هل حان وقت إعادة صياغة النظام المالي العالمي؟
قبل ثمانين عاماً، وتحديداً في يوليو 1944، اجتمع ممثلون عن 44 دولة في منتجع بريتون وودز بولاية نيوهامبشير الأمريكية للمشاركة في «مؤتمر الأمم المتحدة النقدي والمالي».
كان العالم آنذاك يخرج مثقلاً من أهوال الحرب العالمية الثانية؛ أوروبا مدمَّرة اقتصادياً، والنظام النقدي الدولي في حالة اضطراب، فيما كانت الحاجة ملحّة إلى إطار عالمي جديد يحقق الاستقرار المالي، ويمهّد لمرحلة التعافي وإعادة الإعمار.
أسفر المؤتمر عن إنشاء نظام دولي قائم على أسعار صرف ثابتة قابلة للتعديل، يرتكز على الدولار، مع فرض ضوابط على حركة رؤوس الأموال، إضافة إلى تأسيس مؤسستين أصبحتا لاحقًا حجر الزاوية في النظام المالي العالمي: صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.
أسعار الصرف الثابتة… والإرث المستمر
رغم انهيار نظام أسعار الصرف الثابتة في أوائل سبعينيات القرن الماضي، وتراجع ضوابط حركة رؤوس الأموال منذ ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين، فإن بنية النظام النقدي والمالي العالمي الراهن، والمؤسسات التي تديره، لا تزال متأثرة بعمق بإرث بريتون وودز.
إلا أن هذا الإرث بات اليوم موضع تساؤل متزايد في ظل تحولات اقتصادية عميقة، وصعود قوى جديدة، وتراكم أزمات متشابكة لم يكن واضعو النظام الأصلي يتصورونها.
وفي هذا السياق، وقبيل الذكرى الثمانين للمؤتمر، أصدرت مجموعة من المؤسسات البحثية الدولية من أفريقيا وآسيا وأوروبا والأمريكتين بيانًا مشتركاً دعت فيه إلى عقد مؤتمر دولي جديد برعاية الأمم المتحدة، لإعادة صياغة النظام النقدي والمالي العالمي بما يجعله أكثر عدالة وملاءمة لتحديات القرن الحادي والعشرين.
نظام لم يعد منسجماً مع الواقع
يرى معدّو البيان أن النظام الحالي يتسم بطابع هرمي واضح، تحكمه اختلالات بنيوية بين الدول الدائنة والدول المقترِضة، ويعاني فجوة متزايدة بين موازين القوة الاقتصادية الفعلية وهيكل الحوكمة داخل المؤسسات المالية الدولية.
فتمثيل الاقتصادات الصاعدة والنامية لا يزال محدوداً، رغم تزايد وزنها في الاقتصاد العالمي، ما يضعف شرعية هذه المؤسسات ويقيّد قدرتها على التعامل مع أزمات معقدة، مثل أزمات الديون، والجوائح، والتغير المناخي.
كما يؤكد البيان أن النظام الحالي أثبت عجزه عن الاستجابة الفاعلة لأزمة المناخ والتدهور البيئي، اللذين يشكلان تهديداً وجودياً للاقتصاد العالمي وللبشرية جمعاء، في وقت لا تزال فيه التدفقات المالية الدولية غير منسجمة مع أهداف التنمية المستدامة واتفاق باريس للمناخ.
ثماني ركائز لإصلاح شامل
يدعو البيان إلى إصلاح جذري للعمارة الاقتصادية والمالية العالمية عبر حزمة متكاملة من التغييرات في ثمانية مجالات رئيسية:
أولًا: تعزيز التمثيل والصوت داخل المؤسسات المالية الدولية
يشدد البيان على أن الحوكمة الاقتصادية العالمية لا يمكن أن تكون فعالة من دون تمثيل عادل. لذلك، يطالب بإصلاحات جذرية في آليات التصويت والحصص داخل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وبقية بنوك التنمية متعددة الأطراف، بما يعكس التحولات الفعلية في الاقتصاد العالمي.
