تخطي إلى المحتوى الرئيسي

هل‭ ‬دخلت‭ ‬السوق‭ ‬الأميركية‭ ‬مرحلة‭ ‬التصحيح‭ ‬العميق؟

هل‭ ‬دخلت‭ ‬السوق‭ ‬الأميركية‭ ‬مرحلة‭ ‬التصحيح‭ ‬العميق؟

شهدت‭ ‬الأسهم‭ ‬الأميركية‭ ‬جلسة‭ ‬قاسية‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬الأسبوع،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬عادت‭ ‬موجة‭ ‬البيع‭ ‬بقوة‭ ‬لتضغط‭ ‬على‭ ‬المؤشرات‭ ‬الرئيسية‭ ‬الثلاثة‭ ‬وتدفعها‭ ‬إلى‭ ‬أدنى‭ ‬مستويات‭ ‬إغلاق‭ ‬منذ‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ستة‭ ‬أشهر،‭ ‬في‭ ‬تطور‭ ‬يعكس‭ ‬انتقال‭ ‬القلق‭ ‬من‭ ‬خانة‭ ‬‮«‬التوتر‭ ‬الجيوسياسي‭ ‬المؤقت‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬خانة‭ ‬‮«‬إعادة‭ ‬تسعير‭ ‬شاملة‭ ‬للمخاطر‮»‬‭. ‬فالسوق‭ ‬التي‭ ‬حاولت‭ ‬خلال‭ ‬الأسابيع‭ ‬الماضية‭ ‬استيعاب‭ ‬صدمة‭ ‬الحرب‭ ‬الدائرة‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬وجدت‭ ‬نفسها‭ ‬يوم‭ ‬الجمعة‭ ‬أمام‭ ‬واقع‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً‭: ‬أسعار‭ ‬نفط‭ ‬مرتفعة،‭ ‬شهية‭ ‬مخاطرة‭ ‬متراجعة،‭ ‬أسهم‭ ‬تكنولوجيا‭ ‬عملاقة‭ ‬تحت‭ ‬الضغط،‭ ‬ومستهلك‭ ‬أميركي‭ ‬بدأت‭ ‬ثقته‭ ‬بالاقتصاد‭ ‬تتآكل‭ ‬تدريجياً‭.‬
وبحسب‭ ‬بيانات‭ ‬التداول،‭ ‬انخفض‭ ‬مؤشر‭ ‬داو‭ ‬جونز‭ ‬الصناعي‭ ‬بنحو‭ ‬803‭.‬6‭ ‬نقاط‭ ‬أو‭ ‬1.75‭ % ‬ليغلق‭ ‬قرب‭ ‬45156‭.‬5‭ ‬نقطة،‭ ‬بينما‭ ‬تراجع‭ ‬ستاندرد‭ ‬آند‭ ‬بورز‭ ‬500‭ ‬بنحو‭ ‬1‭.‬70‭ % ‬إلى‭ ‬حوالي‭ ‬6367‭ ‬نقطة،‭ ‬وهبط‭ ‬ناسداك‭ ‬المجمع‭ ‬بنحو‭ ‬2‭.‬14‭ % ‬إلى‭ ‬قرابة‭ ‬20949‭ ‬نقطة،‭ ‬في‭ ‬جلسة‭ ‬عززت‭ ‬صورة‭ ‬التراجع‭ ‬المتواصل‭ ‬في‭ ‬وول‭ ‬ستريت‭. ‬كما‭ ‬سجلت‭ ‬المؤشرات‭ ‬الثلاثة‭ ‬خسارتها‭ ‬الأسبوعية‭ ‬الخامسة‭ ‬على‭ ‬التوالي،‭ ‬وهي‭ ‬أطول‭ ‬سلسلة‭ ‬هبوط‭ ‬منذ‭ ‬ما‭ ‬يقرب‭ ‬من‭ ‬أربع‭ ‬سنوات،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬تأكد‭ ‬دخول‭ ‬ناسداك‭ ‬ثم‭ ‬داو‭ ‬لاحقاً‭ ‬إلى‭ ‬منطقة‭ ‬التصحيح‭ ‬بعد‭ ‬هبوطه‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬10‭ % ‬من‭ ‬ذروته‭ ‬السابقة
ضغوط‭ ‬جيوسياسية

