر إيلاماً للاقتصادات المستوردة.
فوفق بيانات EIA، يمر عبر هرمز نحو 20 % من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميًا، وتأتي قطر في صدارة المتضررين من أي تعطيل، إذ صدّرت في 2024 نحو 9.3 مليارات قدم مكعبة يومياً من الغاز الطبيعي المسال عبر المضيق، بينما صدّرت الإمارات نحو 0.7 مليار قدم مكعبة يومياً. وهذا يعني أن آسيا وأوروبا معاً معرضتان لضغوط إضافية على سوق الغاز في توقيت لا تزال فيه كلفة الطاقة أحد أكبر التحديات أمام الصناعة والنمو.
وتكفي الإشارة إلى أن اليابان وحدها يعتمد ما يقارب 60 % من وارداتها النفطية و11 % من وارداتها من الغاز الطبيعي المسال على المرور عبر هرمز، بينما تشمل قائمة المتضررين الكبار أيضًا كوريا الجنوبية، الصين، والهند.
باب المندب.. الجبهة الثانية
إذا كان هرمز يمثل صدمة الطاقة، فإن باب المندب يمثل صدمة التجارة والشحن.
وهنا تأتي خطورة التطور الأخير: إعلان الحوثيين دخولهم الحرب، بما يعني أن البحر الأحمر لم يعد فقط منطقة اضطراب مزمن، بل جبهة مفتوحة من جديد. ووفق EIA، مرّ عبر باب المندب 4.1 ملايين برميل يومياً في 2024 و4.2 ملايين برميل يومياً في النصف الأول من 2025. لكن أهمية هذا الممر لا تقاس فقط بالنفط، بل بموقعه في قلب حركة التجارة بين آسيا وأوروبا عبر قناة السويس. وهذا يعني أن أي تصعيد أمني فيه لا يهدد ناقلات الطاقة فقط، بل يهدد أيضاW:
● الحاويات
● المواد الخام
● الأغذية
● المكونات الصناعية
● السلع الاستهلاكية
وبكلمات أوضح: هرمز يهدد ما يشغّل الاقتصاد.. وباب المندب يهدد ما يوصله إلى الأسواق.
سلاسل الإمداد تعود إلى الالتفاف
عندما تصبح الملاحة في باب المندب والبحر الأحمر محفوفة بالمخاطر، فإن شركات الشحن لا تنتظر حدوث خسائر مباشرة حتى تغيّر سلوكها. بل تبدأ سريعاً في الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح بدلاً من المرور عبر قناة السويس. وهذه الخطوة، وإن كانت توفر هامش أمان أكبر، إلا أنها تفرض تكلفة اقتصادية ثقيلة. فبحسب صندوق النقد الدولي (IMF)، تراجعت التجارة العابرة لقناة السويس في أول شهرين من 2024 بنحو 50 % مقارنة بالعام السابق، بينما أكدت الأونكتاد أن عبور السفـن الأسبوعـي فـي قنـاة السويس انخفض 42 % عن ذروته، وأن عبور سفن الحاويات الأسبوعي هبط 67 %، في وقت ظلت فيه مستويات العبور في أوائل مايو 2025 أقل بنحو 70 % من متوسط 2023. هذا يعني أن الاضطراب في البحر الأحمر لم يكن عابراً، بل خلق نظام شحن جديداً أكثر بطئاً وكلفة.
أسابيع إضافية.. وكلفة أعلى
الالتفاف حول أفريقيا لا يعني فقط تغيير خط على الخريطة، بل تغييراً في اقتصاد الرحلة البحرية بالكامل. فبحسب تقارير UNCTAD، فإن السفن التي كانت تعبر البحر الأحمر في أيام، باتت تقضي أسابيع إضافية في الإبحار حول رأس الرجاء الصالح. وهذا يرفع:
● استهلاك الوقود
● عدد أيام الإبحار
● استخدام الحاويات
● ضغط الموانئ
● تكاليف العمالة والتمويل والتخزين
والنتيجة أن الشحن لم يعد مجرد وسيلة نقل، بل أصبح عنصراً تضخمياً بحد ذاته. وبالفعل، حذّرت الأونكتاد من أن أسعار الشحن العالمية باتت مرتفعة ومتقلبة، وأن سلاسل الإمداد أصبحت أكثر هشاشة، فيما توقعت أن يتباطأ نمو التجارة البحرية العالمية في 2025 إلى 0.5 % فقط. وهذا رقم شديد الدلالة، لأنه يعني أن البحر لم يعد فقط طريقًا للتجارة، بل صار مكبحًا للنمو العالمي.