كما يدعو إلى إنهاء ما يُعرف بـ«اتفاق السادة» الذي يحصر رئاسة صندوق النقد في الأوروبيين ورئاسة البنك الدولي في الأمريكيين، واعتماد معايير الكفاءة وحدها في التعيينات العليا، مع آلية انتخاب أكثر شمولًا وشفافية.
ثانياً: تعزيز شبكة الأمان المالي العالمية
يشير البيان إلى أن شبكة الأمان المالي العالمية، المكوّنة من صندوق النقد الدولي والترتيبات المالية الإقليمية، لا تزال غير كافية ومجزأة، ما يدفع الدول النامية إلى تكديس احتياطيات ضخمة من العملات الأجنبية على حساب الاستثمار في التنمية.
ويقترح توسيع موارد الصندوق، وتقوية الترتيبات الإقليمية، خصوصًا في أفريقيا، وتحسين أدوات الإقراض الطارئة، وإنشاء آلية متعددة الأطراف لمبادلات العملات، تُموَّل جزئيًا من حقوق السحب الخاصة غير المستخدمة.
ثالثاً: إنشاء آلية دولية لمعالجة ديون الدول السيادية
يُعد غياب إطار دولي منظم لإعادة هيكلة الديون السيادية أحد أبرز أوجه القصور في النظام الحالي. ويدعو البيان إلى إنشاء آلية مستقلة بإشراف الأمم المتحدة، تضمن معالجة شاملة وعادلة وشفافة لأزمات الديون، مع إلزام جميع الدائنين بمن فيهم القطاع الخاص بالمشاركة في تحمل أعباء تخفيف الديون، استنادًا إلى تحليلات استدامة تأخذ في الاعتبار احتياجات التنمية والمناخ.
رابعاً: توسيع تمويل المناخ
يطالب البيان المؤسسات المالية الدولية بوقف تمويل الوقود الأحفوري فورًا، وزيادة الاستثمارات في التحول إلى اقتصاد منخفض الكربون وقادر على الصمود. كما يدعو الهيئات الرقابية والمالية إلى التعامل مع مخاطر المناخ باعتبارها مخاطر نظامية، والانتقال من مجرد إدارتها إلى توجيه النظام المالي نحو الاستدامة.
خامساً: تعزيز دور بنوك التنمية العامة
يرى البيان أن التحولات الهيكلية المطلوبة لتحقيق التنمية المستدامة والحياد الكربوني تستلزم دورًا أكبر لبنوك التنمية العامة على المستويات الدولية والوطنية والمحلية.
ويقترح إصلاح بنوك التنمية متعددة الأطراف وزيادة رأسمالها، ودعم إنشاء بنوك استثمار خضراء، وتقديم الدعم الفني والمالي لبناء قدرات بنوك التنمية الوطنية.
سادساً: الانتقال إلى نظام نقدي متعدد الأطراف
ينتقد البيان هيمنة الدولار الأمريكي على النظام النقدي العالمي، لما تسببه من تقلبات وعدم استقرار، وتأثير غير متناسب لسياسات دولة واحدة على بقية دول العالم.
ويقترح توسيع دور حقوق السحب الخاصة بوصفها أصلًا احتياطيًا عالميًا فعليًا، مع إصدارها بانتظام، واستخدامها في تمويل برامج صندوق النقد، وزيادة الإقراض بالعملات المحلية لتقليل مخاطر تقلبات أسعار الصرف.
سابعاً: إدارة أفضل لتدفقات رؤوس الأموال
يشير البيان إلى أن التدفقات الرأسمالية غير المنضبطة ساهمت في تقلبات مالية حادة. ويدعو إلى دعم الدول النامية في استخدام أدوات إدارة حركة رؤوس الأموال، وتحسين التنسيق الدولي للحد من الآثار السلبية لسياسات الدول المتقدمة.
كما يقترح فرض ضريبة دولية على المعاملات المالية للحد من المضاربات قصيرة الأجل، وتوفير موارد إضافية لتمويل التنمية والعمل المناخي.