ما‭ ‬يضغط‭ ‬على‭ ‬السوق‭ ‬الأميركية‭ ‬اليوم‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬خبر‭ ‬سياسي‭ ‬عابر،‭ ‬بل‭ ‬تراكمٌ‭ ‬لمخاطر‭ ‬يصعب‭ ‬على‭ ‬المستثمرين‭ ‬تسعيرها‭ ‬بدقة‭. ‬فالحرب‭ ‬المستمرة‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬منذ‭ ‬نحو‭ ‬شهر‭ ‬أعادت‭ ‬إلى‭ ‬الواجهة‭ ‬أسوأ‭ ‬مخاوف‭ ‬الأسواق‭: ‬اضطراب‭ ‬الطاقة،‭ ‬تضخم‭ ‬مستورد،‭ ‬وتعقيد‭ ‬إضافي‭ ‬في‭ ‬قرار‭ ‬الفائدة‭. ‬وحتى‭ ‬حين‭ ‬حاولت‭ ‬الأسواق‭ ‬التقاط‭ ‬بعض‭ ‬الارتياح‭ ‬من‭ ‬التصريحات‭ ‬الأميركية‭ ‬التي‭ ‬أوحت‭ ‬بإعطاء‭ ‬مهلة‭ ‬إضافية‭ ‬لإيران،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬ذلك‭ ‬كافياً‭ ‬لعكس‭ ‬المسار‭.‬
السبب‭ ‬بسيط‭: ‬المتعاملون‭ ‬لا‭ ‬يقيّمون‭ ‬فقط‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬التصعيد‭ ‬سيتوسع‭ ‬عسكرياً،‭ ‬بل‭ ‬أيضاً‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬الحرب‭ ‬ستطول‭ ‬بما‭ ‬يكفي‭ ‬لإحداث‭ ‬أثر‭ ‬اقتصادي‭ ‬ممتد‭. ‬وفي‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة،‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬وول‭ ‬ستريت‭ ‬بدأت‭ ‬تتصرف‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬أن‭ ‬الصدمة‭ ‬النفطية‭ ‬ليست‭ ‬مؤقتة‭ ‬بالكامل،‭ ‬وأن‭ ‬تداعياتها‭ ‬قد‭ ‬تتجاوز‭ ‬قطاع‭ ‬الطاقة‭ ‬إلى‭ ‬قطاعات‭ ‬النقل،‭ ‬الصناعة،‭ ‬الاستهلاك،‭ ‬والخدمات‭.‬
وقد‭ ‬ظهر‭ ‬ذلك‭ ‬بوضوح‭ ‬في‭ ‬ارتفاع‭ ‬مؤشر‭ ‬التقلب‭ ‬VIX‭ ‬إلى‭ ‬مستويات‭ ‬تعكس‭ ‬عودة‭ ‬قوية‭ ‬لطلب‭ ‬التحوط،‭ ‬بينما‭ ‬اتسعت‭ ‬عمليات‭ ‬البيع‭ ‬في‭ ‬الأسهم‭ ‬الدورية‭ ‬وأسهم‭ ‬النمو‭ ‬معًا‭. ‬وهذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬الهبوط،‭ ‬حيث‭ ‬تتراجع‭ ‬أسهم‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الأسهم‭ ‬الحساسة‭ ‬للدورة‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬عادة‭ ‬ما‭ ‬يكون‭ ‬إشارة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬السوق‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تقلق‭ ‬من‭ ‬‮«‬قطاع‭ ‬بعينه‮»‬،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬إعادة‭ ‬تقييم‭ ‬كلية‭ ‬للمشهد‭ ‬الاقتصادي‭.‬
النفط‭ ‬والتضخم