التأمين.. الضريبة غير المرئية
في الأزمات البحرية، لا ترتفع الأسعار فقط لأن السفن تتأخر أو تغيّر مسارها، بل لأن الخطر نفسه يصبح سلعة مسعّرة. وهنا تظهر واحدة من أخطر حلقات الأزمة: التأمين البحري. فعندما ترتفع احتمالات الهجمات أو الألغام أو الصواريخ أو القرصنة، ترتفع معها تلقائيًا:
● أقساط التأمين
● رسوم مخاطر الحرب
● كلفة استئجار الناقلات
● تكاليف الحماية الأمنية
● كلفة التمويل التجاري للشحنات
وهذه الزيادات لا تظهر للمستهلك تحت عنوان «توتر في الخليج» أو «تهديد في البحر الأحمر»، لكنها تظهر لاحقًا في أسعار:
● الغذاء
● الإلكترونيات
● المواد الخام
● السلع اليومية
بمعنى آخر، فإن الاقتصاد العالمي يدفع الآن ضريبة حرب بحرية حتى قبل أن يشعر بها المستهلك بشكل كامل. وهذا ما يجعل أثر الأزمة أوسع بكثير من مجرد سعر النفط في الأسواق.
من النفط إلى الخبز
الخطر الأكبر في هذه المرحلة أن عدوى الاختناق البحري لا تبقى في قطاع الطاقة أو الشحن، بل تنتقل سريعاً إلى بقية الاقتصاد.
فحين ترتفع كلفة الطاقة، ترتفع معها كلفة التصنيع والنقل والزراعة.
وحين ترتفع كلفة الشحن، ترتفع معها أسعار الغذاء والمواد الأولية والسلع الاستهلاكية.
وحين ترتفع كلفة التأمين والتمويل، ترتفع معها كلفة التجارة نفسها.
ولهذا، فإن ما يحدث في هرمز وباب المندب لا يهدد فقط محطات الوقود أو أسواق النفط، بل يهدد أيضاً:
● أسعار القمح والزيوت
● كلفة الأسمدة
● سلاسل الصناعات التحويلية
● أسعار التجزئة
● القدرة الشرائية للمستهلكين
وقد أشارت تقارير رويترز بالفعل إلى أن صدمة هرمز رفعت ليس فقط النفط والغاز، بل أيضًا السكر، والأسمدة، وفول الصويا. وهذا يؤكد أن العالم لا يواجه مجرد أزمة طاقة، بل أزمة انتقال أسعار عبر الاقتصاد كله.
التضخم يعود من البحر
أكثر ما يثير القلق في الأوساط الاقتصادية ليس فقط صعود أسعار الطاقة، بل توقيت هذا الصعود.
فالعالم كان أصلاً يحاول تثبيت التضخم بعد موجات الارتفاع التي أعقبت الجائحة والحرب الأوكرانية. لكن مع تعطل الممرات البحرية وارتفاع أسعار الطاقة والشحن، فإن التضخم يعود من البحر. وتشير تقديرات نقلتها رويترز إلى أن استمرار الأزمة قد يرفع التضخم في أوروبا بما يصل إلى نقطة مئوية كاملة، مع تأثير سلبي واضح على النمو. كما أن صندوق النقد الدولي حذّر سابقًا من أن ارتفاع تكاليف الشحن بين آسيا وأوروبا بفعل اضطرابات البحر الأحمر قد يتحول إلى خطر حقيقي على التضخم العالمي إذا طال أمده. وهذا يعني أن البنوك المركزية باتت تواجه معضلة صعبة: هل تُبقي الفائدة مرتفعة لمواجهة التضخم؟ أم تخففها لحماية النمو؟ أم تدخل الاقتصادات في مرحلة ركود تضخمي جديدة؟
وفي كل السيناريوهات، يبقى الثابت أن هرمز وباب المندب دخلا الآن مباشرة في معادلة السياسة النقدية العالمية.