الرسالة‭ ‬الأكثر‭ ‬إزعاجاً‭ ‬لوول‭ ‬ستريت‭ ‬جاءت‭ ‬من‭ ‬أسواق‭ ‬الطاقة‭. ‬فقد‭ ‬ارتفع‭ ‬خام‭ ‬غرب‭ ‬تكساس‭ ‬الأميركي‭ ‬عند‭ ‬التسوية‭ ‬إلى‭ ‬99‭.‬64‭ ‬دولاراً‭ ‬للبرميل‭ ‬بزيادة‭ ‬5‭.‬46‭ %‬،‭ ‬فيما‭ ‬صعد‭ ‬خام‭ ‬برنت‭ ‬إلى‭ ‬112‭.‬57‭ ‬دولاراً‭ ‬بارتفاع‭ ‬4‭.‬22‭ %. ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬المكاسب‭ ‬الأسبوعية‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬حادة‭ ‬بالمقارنة‭ ‬مع‭ ‬قفزات‭ ‬سابقة،‭ ‬فإن‭ ‬بقاء‭ ‬الأسعار‭ ‬عند‭ ‬هذه‭ ‬المستويات‭ ‬المرتفعة‭ ‬يكفي‭ ‬وحده‭ ‬لتغيير‭ ‬حسابات‭ ‬المستثمرين‭ ‬والبنوك‭ ‬المركزية‭ ‬على‭ ‬السواء
جبهتين‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد

تكمن‭ ‬خطورة‭ ‬النفط‭ ‬المرتفع‭ ‬في‭ ‬أنه‭ ‬يعمل‭ ‬على‭ ‬جبهتين‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد‭:‬
الأولى‭: ‬أنه‭ ‬يرفع‭ ‬تكاليف‭ ‬الإنتاج‭ ‬والنقل،‭ ‬وبالتالي‭ ‬يعيد‭ ‬الضغوط‭ ‬التضخمية‭ ‬إلى‭ ‬الشركات‭ ‬والمستهلكين‭.‬
والثانية‭: ‬أنه‭ ‬يضغط‭ ‬على‭ ‬الدخل‭ ‬الحقيقي‭ ‬للأسر‭ ‬عبر‭ ‬البنزين‭ ‬والطاقة،‭ ‬ما‭ ‬يهدد‭ ‬الاستهلاك‭ ‬الذي‭ ‬يُعد‭ ‬العمود‭ ‬الفقري‭ ‬للاقتصاد‭ ‬الأميركي‭.‬
هذا‭ ‬التطور‭ ‬يعقّد‭ ‬معادلة‭ ‬مجلس‭ ‬الاحتياطي‭ ‬الفيدرالي‭. ‬ففي‭ ‬الأشهر‭ ‬الماضية،‭ ‬كان‭ ‬الأمل‭ ‬معقودًا‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يسمح‭ ‬تباطؤ‭ ‬نسبي‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬مؤشرات‭ ‬الأسعار‭ ‬بفتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬دورة‭ ‬خفض‭ ‬للفائدة‭. ‬لكن‭ ‬الحرب،‭ ‬عبر‭ ‬بوابة‭ ‬النفط‭ ‬والسلع،‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬أعادت‭ ‬إحياء‭ ‬التضخم‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يطمئن‭ ‬الفيدرالي‭ ‬إلى‭ ‬انحساره‭ ‬بالكامل‭.‬
وهو‭ ‬ما‭ ‬يفسر‭ ‬جزئياً‭ ‬التحول‭ ‬الحاد‭ ‬في‭ ‬تسعير‭ ‬الأسواق‭ ‬لمسار‭ ‬الفائدة‭. ‬فالمستثمرون‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬قبل‭ ‬أسابيع‭ ‬فقط‭ ‬يناقشون‭ ‬توقيت‭ ‬أول‭ ‬خفض،‭ ‬باتوا‭ ‬الآن‭ ‬يضعون‭ ‬في‭ ‬الحسبان‭ ‬سيناريو‭ ‬تأجيل‭ ‬الخفض‭ ‬لفترة‭ ‬أطول،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬بعض‭ ‬التسعير‭ ‬في‭ ‬السوق‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يستبعد‭ ‬حتى‭ ‬احتمال‭ ‬التشدد‭ ‬إذا‭ ‬تبين‭ ‬أن‭ ‬صدمة‭ ‬الطاقة‭ ‬بدأت‭ ‬تتسرب‭ ‬إلى‭ ‬التضخم‭ ‬الأساسي‭ ‬أو‭ ‬توقعات‭ ‬التضخم‭.‬
ضغط‭ ‬الشركات‭ ‬الكبرى

الهبوط‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬عشوائياً،‭ ‬بل‭ ‬حمل‭ ‬بصمة‭ ‬واضحة‭ ‬لأسهم‭ ‬الشركات‭ ‬الكبرى،‭ ‬وخصوصاً‭ ‬التكنولوجيا‭. ‬هذه‭ ‬الفئة‭ ‬التي‭ ‬قادت‭ ‬السوق‭ ‬الأميركية‭ ‬في‭ ‬الأشهر‭ ‬الماضية‭ ‬تحولت‭ ‬في‭ ‬الجلسات‭ ‬الأخيرة‭ ‬إلى‭ ‬عامل‭ ‬ضغط‭ ‬أساسي،‭ ‬وهو‭ ‬تطور‭ ‬مهم‭ ‬لأن‭ ‬السوق‭ ‬الأميركية‭ ‬الحديثة‭ ‬باتت‭ ‬أكثر‭ ‬اعتمادًا‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬مضى‭ ‬على‭ ‬عدد‭ ‬محدود‭ ‬من‭ ‬الأسهم‭ ‬العملاقة‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬الأداء‭ ‬العام‭ ‬للمؤشرات‭.‬
حين‭ ‬تتراجع‭ ‬هذه‭ ‬الأسماء،‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬الأثر‭ ‬على‭ ‬المؤشرات‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬إلى‭ ‬المعنويات،‭ ‬وتدفقات‭ ‬الصناديق،‭ ‬واستراتيجية‭ ‬المستثمرين‭ ‬الأفراد‭ ‬والمؤسسات‭. ‬لذلك،‭ ‬فإن‭ ‬تراجع‭ ‬ناسداك‭ ‬بأكثر‭ ‬من‭ ‬2‭ % ‬في‭ ‬جلسة‭ ‬واحدة‭ ‬لا‭ ‬يُقرأ‭ ‬فقط‭ ‬كهبوط‭ ‬رقمي،‭ ‬بل‭ ‬كمؤشر‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬المستثمرين‭ ‬باتوا‭ ‬أقل‭ ‬استعداداً‭ ‬لدفع‭ ‬تقييمات‭ ‬مرتفعة‭ ‬لأسهم‭ ‬النمو‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬تتسم‭ ‬بارتفاع‭ ‬العوائد،‭ ‬وعودة‭ ‬القلق‭ ‬التضخمي،‭ ‬وارتفاع‭ ‬تكلفة‭ ‬رأس‭ ‬المال‭.‬

أخطر‭ ‬التحولات

وهنا‭ ‬يكمن‭ ‬أحد‭ ‬أخطر‭ ‬التحولات‭ ‬في‭ ‬السوق‭ ‬الحالية‭:‬
فخلال‭ ‬الفترات‭ ‬السابقة،‭ ‬كان‭ ‬المستثمرون‭ ‬مستعدين‭ ‬لغض‭ ‬الطرف‭ ‬عن‭ ‬التقييمات‭ ‬المرتفعة‭ ‬ما‭ ‬دام‭ ‬السرد‭ ‬السائد‭ ‬هو‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬نمو‭ ‬الأرباح،‭ ‬وهبوط‭ ‬الفائدة‭ ‬لاحقاً‭. ‬أما‭ ‬اليوم،‭ ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬السرد‭ ‬نفسه‭ ‬يتعرض‭ ‬لاختبار‭ ‬مزدوج‭:‬
هل‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تواصل‭ ‬شركات‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬العملاقة‭ ‬تبرير‭ ‬تقييماتها‭ ‬إذا‭ ‬تباطأ‭ ‬الاقتصاد؟
وهل‭ ‬تبقى‭ ‬هذه‭ ‬التقييمات‭ ‬مريحة‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬يأتِ‭ ‬خفض‭ ‬الفائدة‭ ‬بالسرعة‭ ‬المتوقعة؟
الإجابة‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الحالي‭ ‬تبدو‭ ‬أكثر‭ ‬حذراً‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬مضى‭.‬
ثقة‭ ‬المستهلك

في‭ ‬الخلفية،‭ ‬هناك‭ ‬متغير‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬أهمية‭ ‬عن‭ ‬النفط‭ ‬أو‭ ‬الأسهم‭: ‬المستهلك‭ ‬الأميركي‭.‬
فبيانات‭ ‬جامعة‭ ‬ميشيغان‭ ‬أظهرت‭ ‬أن‭ ‬ثقة‭ ‬المستهلكين‭ ‬الأميركيين‭ ‬هبطت‭ ‬في‭ ‬مارس‭ ‬إلى‭ ‬53‭.‬3‭ ‬نقطة،‭ ‬وهو‭ ‬أدنى‭ ‬مستوى‭ ‬في‭ ‬ثلاثة‭ ‬أشهر،‭ ‬مع‭ ‬ارتفاع‭ ‬واضح‭ ‬في‭ ‬القلق‭ ‬المرتبط‭ ‬بالتضخم‭ ‬والحرب‭ ‬وتكاليف‭ ‬المعيشة‭. ‬كما‭ ‬ارتفعت‭ ‬توقعات‭ ‬التضخم‭ ‬لعام‭ ‬واحد‭ ‬إلى‭ ‬3‭.‬8‭ %‬،‭ ‬في‭ ‬إشارة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬للفيدرالي‭ ‬تجاهلها‭ ‬بسهولة
هذه‭ ‬الأرقام‭ ‬مهمة‭ ‬للغاية،‭ ‬لأن‭ ‬السوق‭ ‬الأميركية‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تعتمد‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬مرونة‭ ‬الشركات،‭ ‬بل‭ ‬أيضًا‭ ‬على‭ ‬صلابة‭ ‬المستهلك‭. ‬وإذا‭ ‬بدأ‭ ‬المستهلك‭ ‬الأميركي‭ ‬يتراجع‭ ‬نفسياً‭ ‬ومالياً،‭ ‬فإن‭ ‬ذلك‭ ‬قد‭ ‬ينعكس‭ ‬على‭ ‬الإنفاق،‭ ‬ثم‭ ‬على‭ ‬أرباح‭ ‬الشركات،‭ ‬ثم‭ ‬على‭ ‬التوظيف،‭ ‬ثم‭ ‬على‭ ‬النمو‭ ‬العام‭.‬
صحيح‭ ‬أن‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬مؤشرات‭ ‬الثقة‭ ‬والإنفاق‭ ‬الفعلي‭ ‬ليست‭ ‬دائماً‭ ‬مباشرة،‭ ‬لكن‭ ‬تجاهلها‭ ‬أيضاً‭ ‬ليس‭ ‬خياراً‭ ‬مريحاً،‭ ‬خصوصاً‭ ‬حين‭ ‬تأتي‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬يتسم‭ ‬بارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬الوقود،‭ ‬وتراجع‭ ‬الأسهم،‭ ‬وفتور‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭ ‬نسبيًا‭.‬
الأخطر‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التراجع‭ ‬في‭ ‬المعنويات‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬كانت‭ ‬فيه‭ ‬شريحة‭ ‬الدخل‭ ‬الأعلى‭ ‬المدعومة‭ ‬بارتفاع‭ ‬الأصول‭ ‬المالية‭ ‬تشكل‭ ‬محركاً‭ ‬مهماً‭ ‬للاستهلاك‭. ‬ومع‭ ‬هبوط‭ ‬الأسهم‭ ‬وارتفاع‭ ‬البنزين،‭ ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬المحرك‭ ‬نفسه‭ ‬قد‭ ‬يبدأ‭ ‬بفقدان‭ ‬بعض‭ ‬الزخم‭.‬

الفيدرالي‭ ‬بين‭ ‬نارين

إذا‭ ‬كانت‭ ‬وول‭ ‬ستريت‭ ‬تبحث‭ ‬اليوم‭ ‬عن‭ ‬‮«‬رواية‮»‬‭ ‬تقود‭ ‬السوق،‭ ‬فإن‭ ‬هذه‭ ‬الرواية‭ ‬تتمحور‭ ‬بالكامل‭ ‬حول‭ ‬سؤال‭ ‬واحد‭:‬
هل‭ ‬يستطيع‭ ‬الاحتياطي‭ ‬الفيدرالي‭ ‬خفض‭ ‬الفائدة‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬ترتفع‭ ‬فيها‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬وتتراجع‭ ‬فيها‭ ‬الثقة؟
المعضلة‭ ‬هنا‭ ‬شديدة‭ ‬التعقيد‭. ‬فمن‭ ‬جهة،‭ ‬تظهر‭ ‬بعض‭ ‬المؤشرات‭ ‬تباطؤاً‭ ‬في‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي؛‭ ‬إذ‭ ‬أظهرت‭ ‬بيانات‭ ‬S&P Global‭ ‬أن‭ ‬نشاط‭ ‬الأعمال‭ ‬الأميركي‭ ‬في‭ ‬مارس‭ ‬تراجع‭ ‬إلى‭ ‬أدنى‭ ‬مستوى‭ ‬في‭ ‬11‭ ‬شهراً،‭ ‬مع‭ ‬تباطؤ‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬الخدمات‭ ‬وارتفاع‭ ‬في‭ ‬ضغوط‭ ‬الأسعار،‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬مزيجاً‭ ‬غير‭ ‬مريح‭ ‬من‭ ‬تباطؤ‭ ‬النمو‭ ‬وارتفاع‭ ‬الكلفة
ومن‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬التضخم‭ ‬فوق‭ ‬المستوى‭ ‬المستهدف،‭ ‬والصدمة‭ ‬النفطية‭ ‬الجديدة‭ ‬قد‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تأخير‭ ‬مسار‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬2‭ % ‬ولهذا،‭ ‬أبقى‭ ‬الفيدرالي‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة‭ ‬دون‭ ‬تغيير‭ ‬في‭ ‬اجتماعه‭ ‬الأخير،‭ ‬فيما‭ ‬بدأت‭ ‬تصريحات‭ ‬بعض‭ ‬مسؤولي‭ ‬البنوك‭ ‬المركزية‭ ‬الأميركية‭ ‬تميل‭ ‬إلى‭ ‬لغة‭ ‬أكثر‭ ‬حذراً،‭ ‬مؤكدين‭ ‬أن‭ ‬الغموض‭ ‬الجيوسياسي‭ ‬يحدّ‭ ‬من‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬اتخاذ‭ ‬قرارات‭ ‬تيسيرية‭ ‬سريعة
بمعنى‭ ‬آخر،‭ ‬الفيدرالي‭ ‬اليوم‭ ‬ليس‭ ‬مرتاحاً‭ ‬بما‭ ‬يكفي‭ ‬لخفض‭ ‬الفائدة‭ ‬سريعاً،‭ ‬وليس‭ ‬مطمئناً‭ ‬بما‭ ‬يكفي‭ ‬لتجاهل‭ ‬تباطؤ‭ ‬الاقتصاد‭. ‬وهذه‭ ‬هي‭ ‬البيئة‭ ‬المثالية‭ ‬لارتفاع‭ ‬التقلبات‭ ‬في‭ ‬السوق‭.‬

هل‭ ‬التصحيح‭ ‬مؤقت؟

السؤال‭ ‬الذي‭ ‬يفرض‭ ‬نفسه‭ ‬الآن‭ ‬هو‭:‬
هل‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬مجرد‭ ‬تصحيح‭ ‬صحي‭ ‬بعد‭ ‬موجة‭ ‬صعود‭ ‬طويلة،‭ ‬أم‭ ‬بداية‭ ‬مرحلة‭ ‬أعمق‭ ‬من‭ ‬إعادة‭ ‬التسعير؟
المدرسة‭ ‬المتفائلة‭ ‬تقول‭ ‬إن‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬هو‭ ‬إعادة‭ ‬ضبط‭ ‬منطقية‭ ‬بعد‭ ‬أشهر‭ ‬من‭ ‬الارتفاعات‭ ‬المدفوعة‭ ‬بالسيولة‭ ‬والتفاؤل‭ ‬المفرط،‭ ‬وأن‭ ‬أي‭ ‬هبوط‭ ‬إضافي‭ ‬قد‭ ‬يخلق‭ ‬فرص‭ ‬شراء‭ ‬انتقائية،‭ ‬خاصة‭ ‬إذا‭ ‬انحسر‭ ‬التوتر‭ ‬الجيوسياسي‭ ‬وعادت‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬للهدوء‭. ‬بل‭ ‬إن‭ ‬بعض‭ ‬بيوت‭ ‬الأبحاث‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تحتفظ‭ ‬بنظرة‭ ‬إيجابية‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬المتوسط،‭ ‬انطلاقًا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬أرباح‭ ‬الشركات‭ ‬الأميركية‭ ‬الكبرى‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬متماسكة‭ ‬نسبياً،‭ ‬وأن‭ ‬الاقتصاد‭ ‬لم‭ ‬يدخل‭ ‬بعد‭ ‬مرحلة‭ ‬انكماش‭ ‬حقيقية
لكن‭ ‬المدرسة‭ ‬الأكثر‭ ‬حذراً‭ ‬ترى‭ ‬أن‭ ‬السوق‭ ‬لم‭ ‬تنهِ‭ ‬بعد‭ ‬عملية‭ ‬التسعير،‭ ‬وأن‭ ‬الخطر‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬تزامن‭ ‬أربعة‭ ‬عوامل‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬واحد‭:‬
1‭ – ‬تضخم‭ ‬مرشح‭ ‬للارتفاع‭ ‬من‭ ‬جديد
2‭ – ‬فيدرالي‭ ‬أقل‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬التيسير
3‭ – ‬تراجع‭ ‬في‭ ‬ثقة‭ ‬المستهلك‭ ‬والنشاط
4‭ – ‬اعتماد‭ ‬مفرط‭ ‬على‭ ‬عدد‭ ‬محدود‭ ‬من‭ ‬الأسهم‭ ‬القيادية
وفي‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬السيناريو،‭ ‬لا‭ ‬يعود‭ ‬الهبوط‭ ‬مجرد‭ ‬تصحيح‭ ‬فني،‭ ‬بل‭ ‬يصبح‭ ‬اختباراً‭ ‬حقيقياً‭ ‬لقدرة‭ ‬السوق‭ ‬على‭ ‬تحمّل‭ ‬بيئة‭ ‬‮«‬أسعار‭ ‬فائدة‭ ‬مرتفعة‭ ‬لفترة‭ ‬أطول‮»‬‭ ‬مع‭ ‬نمو‭ ‬أبطأ‭ ‬وتوترات‭ ‬عالمية‭ ‬مفتوحة‭.‬

إلى‭ ‬أين‭ ‬تتجه‭ ‬وول‭ ‬ستريت؟

الراجح‭ ‬في‭ ‬المدى‭ ‬القصير‭ ‬أن‭ ‬تبقى‭ ‬السوق‭ ‬الأميركية‭ ‬رهينة‭ ‬ثلاث‭ ‬شاشات‭ ‬رئيسية‭:‬
●‭ ‬شاشة‭ ‬الحرب‭: ‬أي‭ ‬تطور‭ ‬عسكري‭ ‬أو‭ ‬سياسي‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬سيبقى‭ ‬محركاً‭ ‬مباشراً‭ ‬للأسهم‭ ‬والنفط‭.‬
●‭ ‬شاشة‭ ‬الطاقة‭: ‬بقاء‭ ‬الخام‭ ‬قرب‭ ‬100‭ ‬دولار‭ ‬أو‭ ‬فوقه‭ ‬سيعني‭ ‬بقاء‭ ‬التضخم‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬المشهد‭.‬
●‭ ‬شاشة‭ ‬الفيدرالي‭ ‬والبيانات‭: ‬كل‭ ‬قراءة‭ ‬للتضخم،‭ ‬والإنفاق،‭ ‬والثقة،‭ ‬والنشاط،‭ ‬ستُقرأ‭ ‬الآن‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬تصويت‭ ‬مباشر‭ ‬على‭ ‬مصير‭ ‬الفائدة‭.‬
وبين‭ ‬هذه‭ ‬العوامل،‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬المستثمر‭ ‬الأميركي‭ ‬دخل‭ ‬بالفعل‭ ‬مرحلة‭ ‬إدارة‭ ‬مخاطر‭ ‬أكثر‭ ‬منها‭ ‬مرحلة‭ ‬مطاردة‭ ‬عوائد‭. ‬وهذه‭ ‬نقطة‭ ‬التحول‭ ‬الأساسية‭ ‬في‭ ‬السوق‭ ‬الحالية‭. ‬ففي‭ ‬الأسابيع‭ ‬الماضية،‭ ‬كان‭ ‬السؤال‭: ‬‮«‬أي‭ ‬الأسهم‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬ترتفع‭ ‬أكثر؟‮»‬
أما‭ ‬الآن،‭ ‬فالسؤال‭ ‬الأهم‭ ‬أصبح‭: ‬‮«‬أي‭ ‬الأصول‭ ‬تستطيع‭ ‬الصمود‭ ‬أكثر؟‮»‬‭ ‬وهنا‭ ‬تحديداً،‭ ‬تتغير‭ ‬شخصية‭ ‬السوق‭.‬

رجوع لأعلى